التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 105
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » رحيق الكتب » حضور الغياب.. بين المختارات والنص المفتوح


حضور الغياب.. بين المختارات والنص المفتوح حضور الغياب.. بين المختارات والنص المفتوح

منير عتيبة (القاهرة:) الخميس, 02-يونيو-2016   03:06 صباحا

حضور الغياب.. بين المختارات والنص المفتوح

 

"حضور الغياب" هو الكتاب الأول للباحث والناقد د. مدحت عيسى الذي يقدمه من منطقة جديدة عليه تتماس مع النص السردي وفن المختارات في تجربة جديدة. صدر الكتاب عن دار ليليت للنشر والتوزيع بالإسكندرية عام 2016.

التضاد في العنوان، حضور الغياب، يفيد تضاد الحالات التي يمر بها العاشق ومشاعره حتى في اللحظة الواحدة، ويعلي من شأن الغياب، فالعشق عمل جواني سري، لكنه حاضر، فيجعل الكفة الراجحة في العنوان للغياب وإن يأتي هو الكلمة الثانية في تركيب المضاف والمضاف إليه.

وحضور الغياب هو عنوان أحد فصول الكتاب، وهو أيضا الحالة التي يمكن أن تجمع بقية الحالات في إطارها، أو التي يمكن أن يكون بينها وبين بقية الحالات تماسات ما.

العنوان الفرعي "تأملات في العشق" يلقي الضوء بالتخصيص على مطلق الحضور والغياب في العنوان الرئيس بأنه حضور وغياب يخص منطقة العشق، ويوضح آلية عمل الكاتب في هذه المنطقة بالاتكاء على التأملات في موضوع العشق، والتأملات عقلانية أكثر منها وجدانية، وهو ما يشي بأن الكاتب سيخضع ما هو وجداني (العشق) لما هو عقلاني (التأمل) لكي يفهمه أو يوضحه أو يقترب منه إلخ.

لا يشتمل الكتاب على إهداء، لأن الإهداء بطبيعته إما أن يكون شخصيا يخص الكاتب والمهدى إليه، أو يكون موجِهًا للقارئ بشكل أو بآخر، وقد حرص الكاتب على نفي الشخصانية حتى لا يخص الكتاب أحدا، ويخص كل أحد، وحرص على عدم توجيه القارئ مكتفيا بما سيشرحه في مقدمة الكتاب.

وقد أكدت المقدمة ما أوحى به العنوان الفرعي، حيث يبدأ الكاتب بالإشارة إلى أشهر الكتب التي تتناول العشق وأحوال العشاق، ثم يتحدث عن (منهج) الكتاب، حيث ينقسم إلى قسمين، الأول يدخل في باب التأليف وهو ما كتبه مؤلف الكتاب بنفسه ليصف حالات العشاق، ولم يرد أن يرتبها ترتيبا منطقيا كما يقتضي البحث، بل ترك هذه "الحالات العشقية مضطربة الترتيب كاضطراب العاشق في جل أحواله" ص6.

وهذا القسم وجداني أدبي يقترب من القص بشكل أو بآخر وإن لم يكن قصا في المطلق "فلن يتساهل الناقد مع نفسه بإطلاق مسمى قصص على كتاب يعرف علميا أن ما به ليس قصة قصيرة بالمعنى الدقيق".

أما القسم الثاني فهو المختارات التي اختارها الكاتب لكل حالة من هذه الحالات العشقية، وقد راعى أن تكون المختارات في أغلبها نثرية وليست شعرية، ليتناغم الأسلوب الذي كتب به الحالات العشقية مع أسلوب المختارات، لكنه من حيث الموضوع حرص على التنويع في المختارات فلم تكن دائما متوافقة مع الحالة العشقية بل مثلت هذه النصوص بالنسبة له "تلقائية الاستجابة العاطفية والإطار الأدبي المتفاعل مع الحالات بالتفسير، أو بالقبول، أو بالاختلاف" ص6.

والمختارات فن عربي قديم، مارسه الكثيرون، ولعل أشهر أعمال المختارات الشعرية "ديوان الحماسة" لأبي تمام، وفي العصر الحديث هناك الكثير من المختارات منها "أحلى عشرين قصيدة في العشق الإلهي" لفاروق شوشة على سبيل المثال، وقد كانت المختارات في الغالب شعرية، لذلك حرص الكاتب هنا على أن تكون معظم مختاراته نثرية.

ولأن الكاتب قدم حالات القسم الأول كطرح أدبي، فقد حرص على أن تكون مختاراته أدبية في المقام الأول فلم يتطرق إلى أقوال الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع في موضوع العشق.

ولا بد أن أشير هنا إلى أن التقسيم إلى القسم الأول والثاني في كلامي قد لا يكون دقيقا تماما، بل الأفضل أن نقول القسم الأعلى والتالي، لأن الأول والثاني توحى بقسمين منفصلين، لكن الكاتب قسم فصول الكتاب بحيث يبدأ كل قسم بحالة عشقية تليها مختارات هذه الحالة، وكأنها صدر وعجز البيت الشعرى.

يقدم الكاتب 27 حالة عشقية معظمها مفتوح النهايات ليمنح القارئ فرصة المشاركة في التفاعل وإنتاج النص الذي ليس قصة بالضرورة ولكنه سرد أقرب إلى البوح أو الفضفضة، والحالات مكتوبة بلغة تجمع بين تقنية التكثيف كسرد ووصف الحالة كبحث، وتتكئ الحالات على المشاعر الرومانسية غالبا التي تفجرها أفكار العاشق أو الأحداث اليومية في سرد بسيط لا يدعي التعقيد، ولا يدعي الكاتب أن الـ 27 حالة هي كل الحالات العشقية الممكنة، لكنها كل الحالات التي استطاع رصدها ومعايشتها ساردًا هذه الحالات.

وبداية من أول حالة عشقية (بين الصمت والبوح) سيكون علينا أن نفصل بين الكاتب والسارد، فالكاتب الذي وضع عنوان الكتاب ومخططه وأسلوب العمل فيه وكتب مقدمته، يترك مساحة السرد لسارد آخر هو من عايش وعانى الحالات العشقية، والسارد يروى جميع الحالات بضمير المتكلم بصفته ساردًا مشاركًا، ويقوم الكاتب بمتابعة هذه الحالات بالتعليق عليها من خلال المختارات التي عني الكاتب باختيارها بينما يعانى (فرحًا وألمًا) السارد بمعايشتها.

وإذا قرأنا عناوين هذه الحالات متتابعة فإنها يمكن بتجاورها فقط أن ترسم صورة بانورامية لحالات العشق التي عاشها السارد (بين الصمت والبوح.. صورة غائمة.. انتظار.. لغة أخرى.. ألق.. حضور الغياب.. الطيف.. وآويت إلىَّ.. أما بعد.. طقوس.. من أول السطر.. لا بد منها.. الهدية.. ظلال البعيدة.. التورط.. النافذة.. في الحب شيء من كل شيء.. الأفعال تتحدث بصوت أعلى.. قلق دائم.. الجسد.. الرفيق.. الرسول.. تفاصيل.. غضب.. الوصايا.. وانفرط انسجام الكون.. تماثل).

فلم يترك الكاتب الأمر للصدفة في ترتيب الحالات كما اعترف في المقدمة، فهو على الأقل تعمد وضع الحالة الأولى التي تصف التردد بين الصمت وكتمان الحب وبين البوح بالمشاعر، والحالة الأخيرة التي هي مآل المرور في كل الحالات العشقية المتناقضة وهي حالة التماثل بين الحبيبين.

ونلاحظ أن معظم عناوين الحالات من كلمة واحدة غير معرفة، أو من مضاف ومضاف إليه، عناوين قليلة هي التي جاءت في جملة كاملة، لكن الكلمات المفردة المعرفة وغير المعرفة، والمضاف والمضاف إليه، والعناوين الجمل، كلها تشير إلى عموميات ولا تحدد معنى واحدًا أو معانى واضحة يمكن أن نعرفها من العنوان فقط، إذ العنوان مجرد مفتاح إشاري لن يفهمه القارئ ولن يتمثله إلا إذ فتح الباب وولج بكله إلى الحالة العشقية فتمثل ساردها في نفسه.

ويختم الكاتب كتابه بقائمة المصادر التي استقى منها المختارات النثرية والشعرية المناسبة لحالاته العشقية، وهو هنا يمثل أنبل ما في فكرة المختارات، فأساس هذه الفكرة هي الإعجاب بشيء، والسعادة به، ثم الرغبة في نشر هذا الإعجاب وتلك السعادة لتشمل أكبر عدد من الناس، لذلك يفتح الكاتب الباب على مصراعيه لمن أراد أن يشاركوه إعجابه وسعادته ليتعاملوا مع المصادر نفسها، فكأنه أعطاهم شربة ماء، ودلهم في الوقت نفسه على طريق النهر.

يمكن أن تقرأ هذا الكتاب بطريقتين، الطريقة الأولى فصلا فصلا، تقرأ الحالة العشقية ثم مختاراتها، الطريقة الثانية تقرأ الحالات العشقية متسلسلة وحدها، ثم تقرأ المختارت وحدها، وستصل بك كلا الطريقتين إلى النتيجة نفسها.

الأديب مدحت عيسى عندما قدم كتابه الأول وبه نصوص سردية أقرب إلى فن القص فإنه صاغها بيدين، يد الأديب ويد الباحث معا، ثم تردد أن يقدمها للقارئ ليحكم عليها وهو الذي طالما حكم على أعمال المبدعين، وهي جديرة بأن تقدم للقارئ منفردة كنصوص سردية بدون تجنيس.

لكن المبدع احتمى بالباحث فقدمها مع المختارات التي اتكأ فيها الباحث على آخرين لا يمكن ألا يرضى القارئ عن معظمهم إن لم يرض عنهم جميعا، محمود درويش ومصطفى صادق الرافعى وصلاح عبدالصبور ونزار قباني والعقاد والسراج وابن حزم وابن قيم الجوزية وداود الأنطاكي وأحمد عبدالمعطي حجازى وجبران وغيرهم، حتى إذا لم يستقبل القارئ السرد الاستقبال الذي يليق به وجد على الأقل ما يرضيه في المختارات، وتلك المختارات تشير إلى الذوق الراقي في الانتقاء من حيث تذوق اللغة والفكرة معا، وأتمنى ألا يخشى السارد في الكتاب القادم قارئه ولا يحتمي بالباحث في مواجهته.

   

حضور الغياب.. بين المختارات والنص المفتوح اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2018
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير