التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 105
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » رحيق الكتب » المداعبة» رواية برونو بونتميلي: تسنين الحواس أو الوليمة الأخيرة


المداعبة» رواية برونو بونتميلي: تسنين الحواس أو الوليمة الأخيرة المداعبة» رواية برونو بونتميلي: تسنين الحواس أو الوليمة الأخيرة

جوني مزهر (بيروت) الأحد, 10-يناير-2010   07:01 صباحا

المداعبة» رواية برونو بونتميلي: تسنين الحواس أو الوليمة الأخيرة

من النادر ان نقرأ رواية مترجمة بدقة وحب.

ذاب ميشيل كرم في الرواية لدرجة الغليان، فأعاد سبكها بعد ان مرت في شرايينه وقطعت في نخاعه الشوكي. رواية «المداعبة»، تداعب ليس فقط الخيال بل تتلاعب بالمشاعر والأحاسيس المعيشة والباطنية. كيف لا، وهي تقودنا الى اكتشاف الأعماق البشرية الدفينة في رغباتها الجامحة.

تخيلوا الاندماج بين اكتشاف مدينة بتفاصيلها من شوارع ومبان، بأزقتها وحدائقها، بالبساتين وشرايين الحياة. يقابلها اكتشاف الحواس من خلال الأجساد المختلفة والمتنوعة للأنثى، رحلة مشتركة وتداخل ممتع حيث يصبح للمدينة وتاريخها جسد متجسّد في كل منطقة تحمل صفات معينة كما تحمل كل انثى تاريخها وجغرافيتها وبصمتها الخاصة. اندماج يحمل في طياته الحياة والموت، الماء والدماء، الزوايا والدوائر، الممرات المكشوفة المستورة الغامضة، حيث عليك ان تتلمس طريقك كما تتلمس حد الأنثى في العتمة معتمداً على حواسك مغمضاً عينيك، رحلة بديعة في ماض لا نزال نعيش اجزاء حيّة منه في حاضرنا هذا.

سيقتلونك.. هم الغالبون.. لا غالب إلا الله: تُغلب غرناطة ويختم تاريخ الأندلس العرب في سنة اكتشاف القارة الأميركية. مفارقة تاريخية، سقوط حضارة واندثار منارة يقابلها عالم جديد صاعد من بربريته. عالمان يتداخلان في صراع لا ينتهي الا بالغلبة. عالم قديم المعرفة وآخر حديث الولادة. عالم تجذر في القدرية وآخر ينظر الى ما بعد الأفق والنجوم. عالمان التقيا في جنوب اوروبا لقرون سبعة وما ان التحما حتى اكتشفا بعضهما من خلال جسدين. ذكر ليس إلا آخر السلاطين وانثى ليست إلا اميرة من «الأما». اشرف الأجساد السائدة في عصر التلمس بين الطين والعقل. اسياد مطلقة تكتشف ذاتها بعد ان سادت بالمطلق على العبيد والعباد. سلطان لم يعرف منذ بلوغه الى الفحولة الذكورية الصحراوية. نساء الأرض في مخدعه، انواع منتخبة منذ ان فاحت رجولته، «استهلك الكثير منهن في حياته كوريث اولا وكسلطان لاحقا».

الذئب الوريث

الاندلس سابحة في عمق حضارة سيطرت لسبعة قرون وتركت بصمات دامغة وعميقة في محيطها. فكرة الرواية ابداع في حد ذاته، احفاد الصحراء، احفاد الجبال والسهول، السلطة، الشهوة، الحياة، الموت. انهيار غرناطة تدريجيا يقابلها اكتشاف تصاعدي للحواس ولذات الذات. السلطة المطلقة على العبيد والعباد، السلطان «الذئب الوريث» المسلم، المؤمن، خليفة بني امية في عمق أرض «الكفار»، السيد على بقايا الديار الإسلامية المتقهقرة تباعا نحو قدرها المحتوم. غرناطة تنازع، تعيش فصولها الاخيرة وسيدها المطلق يعيد اكتشاف حاسته البدائية: «المداعبة» عبر اللمس والتلمس. عاد تلميذاً على يدي عازر، ذاك اليهودي وريث ديانة راسخة، جعلت نفسها اساسا ومؤسسة لديانتين تجابهتا في الشرق والغرب. عازر هو الجسر واللحمة، هو الأستاذ المطيع لسيد عاد الى مراهقته. سيد تلميذ يعيد نسج نفسه عبر حواسه الناقصة. السيد الذئب النهم المرتوي بأجساد الجواري المقدمات له بعد ان تم اختبارهن بدقة نخبوية امتاز بها أجداد عازر تاجر الأجساد وسيد الحواس. العين عاكسة للوجود، بها يلقي السيد التلميذ دروسه الأولى في الملامسة عبر يافعة رقيقة، نحيفة، امرأة في جسد طفلة. الدرس الأول لسيد ما عرف الا الولوج منذ انتصابه الاول. العشرات، بل المئات قدمن له، انه الوريث والسلطان والسيد المنتظر في توبئة رأس الدولة الهرمة، المطوقة.

اكتشاف الحواس

مفارقة هي حياة آخر السلاطين. امارته مطوقة، وهو يتوق لاعادة اكتشاف انثى فاتته في شبابه. دروس مدوزنة بحسب كل جسد وبحسب مزاج السيد السلطان. يدفع عازر الانثى الملائمة لكل وضع وحالة. للهزيمة مذاق وانثى وملامسة ومداعبة واجواء محددة مهيأة. لعبة يفتتن السلطان بها، يصقل اصابعه وراحتيه بعيد احيائها تدريجا، يكتشف فناً قديماً مستورداً من اقاصي الشرق، بلاد السند والهند حتى صين الحرير. مع الدروس والأجساد يذوب الجلد الميت عن يديه ويخرج الصمغ من اذنيه، تعود إليه اصوات الهمسات والتأوهات الصامتة، الروائح الأنثوية المعطرة للأجساد تدخل مجدداً في عمقه متبخرة في رأسه. تتكثف الدروس وتتكثف المعارك على أراضي غرناطة. يتقدم العدو مدمراً البساتين والمزارع، فاتكاً بالبشر والحجر. تسيل الدماء ويتقدم السلطان ـ التلميذ في اكتشاف لذة المداعبة وإغرائها ملتذاً في تسييل الماء الانثوي بين أصابعه وعلى راحتيه، يسكر من رائحته. العدو يجهز الحملات العسكرية وهو يجهز نفسه لحربه الخاصة مع الذات ومع الوديعة الجديدة. أصبحت يداه أكثر خبرة في تذوق ملامسة أنواع البشرات، يدرك من طرف عينيه نوع «الوليمة»، حاسة الشم تحدد عطرها، أصابعه المصقولة تحوك الجسد في خواصه التفصيلية غير المملة. يتقدم في علم وعالم الأجساد تحت أعين طيف عازر المعزول في زاويته والمتابع لتقدم سيده التلميذ والمتابع للحروب والمعارك وللدسائس و«المؤامرات» داخل القصر ومع عرب ما وراء البحار. السلطان لا يرتدع، يقاوم، يقتل حلفاء القصر المرتدين داخل القصر. يحافظ على عائلته. يؤمن سلامتها ويمضي الى وليمة مميزة، حفلة المجون والفجور، أجساد الأرض من الجواري والإماء ومخصيين في مشهد يليق بأفلام فليني. سيدة من الاشراف عصى جسدها عليه، على لمساته، على يديه، على مداعباته، بالرغم من انه سننها دون هوادة. أدرك السلطان انها وليمته الاخيرة بعد ان أمّن الهروب لعائلته ولأستاذه، ومعظم رعيته. وحيداً في القصر، يتنفس في بطء، يمر بنظره على حديقته، يشم روائحها المتنوعة الدافقة والمبعثرة، يتجه نحو أسيرته، يجدها عارية إلا من أساورها. على سجادة بين وسائد جلس آخر سلاطين الأندلس. السيدة الأسيرة، اشهى أدواته التي حرم نفسه منها تتحداه الآن بعريها، يرى في عينيها ما يقرأه في نفسه، وتعكس تلك النظرات الرغبات الأسيرة لدى تلك النبيلة التي اعتقت نفسها من الأسر واصبحت جاهزة كطبق حي لحواسه ولجوعه القديم وتعطشه الجاف. يعلو الصراخ مع قرقعة السيوف، العدو يدخل القصر والحرس يتراجع. تتقدم الأسيرة وتسجد عارية، مكعبة، يقف السلطان رامياً ثيابه، يركع. اصوات القتال وصراخ القتلى تصم الآذان، باب البرج يتحطم، ترتجف الأسيرة: سيأتون لإنقاذي، وصدرت عنها أنات، رغبتها تعلو كما اصوات السيوف والتروس وصراخ المتحاربين، دماؤه تغلي وتتبخر كحبات الرمل الصحراوي في عروقه. يلوج بها محققا الرغبتين معا. «سيقتلونك» تصيح في لحظة الخلود الزمني، دماؤه تفور، الباب يتحطم، النبيلة تتلوى في لهيب اللذة، يرحلان عن محيطهما الدامي. لحظة الصمت الطويلة والعدو يتقدم ويحطم الباب الأخير «للمأوى». تتمتم الأسيرة النبيلة: «هم الغالبون». رتل من عليائه وفي رأسه نار جسدها، «لا غالب إلا الله».

غلبت غرناطة ولا تزال الصحراء الرملية تردد في صداها كلمة حاكمها الأخير المغلوب في ملكه الغالب «على» عقله والمتفاني لحواسه.

عن السفير

   

المداعبة» رواية برونو بونتميلي: تسنين الحواس أو الوليمة الأخيرة اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2018
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير