التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 105
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » رحيق الكتب » "العشّاق" لرشاد أبو شاور: مسيرة التاريخ الفلسطيني .. المعاناة والأمل


"العشّاق" لرشاد أبو شاور: مسيرة التاريخ الفلسطيني .. المعاناة والأمل "العشّاق" لرشاد أبو شاور: مسيرة التاريخ الفلسطيني .. المعاناة والأمل

د. جوني منصور () الأربعاء, 17-مارس-2010   02:03 مساءا


رواية " العشّاق" لرشاد أبو شاور في طبعتها السادسة (2004) عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت، تؤكد من جديد حيوية القضية الفلسطينية وكونها، أي القضية، ليست مسألة عابرة إنّما تبحث في ثنايا هذا العالم عن إحقاق العدل وتثبيت الحقوق المشروعة لشعب شُرّد بصورة وحشية لم يشهد مثلها التاريخ البشري من قبل.
والرواية في مختصرها تنقل صورة التشرد الفلسطيني منذ العام 1948 حتى مطلع السبعينات، خاصة تلك الصورة القاتمة للغاية التي أعقبت نكسة أو نكبة 1967 وما حل بفلسطينيي المخيمات من مصائب وكوارث.
وأبو شاور لم يتمحور فقط في الأحداث المتعلقة بالفترة التاريخية المشار إليها سابقا فحسب، بل إنه سعى في صفحات كثيرة من روايته إلى تثبيت التاريخ العريق والقديم للفلسطينيين في ارض آبائهم وأجدادهم.
وإذا كان أبو شاور قد اختار مدينة أريحا وضواحيها مركزًا أساسيا ورئيسيا لأحداث روايته، فإن هذا الاختيار جاء ليؤكد مدى ارتباط الفلسطيني بأرضه وعلاقته غير المنقسمة مع تاريخه وماضيه.
فأريحا وما تمثله من عراقة في التاريخ والدور الإنساني الذي لعبته لم تتفرغ كليّا من سكانها، أو بالأحرى لم تتحول إلى مدينة فارغة من أهلها، بل إن أهلها بقوا فيها على مدى قرون طويلة متناقلين تراثها بكافة مركباته.
وبالرغم من العواصف العاتية التي لحقت بهذه المدينة عبر المسيرة التاريخية الخاصة بها وبسكانها، إلا أنها ما زالت صامدة في وجه العتاة الظالمين. وهذا ما عكسته هذه الرواية في طرحها هجمات يشوع بن نون وورثته في عصر الظلام الحالي.
وبكون مسيرة تاريخ الفلسطيني غير مفروشة بالورود إنما بالأشواك والأشواق في الوقت ذاته، فإن الحب والعشق لا يبرحان أحداث هذه الرواية. كيف لا، فالفلسطيني الذي أحب، وما زال، أرضه وجبالها ووديانها وأنهارها ومدنها... ، يعرف كيف يحب أخيه الإنسان ويحترمه ويقدره. فالحب الصافي والنقي والحقيقي يواكب أحداث الرواية بين محمود وندى اللذين يخططان مستقبلهما رغم كل الصعاب والمتاعب. فقرار الفلسطيني أن الحياة ستستمر، وهو أي الفلسطيني المجبول بالصلابة والقوة والعنفوان يعرف كيف يحب وكيف يتحول حبه هذا إلى تضحية حقيقية ملموسة على ارض الواقع.
ولا يفوت ابو شاور في روايته هذه، وهو المعروف عنه مواقفه الثابتة والصريحة من توجيه الانتقاد السياسي اللاذع للأنظمة العربية كافة حول تعاملها مع الفلسطينيين عبر التاريخ الخاص بالقضية، إصراره على أن الفلسطيني قادر لوحده على إدارة قضيته وتوجيهها نحو الوجهة الصحيحة والسليمة ليحقق حلمه في إقامة دولة فلسطينية حقيقية غير مقطوعة ومشلولة.
سأحاول في دراستي هذه التطرق إلى بعض الجوانب التاريخية المطروحة في رواية "العُشّاق" بهدف فهم وإدراك كيفية نجاح ابو شاور في تجنيد الحدث التاريخي لتثبيت الحدث أولاً ثم لاستخدامه في بناء الرواية.
ومجددًا لست بصدد دراسة الملامح الروائية أو الفنية في هذه الرواية، إنما ما تحويه من أحداث تاريخية جُندّت على مسار تقدم الرواية.
*) ذاكرة المكان وحيوية الحدث
يُكثر أبو شاور من استخدام أسماء المواقع التاريخية والجغرافية في روايته هذه. ويحاول أن يورد أكبر قدر منها، خاصة في كل ما له علاقة بمنطقة أريحا. إضافة إلى أسماء مواقع أخرى بعيدة ذات صلة بأحداث الرواية، مثل القدس ونابلس والخليل...
ولا يكتفي بذكر اسم الموقع في سياق الرواية بل يحاول بعمق اكبر ذكر مرادفات أخرى للاسم ذاته، أو كما يرد على السنة الفلسطينيين حسب مواقع عيشهم وتواجدهم.
فـ " البحر الميت" وهو الاسم الأكثر شيوعًا لتلك البحيرة الواقعة بين فلسطين وشرقي الاردن، والأكثر انخفاضا في العالم تحمل أسماء أخرى كانت مستعملة لدى الفلسطينيين في السابق، وما زال عدد قليل منهم يميل إلى استخدامها. فمن بين هذه الأسماء " بحيرة لوط"، " بحيرة سدوم"، " البحيرة الميتة"، " بحيرة الملح". وهذه الأسماء مرتبطة تاريخيا وواقعيا بالمكان ذاته المعروف بـ " البحر الميت" الى يومنا هذا.
ويقدّم ابو شاور وصفًا لمناطق محيطة بأريحا ـ محور أحداث الروايةـ فيذكر جبل القرنطل( ص 6 ، 47 ، 48) وهو الجبل الذي جرّب فيه إبليس السيد المسيح، وفيه اليوم دير للرهبان الارثوذكس. وهذا الجبل وقور وأسطوري في صموده وإشرافه على بقعة منطقة أريحا.
وجبل التجربة هذا الشامخ الجليل، حكيم وقور، صخري، برونزي في الصباح، رصاصي في الظهيرة، وداكن عند المساء، وأسود في الليالي القمراء، رهبانه ونساكه ينتظرون المسيح " ما يدريني أنهم لا ينتظرون، وأنهم ورثوا الانتظار عن أقوام خلت، وأن الانتظار هنا بلا فائدة. ولكنه ضروري مع ذلك"(ص 101).
لا يفقد الفلسطيني الأمل في عودته إلى موطنه وتحرير نفسه وأرضه من الاحتلال، فهو ينتظر كالرهبان المشار إليهم في رواية أبو شاور، حتى لو لا توجد فائدة من هذا الانتظار التاريخي الطويل والمديد إلا انه ضروري لوجود بارقة أمل ما زال الفلسطيني يراها في أُفق حياته مهما حصل من أحداث مؤلمة وموجعة.
ومع كل هذا، لا يترك أبو شاور أبطاله ينتظرون من منطلق الضرورة الواجبة، بل يدعوهم إلى تحقيق الأمل بالعمل، أي ضرورة التحرك وعدم التوقف على وجه الإطلاق.
وبالنسبة للمخيمات المحيطة بأريحا والتي ورد ذكرها في الرواية ولها علاقة وثيقة ووطيدة بأحداث الرواية فهي:" مخيم عين السلطان" و" مخيم النويعمة" و" مخيم عقبة جبر"(ص6).
ولا يفوت أبو شاور مسألة تجنيد المعلومات التاريخية حول مكتشفات أريحا الأثرية بكونها أقدم مدينة في العالم، وذلك لتوثيق العلاقة الفلسطينية الحالية والحاضرة بالماضي البعيد الضارب في عمق التاريخ.
ومن بين المواقع الهامة في الرواية التي لعبت دورًا بارزًا في حياة الفلسطينيين بصورة سلبية ـ "البناء الأصفر"ـ وأشير إليه باللون وليس بالاسم للدلالة على انه السجن الذي شيده الانكليز زمن احتلالهم لفلسطين أو كما يعرف بالانتداب البريطاني على فلسطين. واستعمله الانكليز لسجن وتعذيب المقاومين الفلسطينيين ولم يتغير السجن إذ ورثه النظام الاردني وتابع أداء نفس مهامه ووظائفه. وبعد نكبة 1967 جعله الاحتلال الاسرائيلي مقرًا للحاكم العسكري الذي عرف كيف يستفيد من ملفات المخابرات الاردنية التي خلفها الاردنيون في هذا البناء. وسهلّت هذه الملفات على المخابرات الاسرائيلية وأجهزتها الأمنية من تنفيذ مختلف عمليات القمع والبطش في حق الفلسطينيين العائشين في اريحا والمخيمات المحيطة بها.
ومقابل جبل القرنطل في الطرف الآخر تمتد جبال موآب والتي تبدو كأنها أسوار اسطورية تحرس اريحا ولا تتركها وحدها. وهذا أمل بضرورة التواصل العربي وعدم الانقطاع عن صُلب القضية العربية ألا وهي مأساة فلسطين.
ولا يفارق المكان موقعه المركزي في الرواية، ويكثر أبو شاور من ذكر أسماء الأماكن التي لها صلة مباشرة أو غير مباشرة بأحداث الرواية، وكلها مرتبطة زمنيا ومكانيا بتاريخ القضية الفلسطينية وتطوراتها ، خاصة في الفترة الزمنية التي تدور حولها أحداث الرواية. فجبل القرنطل وقد أشرنا إليه مرات كثيرة، والمخيمات الفلسطينية بالقرب من اريحا تلعب دورا مركزيا في أحداث الرواية وتطورها. وقرى مثل: عين ديوك(ص 57)، وذكرين(ص 61)، والسموع(ص 141)؛ ومدن مثل :دمشق(ص60)، ونابلس(ص 56)، وعمّان والخليل ورام الله والقدس وأبوابها(باب العمود، باب الخليل، باب الاسباط)، وأزقتها التاريخية. كل هذه الأسماء متماسكة بشدة في أحداث الرواية، ولها دور مركزي في تاريخ القضية واستمرارها.
وهناك بعض الأمكنة التي تحمل دلالات قوية في عمق وصلب الذاكرة الفلسطينية، فالجسر الفاصل بين الوادي الفاصل بين مخيمي النويعمة وعين السلطان يثير من جديد سقوط الجرحى والقتلى في المظاهرات ضد حلف بغداد الاستعماري في العام 1955، مما دفع بالفلسطينيين إلى الانتقام بكل ما له صلة بالانكليز صانعي هذا الحلف حتى من خلال مشروع العلمي الزراعي في اريحا وجوارها(ص 18).
ويحمل محمود ذكريات المكان من خلال عودته إلى شريط الطفولة الفلسطينية الوادعة والهادئة والتي لم يكن شيء يعكر صفوها:" سار محمود على امتداد مخيم عين السلطان، على الطريق المؤدي إلى نابلس، حتى بلغ حافة الوادي، الذي يفصل المخيمين. الوادي جاف هذه الأيام، لكنه في الشتاء يهدر، وتلاطم المياه الطينية المندفعة بين ضفتيه إلى الشرق.
هنا لعبت، هناك بنينا، بيوت الطين معًا، لكن المياه محت كل شيء، عند تعرج الوادي، لعبت أنا وحسن. كان يأتي من مخيمهم مع الكثيرين من الاولاد مرات عديدة اشتبكنا ولاحقنا بعضنا بعض بالمقاليع.." (ص 56).
وما زال يتذكر البيوت التي يسكنها خلق جاءوا من بلاد بعيدة، ومعهم سلاح، فقتلوا وذبحوا وطردوا... فصرنا على أرضنا وعلى أرض الآخرين، وهذا العالم غرباء"(ص 58). إشارة منه إلى تغير الأدوار على أرض فلسطين بين أصحابها الأصليين والشرعيين وبين الدخلاء والغرباء والمحتلين.
وهكذا وفق أبو شاور في جعل المكان جزءًا لصيقًا بالحدث التاريخي الواقع على محور زمني متحرك نحو الأمام في مخزون القضية الفلسطينية.
ومرة أخرى، فإن الأمكنة ليست خيالية إطلاقًا أو أنها بعيدة عن واقع الأحداث التي جرت في مرحلة ما بعد النكبة حتى مطلع السبعينات من القرن العشرين، إنها ـ أي الأمكنة ـ ذات المعنى التاريخي العملي في حياة الفلسطينيين. فهو بهذا ـ أي أبو شاور ـ لم يكن بحاجة إلى صنع أماكن من نسج الخيال، إنها موجودة وتحوي الرواية في جوفها.
*) السياسة في قلوب"العُشّاق"
دير الرهبان الاورثوذكس على سفح جبل القرنطل
يوجه أبو شاور سهام قلمه نحو السياسيين العرب في مختلف مستوياتهم القيادية، ولا يوفر أحدًا من توجيه نقد لاذع إلى دوره في تهميش وتحييد القضية الفلسطينية وتحويلها إلى حدث صغير في الماضي.
وبكونه فلسطيني لاجئ ابن القضية، تبنى مشروعًا روائيًا أساسه سياسي واضح المعالم في سياق تطور أحداث الرواية.
والقيادة العربية التي تبنت القضية الفلسطينية منذ قرن من الزمان أوصلت الشعب الفلسطيني إلى ما هو فيه اليوم، ولم تكن هذه القيادة تاريخيًا بمعزل عن التواطؤ مع أعداء العرب كاسرائيل وبعض الدول الغربية المنتفعة من الموضوع كبريطانيا والولايات المتحدة الامريكية.
هذا يعني، وجود مؤامرة محبوكة بحنكة ودراية لشق إمكانية وحدة العرب جغرافيا وسياسيا عن طريق خلق قضية (أو قضايا) تشغلهم مدة طويلة وتهدر طاقاتهم وقدراتهم العقلية وثرواتهم ومواردهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبشرية. ويشير إلى التعاون بين سياسيين فلسطينيين في أدنى درجات السياسة وبين المخابرات الاسرائيلية، فـ " أبو صالح، غني، لا يقرأ ولا يكتب، لا يفهم بالسياسة، رئيس بلدية اريحا، فشل في الانتخابات، وهو ماسوني والمحفل الماسوني فوق كراج له. من أصدقائه وزراء وضباط مخابرات ويهود"(ص 17). وهذا الشخص يتصدر شكلاً من أشكال الزعامة. و لم يفت أبو شاور الربط بين الماسونية واليهود، ومحاولة هذه المؤسسة المشبوهة من توسيع رقعة الملاحقة والقمع ضد الفلسطينيين.
وموقفه من نظام الحكم يعبر عنه محمد في ص 104 بقوله:" سأنزع الضمادات، وأسير برأسي المهشم، وشعري المقصوص الشائه، أمام الناس، لينظروا، وليعرفوا وليتعلموا الحقد. إن هذا النظام يغتصب وطننا، وينتهك كرامة شعبنا، رئيس المخفر فلسطيني مرتزق، والشرطي ادريس اردني، بدوي دجنه النظام، وحوله إلى برغي في الآلة التي تطحن الانسان الفلسطيني...و...حتى الاردني. لا أخفيك، أخي حسن، بأني حزين، وأن شعورًا بالهوان يكاد يطفح من حلقي".
ويعود الأمل بالمستقبل وما ينتظر الفلسطيني ليتابع مسيرة حياته بصورة طبيعية أسوة ببقية الشعوب، وكونه يناضل ويكافح من أجل بقائه: " قصوا شعرك، وداسوا على وجهك يا أخي محمد، وقتلوا والدنا وهو يعبر الحدود ليحارب العصابات اليهودية مع غيره من الرجال الذين رفضوا الهدنة، والاتفاقات، وتمزيق الوطن، لا بأس. ها نحن نكبر، ولا ننسى الدم، وهدير الطائرات، أيام التمرد والجوع والخبز الجاف صنعتنا فهيهات أن ننكص، أو نلين، أو نسكت"(ص121).
هذا ما احتاج إليه الفلسطيني ليبق متمسكًا بالأمل الحقيقي كي لا يضيع هو وتضيع قضيته ويتحول إلى لا شيء في العالم.
وسلمان عباس رمز للمقاومة الشعبية الفلسطينية عبر تاريخ هذه المقاومة التي لم تتوقف في وجه الإذلال ومحاولات السحق عبر الزمن التاريخي. "وأنت يا سلمان عباس، يا أبي؟ قالوا لك، انتهى لا تتسلل، فلم تستجب.
انتقلنا إلى أريحا، مسكينة أمي. قالت: الحمد لله أننا غادرنا الخليل. لن يعود إلى القرية. لكنك لم تتب، لقد أدمنت يا سلمان عباس. أدمنت، حتى قتلوك على الحدود. لقد كانوا يحرسون الحدود لليهود، أولئك هم إخوتنا الجنود العرب، جنود الملك عبدالله.
إنهم يتوارثون الخيانة، ونحن نتوارث الهموم والأعباء"(ص121).
هذا المشهد المتكرر في حياة الفلسطيني يعكس بوضوح وصراحة إصرار الفلسطيني على العودة إلى أرضه ووطنه وبيته وهوائه، وإصرار العربي الآخر على منعه تحقيقا للمخطط التاريخي البغيض بسلب فلسطين من أهلها وتقديمها هدية على طبق ذهبي لتركيبة شعوب غير متجانسة أبدًا تدّعي أن الله منحها هذه الأرض قبل آلاف السنين.
وهنا يطرح أبو شاور موضوع " وعد الله" في نقاش مع الأب الياس، راهب القرنطل. لقد احتاج إلى هذا الكاهن ليعطيه صورة حقيقية حول مفهوم الوعد." أبونا الياس هذه أخفض نقطة في العالم، وهي مقدسة، ولقد طهرناها من الأفاعي والعقارب، أنا ذكي، وهذا ما تشهد لي به درجاتي في المدرسة والجامعة. باختصار، لقد تكلم الله مع موسى، فلماذا لا يتكلم معي؟ اريد ان اطرح سؤالا واحدا، ذي شقين: أولاً: هل وعد اليهود بأرض كنعان، أرض فلسطين، أرض اللبن والعسل؟ الشق الثاني: إذا لم يعدهم، فلماذا يقف على الحياد؟"(ص122). هذه أسئلة لاهوتية وسياسية في الوقت ذاته. وواضح النظرة الرافضة لفكرة تجنيد الله في التوراة لصالح أطماع ورغبات اليهود والصهيونية. فهل الله خالق الكون وجابل الإنسان يميز بين أبنائه من كافة الشعوب التي خلقها؟
ومحمود احد الابطال المركزيين في هذه الرواية يحمل في جوفه وبقناعة ان العرب لن يستطيعوا تحقيق انتصار في حربهم مع العدو:" المشكلة، الجماهير غير معدّة للمعركة، لا سلاح، لا ثقة بهذه الحكومة، ولكن الأمل في جيش مصر، عبد الناصر قادر على الصمود، اما الجيش الاردني، فقد اعتاد على محاصرة المخيمات والمدن، وتفريق المظاهرات، وبسلاحه الانكليزي والامريكي السيئ لن يحقق نتائج طيبة. لقد أعد لغايات تتناقض مع تحرير فلسطين رغم شجاعة أفراده"(ص 124).
وتعود الذكريات التاريخية القريبة زمنيا إلى مخيلة وفكر محمود فيتعمق بها أمام الأب الياس. إلا أن الأب الياس يستبقه في مبادلة الذكريات بقوله:" ذكريات سوداء ثقيلة لكنها عظيمة. لقد كلل المسيح بالشوك من اجل الإنسان في كل مكان، دقت المسامير في كفيه فتحمل من اجل الإنسان، وهذا ما يفعله شعب فلسطين"(ص 124).
فيأتيه جواب محمود المعبر عن موقف تاريخي وسياسي صلب لا تردد فيه على وجه الإطلاق:" نحن يا أبت لن نغفر، سندق المسامير في نعوشهم، سننظف وطننا من هؤلاء القتلة. إنه حلم، ولكن يطلع من الواقع. أتعرف، مرات أقول إن هذا الجبل، جبل التجربة، هو تمثال للصبر الفلسطيني. إنه راسخ، مهيب، ثقيل، صلب يا أبونا، مهما حدث في الحرب، التي ستقع فلا بد أن نعود"(ص 124).
ويعود بعد إصراره على حق العودة إلى توجيه النقد اللاذع لسوء التنظيم في الجانب العربي:" ولكن الجماهير غير منظمة، الغضب يملأ الصدور، وهذا الغضب تأجج عندما اعتدى الصهاينة على السموع، ولم يدافع الجيش الملكي عن الناس، وفضلاً عن الغضب هناك الإصرار على تحرير الوطن، ولكن الناس غير منظمين"(ص 141).
ويعترف محمود أن "حدود الضفة الغربية مفتوحة أمام اليهود، لا سلاح، ولا ملاجىء، لا ثقة بالحكومة، ولعبة المعاهدة التي وقعها الملك في القاهرة، مضحكة ومكشوفة، أما نحن فما زلنا غير قادرين على قيادة الناس، عواطفهم معنا، هذا صحيح، ولكن ما نحتاجه أكثر من العواطف"(ص 142).
إن طرح موضوع القيادة كان في صلب النقاش الفلسطيني لفترة طويلة ولقد لعبت بعض الأنظمة العربية دورا في تمييع تكوين قيادة واقعية حقيقية إلى أن اتخذ الفلسطينيون قرارهم بتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية وتحويلها إلى جسم تمثيلي وحيد لهم لتنطلق مسيرة بناء القيادة رغم الزعزعات التي تعرضت لها هذه المنظمة عبر العقود الأربعة الأخيرة.
وأثارت حرب حزيران 1967 تساؤلات كثيرة ومتكررة لدى كل فلسطيني وعربي من حيث الاستعدادات العسكرية السابقة لها. هل كانت كافية؟ هل تعرف العرب بما فيه الكفاية على المبنى التنظيمي الأمني/العسكري الاسرائيلي؟ويأتي الجواب على لسان محمود:" لسنا ندري ماذا نفعل، ما هذه الحرب، وإلى أين تتجه؟ وكيف ستكون نتائجها. ولكن ومع كل الاحتمالات، فهناك أمر لن تحققه هذه الحرب: إنها لن تحرر فلسطين"(ص 154).
ولا يمر أبو شاور مرورًا خاطفًا على الانجازات الحربية التي كانت تحققها الإذاعات العربية في ذاك العام(أي 1967) بينما التقهقر والهزيمة في ميدان الواقع:" في صدري نار. الإذاعات تقول: نحن نتقدم ونحرر. طائرات العدو تحرق المعسكرات بسهولة عجيبة. حرب الإذاعة، وحرب أخرى أمامنا، هناك حربان يا حسن"(على لسان زياد ص 162).
ويؤكد محمود في سياق استعراض حالة الجيوش العربية أن الإذاعات تقول أشياء والواقع ينفي أغانيهم وتفاؤلهم(ص 165).
ويشير إلى لغة الخطاب التي استعملها قادة العرب، وهي لغة عفى عليها الزمن فـ" هذا صوت الملك يقول: قاتلوهم بأظافركم وأسنانكم"(ص 165). وبسخرية مسرحية تثير الضحك والأسى في ذات الوقت يجيب" الأمور سيئة وما يزيدها سوءا يا أمي أن أظافرنا قد قلمت، وأسناننا كسرت"(ص 166). وهذه إشارة واضحة وفاضحة إلى قمع الأنظمة العربية لحركات المقاومة والثورة. حتى لم يبق أي شيء يستطيعون بواسطته مواجهة العدو بما في ذلك أظافرهم وأسنانهم. لقد أُفرغت المقاومة من كل إمكانية للمقاومة الفعلية، ليبق النظام الحاكم سائدًا وليذهب الفلسطيني وقضيته إلى الجحيم!.
ولا يتوقف النقد اللاذع عند هذا الحد بل يسترسل كل من محمود وزياد في تفصيل العجز السائد في الساحة السياسية/العسكري:" هذا خطاب كوميدي على نحو ما، فيه شيء من التفكه، وخفة الدم، ولكن كان ينقصه أن يأمرنا بأن نحاربهم بأعضائنا التناسلية، إلاّ إذا كان هذا السلاح محرم دوليا"(ص 166).
ويفتح أبو شاور حساباته التاريخية ـ حسابات الشعب الفلسطيني ـ ليحاسب الزعامة العربية" لو امتلك بعض القنابل الذرية، إذن لفجرت الكرة الأرضية، وأنهيت سفالة الإنسان. لو امتلك القدرة على إلقاء القبض على الزعامات العربية ومحاسبتهم جميعًا، في الساحات العامة وعلى المكشوف، آخ من كل شيء"(ص 168).
ويُصرّ الفلسطينيون على رفض خوض تجربة الرحيل للمرة الثانية كي لا يتحقق مشروع العدو بتفريغ فلسطين من أهلها. كانت التجربة الأولى في العام 1948 قاسية وصعبة ومهينة، حيث فقد الفلسطينيون أرضهم وبيوتهم وأملاكهم ولم يبق لديهم سوى شيء واحد وهو الصراع من أجل البقاء والديمومة." يظنون أن باستطاعتهم كشطنا عن أرضنا، نحن لسنا هذه البيوت الطينية التي يسهل هدمها، نحن التراب، فكلما كشطوا طبقة واجهوا أخرى، وكلما أزاحوا صخرة، جوبهوا بصخرة. أنا باق ولن أرحل. ستظل أمي معي وأخي محمد وهذه أرضنا وهنا سنموت"(ص 171).
هذا التحشيد للقوى الروحية والنفسية سلاح صنعه الفلسطينيون ليستمروا في كفاحهم وصراعهم من أجل البقاء ومن أجل إعادة الكرامة بقواهم الذاتية ودافعيتهم نحو مستقبل يستحقونه لكونهم أصحاب حق.
ويوجه أبو شاور نقدًا لاذعًا للشرطة التي من واجبها حماية المواطنين الفلسطينيين ولكنها تبرح أريحا ومواقع أخرى متواجدة فيها. حتى العلم لم يدافعوا عنه، وهذا دليل على ابتعادهم عن الأصول والقيم، فالعلم يدافع عنه الفلسطينيون لأنه علم عربي سيأتي يومًا يرفرف عاليًا فوق هضاب وتلال الوطن الغالي. " رفع الشباب رؤوسهم، فرأوا العلم يرفرف، وكأنه طائر انطلق بعد طول حبس، أخذ يضرب بالهواء بجناحيه ببطء، وكأنما يمرن الجناحين ويفجر طاقته المخزونة، ثم يرتفع ويرتفع في الأفق..."(ص 175).
هنا، أدرك الفلسطينيون معنى ومفهوم حماية العلم والحفاظ عليه لأنه رمز وجودهم التاريخي وتطلعاتهم المستقبلية نحو الحرية والاستقلال.
من هذه الحرب تفتقت عيون الفلسطينيين على واقع جديد عليهم مجابهته بأنفسهم. لقد تحرروا من احتلال الأنظمة العربية للقضية الفلسطينية، ووقعوا تحت احتلال بشع وقمعي وشرس جعلهم يتخذون قرارا ذاتيا بالتحرر الذاتي من ربقة هذا الاحتلال.
ومن بين الخطوات الأولى لمواجهة الاحتلال الاسرائيلي هو عدم الرحيل نحو الشرق، وعلى كل فلسطيني التمسك بوطنه وأرضه وعدم تركها إطلاقا(ص 184).
كانت الهزيمة في العام 1967 مؤشرًا لتنشيط العمل الفدائي النشط لإنقاذ فلسطين والسعي من أجل خلاصها وإعادة أبنائها إليها.
واجتمعت جميع الأطراف الفلسطينية المدنية والدينية (بشخص الأب الياس) على أن الحل الأساسي في سبيل خلاص وتحرير فلسطين هو حمل السلاح. فالفلسطيني" لم يختر منفانا" كما قال غسان كنفاني في روايته" رجال في الشمس".
لقد كان احتلال الضفة الغربية بالنسبة للفلسطينيين بداية حقيقية وواقعية للتعرف على العدو. لم يعد التعرف على العدو من خلال الإذاعات والدعاية الكاذبة، إنما من خلال الاحتكاك اليومي والصراع الدائم(ص 210).
ويحتاج كل شعب إلى من يرفع معنوياته ويبعد عنه الكرب والكآبة والتقهقر النفسي، ويردد محمود كلمات تدل على وعي كبير وإدراك عميق لأهمية الحفاظ على ترابط الشعب الفلسطيني وتماسك إرادته مهما تشتت شمله جغرافيا" الآن تبدأ المعركة فعلاً، هذا هو الاشتباك الحقيقي، يريدون تدمير إرادة المقاومة عند شعبنا، ولكنهم لن ينجحوا"(ص 230).
*) العامية الفلسطينية، جزء من تكوين صراع البقاء
لجأ ابو شاور إلى إدخال عدد لا يستهان به من التعابير والكلمات من العامية الفلسطينية في سياق سير وتقدم روايته. ولا يشعر القارئ بأنها دخيلة ومقحمة على النص بل إنها تنساب انسيابًا سلسًا لا تأثير فيه على مضمون النص وتراتب الأفكار.
واستخدامه للعامية الفلسطينية لدعم شعبية المقاومة وابتعادها عن حرفية النص من جهة ولتأكيد حيوية اللهجة العامية وكبريائها في تحالفها مع القضية من جهة أخرى. وهكذا نجد أن التشابك بين الفصحى والعامية ما هو إلا مسار نحو تكامل الفكرة المطروحة في رواية " العشاق".
ودرج الفلسطينيون إلى يومنا هذا على استعمال مصطلحات وتعابير عامية كجزء من الميراث التاريخي والقيمي، فـ " شد حيلك"(ص 40)، و " لم لسانك"(ص51)، و " شلة من الزعران"(ص 51)، و " فشرت"(ص 31)... تحمل دلالات عملية تشير بوضوح على حاجة أحداث الرواية إلى مثل هذه الكلمات والتعابير لتتابع سيرها دون تصدع في المعنى.
ولا ينسى أبو شاور ما دامت روايته تعالج جوانب من الشخصية الريفية الفلسطينية من أن يُعرّج على التراث الغنائي الشعبي فيورد مقاطع من الأغاني الفلسطينية:
إيو يا شقحنا بطيخة
إيو يا طلعت حمرا ومليحة
إيو ياما نابك يلي وشيت بمحمود غير الفضيحة.
لولولو...لي
وتجد أغنية فلسطينية شعبية مكانها في الرواية وتندرج مع أحداثها دونما تردد، وما زال الفلسطينيون في مواقع عديدة من فلسطين يرددونها حتى في أفراحهم، مثلاً في مدينة الناصرة في الجليل:
عذب الجمال قلبي
لما نوى عالرحيل
قلت يا جمال خذني
قال لي حملي ثقيل
قلت يا جمال بمشي
قال لي دربي طويل(ص 24).
ويتعمق القاموس العامي في "العشاق" عندما يورد كاتب الرواية كلمات لا يعرفها إلا الفلسطيني الخبير بلغته ومعارجها، مثلاً:" تجعص"(ص 94، أي ترفع رأسها إلى أعلى)، " وابور الكاز"(ص 96، أي آلة نار تعمل على الكاز، كثر استعمالها في فلسطين وجوارها إلى نهاية السبعينات)، " تحت السواهي دواهي"(ص 96، وهو مثل شعبي شائع في الديار الفلسطينية إشارة إلى مكر واحتيال الرجل الهادئ والصامت بشكل عام).
*) الأب الياس رمز وشهادة للمسيحية الفلسطينية
شاء أبو شاور أن يخصص في روايته مكاناً للمسيحيين والمسيحية من منطلق مبدئي، كونه مدرك مدى أهمية المكانة والدور الذي لعبه ويلعبه المسيحيون العرب الفلسطينيين وغيرهم من أجل وطنهم فلسطين والقضية الفلسطينية. وهذا الإدراك الواقعي يرقى فوق كل اعتبار طائفي ومذهبي ضيق يجعل من المسيحيين العرب جماعة هامشية مغلقة على ذاتها.
كان المسيحيون العرب، وما زالوا، من اشد المتمسكين بانتمائهم العروبي والقومي والفكري، وساهموا في النهضات العربية بكافة أشكالها على مدى العصور.
والمسيحي الفلسطيني هو فلسطيني صرف قبل أن يكون مسيحي الديانة، عرف الفرح عندما عرفه الفلسطينيون عامة، وعرف الحزن والغم عندما عرفه الفلسطينيون أيضا.
ورأى أبو شاور أن يفي شيئا من التقدير والتكريم لدور الكهنة المسيحيين الزطنيين من خلال مشاركة الأب الياس في أحداث الرواية وتفاعله معها وكونه جزءا من مركباتها، وإن كان دوره في الرواية في بعض الأحيان يبدو مقحما عليها، إلا أن شهادته الصادقة تنم عن دور الكهنة المسيحيين في مواساة اللاجئين عام 1948(ص88)، وان الكنائس والمساجد قد آوت عائلات كثيرة في العام 1948. ولدعم هذه الشهادة فإنني شخصيا قد استمعت وسجلت عشرات الشهادات الحية من مسيحيين ومسلمين فلسطينيين تشير إلى لجوء مئات العائلات إلى المعابد الدينية طلبا للحماية ولاقوا فيها بيتا حميميا زودهم بالأمل.
وتستعيد الأم في الرواية ذكريات سنة النكبة أمام الأب الياس على مائدة الغداء بتذكرها الأب حنا" بجسده الصغير، ووجهه الطيب السمح، وعينيه الحزينتين. أتذكر كيف عمل بدأب وشجاعة لمواساة اللاجئين عام 1948. كانت سنة صعبة، نكبنا بالخروج من الوطن، ثم هاجمنا ثلج الشتاء في مخيم (الدهيشة)، قرب بيت لحم. لقد غمرت الثلوج الطرق والخيام وكدنا نهلك، لولا أن جاءت السيارات، وشحنت مئات الأسرى إلى الكنائس والمساجد في بيت لحم.
مسكين الأب حنا، لقد ظل يعمل ليل نهار، يدلّك أقدام الأطفال بالماء الساخن، يحضر الطعام، يتفقد الأسر المكدسة لصق بعضها. في الليل يخرج باحثاً عن الحطب في بيوت أهالي بيت لحم...
والله أنه مات شهيدًا... لقد أحب المسيح فيكم، وأحبكم في المسيح"(ص 88 و 89).
وتتواصل الشهادة الحية والصادقة عن دور المسيحيين، فها هو الأب الياس الناسك المتزهد في الدنيا له رأي وموقف من الأحداث المتسارعة الجارية على أرض الوطن فلسطين. قال الأب الياس، وعيناه تتطلعان بعيدًا:" أصارحك أنا خائف على بقية الوطن أن تضيع"(ص 123).
وحال الأب الياس بعد الهزيمة في 1967 في غاية التراجع النفسي والذهني فهو" حزين جدًّا، لقد أذهلته الهزيمة، إنه لا يأكل، ولا ينام، يدور في شوارع المخيم وأزقته، كأنما يبحث عن الناس، إذا التقيت به فإنه لا ينطلق معك في الحديث، إذا استمر على هذه الحالة فلن يعيش طويلاً"( ص 199).
الواقع التاريخي أن ما وقع في 1967 كان ضربة شديدة على الفلسطينيين، إذ أنهم لم ينهضوا بعد من نكبة 1948 إلا وحلت عليهم هذه النكبة الجديدة. فالحجر واجم ومذهول فكيف الحال بالبشر، خاصة الفلسطينيون العاجزون في تلك الفترة عن قيادة مشروعهم الفدائي بقوة وزخم.
ولكن الأب الياس يعود إلى واقعه وأحاسيسه ورؤيته المستقبلية ليؤكد فرحه بتنظيم العمل الفدائي واستعداده للمساعدة" أنا أعرف أنكم تعملون منذ زمن، لا تظن أنني لا أؤمن بالعنف، أنا مع حمل السلاح في سبيل تحرير الوطن، تذكر هذا"(ص 217). هذه العبارة كانت صرخة من جوف الأب الياس بعودة الروح إليه وانتعاش أساريره لعلمه وإيمانه أنه بعد الصلب تأتي القيامة لا محالة، وأن المقاومة مشروعة وحق طبيعي للإنسان الواقع تحت ربقة الاحتلال. وهذه المقاومة ليست إرهابًا، بل صرخة مدّوية في وجه المحتل ومناصريه وصولاً إلى إحقاق العدل.
*) حياة الفلسطيني اليومية، خليط من الألم والأمل، الحزن والفرح
تختلط حياة الفلسطيني بين الألم والأمل والحزن والفرح اختلاطًا لم يشهده شعب عانى كمعاناة الشعب الفلسطيني.
وهو ـ أي الفلسطيني ـ على بينة من أمره بفعل الخبرة التاريخية أن فرحه اليوم أفضل من الغد لأن الغد يخبئ في جوانبه ألمًا وحزنًا. فأريحا الجميلة في الليل بهدوئها وصمتها السماوي، إلاّ أن الفرح قد غادرها في أعقاب المآسي الشديدة والنكبات المتلاحقة التي ألمت بها(ص245).
ولا يجعل الفلسطيني الألم والحزن يسيطران عليه، فهو في عجلة من أمره ليفرح ويسر قليلاً" من يدري، ربما نفرح ذات يوم: من كثرة الأحزان نسينا الفرح"(ص 255).
والفلسطيني في خضم عراكه اليومي مصر على ممارسة كل أشكال الفرح، " علينا أن نفرح قبل أن نموت، أو نسجن..."(ص 263). إنه عارف معرفة جيدة أن مصيره المستقبلي يتأرجح بين الموت أو السجن، وكلا الحالتين موت. فالموت فقدان للحياة وخروج من دائرتها، والسجن أيضا فقدان للحياة وأسر تحركات الإنسان والحيلولة دون مواصلة مسيرته نحو تحرير أرضه ووطنه. فما الفرق بين الحالتين؟ على ما يبدو أن الفرح هو الحد الفاصل في تنقلات الفلسطيني الحياتية.
*) الأمل رفيق دائم لـ " العُشّاق"
غريب أمر هذه الرواية، فالعشاق الذين يختبرون أشكالاً متنوعة من الحياة، ذاقوا مرّها وحلوها، تحملوا الإساءة من ذوي القربى وأبناء الجلدة الواحدة المشتركة، ومن الغريب والعدو،على حدٍّ سواء، إلاّ أن الأمل مستولٍ دائم على رؤاهم وتطلعاتهم والحياة في استمراريتها وليست في توقفها، في تدفقها وليس في جمودها. " تمتم أبو خليل وهو يسير بمحاذاة الجدول، مصغيا للخرير،(تزوجا، يا محمود أنت وندى، وأنجبا كثيرًا من الأطفال)، أنا أعرف أنها موافقة. سمع ضحكة طفل، ضحكة جذلى، مرحة ولكن الرصاص كان يقطع تلك الضحكة، التي كانت تعود لتنطلق من جديد حلوة ومرحة"(ص281).
لا يتركنا أبو شاور دون الأمل والتطلع إلى مستقبل زاهر آتٍ لا محالة. وهنا، الفلسطيني يجهز لمستقبله المؤسس على الفرح، هكذا يريده أن يكون. أن يكون مليئًا بالفرح بعد التحرر من الاحتلال وتحقيق استقلاله، فالشهادة الفلسطينية ليست موتًا إنما انطلاقة حياة.
*) خلاصة
هذه الرواية بنظري تحمل مخزونا تاريخيا غنيا. عرف واضعها كيفية الاستفادة من هذا المخزون لتجنيده لصالح أحداث الرواية بصورة واقعية للغاية. فهو يؤرخ بأسلوب روائي وقفات أو محطات من التاريخ الفلسطيني منذ عام النكبة 1948 إلى عام النكسة(وهي نكبة ايضا) في العام 1967، وكيف تعامل معها الفلسطيني والعربي كل من منطلق رؤيته ومصلحته. والأهم بالنسبة لرشاد أبو شاور ما تركته هذه النكبات في عمق التاريخ الفلسطيني من متغيرات على الساحة الحياتية والنضالية.
رواية " العشّاق" تحمل في جنباتها ملامح من حياة وتشرد كاتبها الروائي رشاد أبو شاور، وتنقل صورًا لما حل بالشعب الفلسطيني من مصائب وويلات على مر الفترة الزمنية التي تدور فيها أحداث الرواية، أي من العام 1948 إلى مطلع السبعينات.
رواية " العشاق" درس من دروس التاريخ الفلسطيني والعربي كونها تضع القارئ أمام تحديات الماضي برؤية الواقع المعاش بكل مركباته وعناصره.

   

"العشّاق" لرشاد أبو شاور: مسيرة التاريخ الفلسطيني .. المعاناة والأمل اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2018
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير