التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 99
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
الكاتب : حبيب سروري
الكاتب : أمير تاج السر
  
الرئيسية الرئيسية » رحيق الكتب » سلالم النهار للأديبة فوزية شويس السالم: بين الرواية والغواية!


سلالم النهار للأديبة فوزية شويس السالم: بين الرواية والغواية! سلالم النهار للأديبة فوزية شويس السالم: بين الرواية والغواية!

محمد يوب () الأربعاء, 11-يوليو-2012   06:07 صباحا

سلالم النهار للأديبة فوزية شويس السالم: بين الرواية والغواية!

 

"الجسد الذي لا يرقص جسد ميت ابن عربي من يعتقد بأن المرأة مجرد جسد للمتعة فهو واهم، ومن يؤمن بمقاربة النوع ويعتقد بأن الكتابة النسائية تغرف من المخزون الذكوري والفحولي ولا تتصف بخصوصيتها الأنثوية فهو غارق في المغالطات المعرفية التي تجعل كل الأعمال الأدبية في سلة واحدة. لقد توصلت مؤخرا الى عمل أدبي نسائي، وهو عبارة عن رواية موسومة بـسلالم النهار للأديبة الكويتية فوزية شويس السالم، وما أثارني في هذه الرواية منذ الوهلة الأولى هو إهداء الكاتبة على الصفحة الأولى حيث كتبت لقد منعوا كلماتي من تواجدها في معرض الكتاب، لكن كلماتي استطاعت الطيران رغم ذلك المنع مع التوقيع باسم الكاتبة.

كل هذا لم يسترع انتباهي ولكن الذي شدني إلى متابعة تفاصيل الرواية هو جرأة الساردة وتمردها، وهي تحكي وقائع القص الروائي بجرأة غير معهودة وغير مسبوقة في المسرودات النسائية، ذكرتني بكتابات روائيين كبار في مجال الكتابة الشطارية، من أمثال جون جيني (مذكرة لص) ومحمد شكري (الخبز الحافي) ومحمد زفزاف (المرأة والوردة(.

ونقصد بالكتابة الشطارية أو الكتابة البيكارسكية الكتابة التي تميل إلى حد ما إلى السيرة الذاتية، حيث يكون الراوي والسارد هو نفس الشخص أي (البيكارو) أو الشاطر، وقد سبق أن عرفنا في موروثنا الثقافي العربي مثل هذه الكتابات، وهي ما يعرف في شعرنا العربي القديم بشعر الصعاليك، والشطار هم فئة من فئات الشعب التي ثارت على الأوضاع الاجتماعية وعبرت عنها أدبا.

فالرواية من الحجم المتوسط عدد صفحاتها 220 صفحة صدرت عن دار العين للنشر بغلاف أسود أنيق عليه لوحة مرسوم عليها رجل يفتح باب بيت قديم ويقدم رجله اليمنى متخطيا عتبة البيت، وفي الخارج يبدو ضوء النهار منبلجا، وفي الداخل تكتسح البيت عتمة الظلام الموغلة في السواد، وفي أعلى الغلاف كتب العنوان بلون ذهبي عريض يظهر براقا وسط عتمة اللون الأسود.

في الحقيقة لم يكن قصدي من هذا الوصف الدقيق لعتبات الرواية اعتباطيا، ولم أقصد منه وصف الرواية لفاقدي البصر، ولكن كان هدفي من هذا الوصف إرسال رسالة مهمة وجدية لفاقدي البصيرة، لكل مصاب بإعاقة حسية تمنعه من الاستمتاع بجمال الكتابة الأدبية وجمال الكلمة المعبرة، التي استطاعت بحق قطع المسافات والوصول بين يدي لأسبح في فضائها وأستمتع بجمالها وروعة لغتها.

إن الإبداع لا حدود له ولا وصي عليه، لا يعترف بالقوانين البشرية البائدة ولا يخضع لأوامر أصحاب المال والجاه، إن الإبداع لا ينبطح على بطنه كما ينبطح الخولات الذين أمعنت الساردة في وصفهم، الإبداع لا يركع لأي مخلوق، يثور في أية لحظة، قنبلة موقوتة ينفجر في وجه الجميع، إنه حصان جامح ينقلب على صاحبه عندما تختل موازينه.

وهكذا تسافر الرواية سلالم النهار وتمر من بين أيدي زبانية الأنظمة المتحجرة، كسرت جميع الحواجز الجمركية، من الخليج إلى المحيط.

فكل ممنوع مرغوب، والإنسان بحكم فضوله المعرفي يريد معرفة هذا الممنوع، يريد معرفة ما في هذا الممنوع من أشياء جعلته ممنوعا، ليس عنادا ولكن حبا في هذا الممنوع، فالإنسان بطبيعته وبفطرته يحب الاستطلاع، يحب معرفة الشيء اليوم قبل الغد، الإنسان يريد كشف أسرار هذا الممنوع، يريد شق حجبه وتمزيق خدره.

المرأة وهي في البحر عارية قد لا تغري لأنها تكشف عن جسدها ويصبح المشهد عاديا، لكنها تثير فضول الرجل وهي تحت العباءة وتحت الخمار، يريد معرفة ما تحت هذا المستور، وهذا الما تحت هو الذي ستفضحه الروائية وتكشف أسراره بطريقة تجمع بين الرواية التقليدية والرواية الجديدة.

فرواية سلالم النهار منعت لأنها عرت عورة المجتمع الكويتي المختبئ وراء دشداشات الذكور وعباءات النساء، وهي في الحقيقة عورة مصغرة عن عورات كثيرة في مجتمعاتنا العربية، لقد أزاحت الحجاب عن وجوه كانت مطلية بالمساحيق، وفي الصباح انكشفت وظهرت على حقيقتها، وكانت صفحات الرواية المرآة التي عكست حقيقة المجتمعات الخليجية خاصة والعربية عامة.

في معرفة العتبات 

عندما تناولت سالفا غلاف الرواية وعنوانها كان القصد من ذلك الوقوف على جزئيات الرواية، التي تبدو بسيطة بالنسبة للقارئ وعادية يمر عليها مرور الكرام، لكنها في حقيقة الأمر لها أهمية بليغة وبالغة على رأي جيرار جينيت، الذي قال احذروا العتبات لأنها هي البوابة التي منها تفهم أسرار الأعمال الأدبية، فمن بوابة العنوان نكتشف مضمون النص، على اعتبار أن العنوان هو نص مواز لمتن النص الروائي، فهو بمثابة المقبلات في الطعام.

وهكذا يأتي العنوان من خلال طريقة كتابته وبلونه البراق والمضيء وكأنه كوة ضوء في نفق عميق منه تأمل الساردة في غد أفضل، وكذلك لوحة الغلاف التي تكشف بشكل سميائي دلالة الرواية ومضمونها، من خلال ما تحيل إليه هذه اللوحة من تداعيات في ذهن المتلقي.

فالرجل المبهم الملامح ذو الملامح العربية واللباس التقليدي يأتي من نور النهار قادما إلى عتمة الليل في قلب البيت الغارق في الظلام، وفي عتمة الليل تلتقط الساردة جزئيات الواقع وتفاصيله، وفي الصباح تنقل الواقع من زمن الوقائع إلى زمن القص .

فمن بوابة الغلاف إذن ومن عتبة العنوان تبدأ فصول الرواية التي وإن انتهت على الورق لا يمكن إنهاؤها على الواقع المتعفن الذي يستحق البتر، وكانت الساردة بمثابة الطبيب الحاذق الذي وصف هذا التعفن، وبينت أسباب تعفنه ونتائج هذا التعفن وتركت الباب مفتوحا أمام المتلقي لاقتراح وسائل تفادي مثل هذه التعفنات، كل واحد بحسب زاوية رؤياه.

دينامية النص الروائي

قبل الحديث عن الرواية لا بد من معرفة جزئية مهمة في هذا المنجز الروائي، وهي عملية القص التي تتجلى في أبهى معانيها من خلال عملية السرد الروائي.

فمن معاني القص هو التتبع حيث ان أم موسى عندما وضعت ابنها في اليم قالت لابنتها قصيه أي تتبعي مساره، وعملية القص في الرواية تعني هنا تتبع تفاصيل الواقع والتقاط مفرداته وفسيفسائه، لكن الساردة لا تتبع الواقع بشكل آلي وإنما تنقله بشكل متخيل بأن تضفي عليه ما سماه جاكبسون بأدبية العمل الأدبي.

عند قراءة الرواية تشعر وكأن الساردة تتنقل بين الأزقة والدروب وهي تحمل كامرتها وتلتقط مشاهد فظيعة من الواقع الخليجي المليء بالمتناقضات، الثراء والفقر، تصف الحي الشعبي الفقير الذي ترعرعت فيه الساردة مع فئات عريضة من الشعب أغلبهم من البدون الذين لا جنسية لهم، وذنبهم في ذلك أنهم قادمون من جهات مختلفة من العالم.

الساردة تصف حيها الفقير الذي تنتشر فيه كل علامات البؤس وبيع المخدرات (الأعمال كلها مباحة بما فيها توزيع المخدرات والخمور، واختطاف الخادمات وبيعهن لقواد شبكات الدعارة، والقيام بأعمال السرقة كلها، من سرقة الأفراد إلى سرقة المشاريع الحكومية.....) سلالم النهار ص24 

كما ركزت بشكل خاص على الأفعال المشينة التي يقوم بها جل أفراد أسرتها، فأخوها صقوري الذي يبيع المخدرات وأخوها بطاح الذي يشتغل سواق سيارة اجرة وفي نفس الوقت يقوم بمهنة القوادة (وكلما ارتفع منسوب مياه الرجال من تحتها زادت حصة القواد كومار وازدادت نسبة أخي) سلالم النهار ص32.

هكذا تتحرك الساردة بكامرتها تنقل تفاصيل الشوارع التي تتنقل فيها الحيوانات بحرية بحثا عن بقايا الخضر المرمية في حاويات الزبالة، كما التقطت مشاهد من الشعوذة والزار التي تنتشر في هذا الوسط الفقير الذي غزته الأمية والفقر مما أدى بهم إلى البحث عن كل الوسائل وسلك كل السبل التي تأتي منها الأموال، ولو كان ذلك على حساب المتاجرة في أعراض بنات الأسرة مثلما تسرده الساردة في هذه الرواية، حيث ان خالها عواد كان يأخذها كل ليلة للرقص أمام أعين الرجال لتحيي لهم الليالي الملاح. 

وهكذا نرى أن مفردات الواقع تتحول إلى مفردات ملحوظة وملفوظة على رقعة الرواية، وهذه المفردات تنهض وتتحرك لتبحث عن التركيب، والتركيب بدوره يتحرك للبحث عن التعبير، والتعبير يتحرك للبحث عن الدلالة، حيث يلتقي الملقي مع المتلقي ويتقاسمان الهم المشترك والقاسم المشترك، وما يميز الساردة عن المتلقي هو اللغة، فبواسطة اللغة تمكنت الساردة من رصد وتتبع ما يراه المتلقي من أحداث وقعت في زمن الوقائع، فاختمرت في الذاكرة ثم خلقت لها زمنا هو زمن القص حيث تلتقي مع المتلقي وتقاطعت معه في كثير من تفاصيل الحياة.

ولهذا نرى في سلالم النهار أن اللغة الروائية فيها هي لغة دينامية تتجه من حالتها السانكرونية لتتقاطع مع حركية الواقع الدياكرونية، وهكذا تصبح اللغة أكثر انفجارية وأكثر حيوية تساعد على استفزاز المتلقي وتصدمه بالتوظيف المناسب لهذه المفردات التي تبدو غريبة على ثقافة الانسان الخليجي وعلى متخيله الجمعي والجماعي (تضم ساقيها إلى صدرها، وتتكئ بظهرها على الوسائد، يسقط الوشاح الأحمر عن وركها، ليتجعد ما بين فخديها والشراشف) سلالم النهار ص118 .

وتستمر الرواية بحركيتها محاولة تكسير حاجز الخجل بجرأة الساردة المخاتلة التي تورط المتلقي في تأمل وتخيل المشاهد الساخنة (يحضنني بعنف، ويعصرني ما بين ذراعيه يطويني طيا...ومطارحتنا صياد وفريسة... حين يفردني ويطويني، وينفرد بي.... وحشيته تدفع الدم بضربات قلبي، وارتفاع سخونة جسدي يمتصني كأنه سينتزع الروح مني... ينشب أسنانه في لحمي وينقض على صدري، كتفي أو رقبتي ويبقى للحظات فيها ساكنا صامدا.. يداهمني الخوف إن طالت فترة تذوقه للحمي) سلالم النهار ص 120.

وحقيقة الأمر ان هذه المفردات الجزئية هي الأصل في الانسان هي تعبير ملفوظ عن حالة بيولوجية تنهض وتتحرك بحكم الفطرة والغريزة، لكن سلطة الأنا الأعلى هي التي تكبت هذه الحركة وهذه الرغبة من الخروج إلى الواقع وتمنعها من الظهور مباشرة، لكن الساردة استطاعت تكسير هذا التابو والتعبير عما يشعر به الخليجي خاصة والإنسان العربي عامة، لقد حولت الواقع البصري إلى مقروء سردي.

إن المتتبع لتفاصيل الرواية يشعر بحركية اللغة، يشعر بدينامية اللفظة وهي تغازل الأسلوب ليولد معها شبقية تعبيرية، تعبر فيها لغة اللغة عن لغة الجسد، فيشعر القارئ بالألف وهو ينتصب وبالباء وهي تنخفض وبسكون السكون في فضاء الرواية، هكذا يشعر جسد القارئ برعشة ولذة القراءة بعدما تكون الساردة قد فرغت مداد الكتابة واستمتعت بلذة الكتابة. 

فلغة السرد الروائي بحركيتها تلتقط تفاصيل ومفردات الواقع وتنقلها بشكل متخيل في فضاء الرواية، وهي بذلك تساعد القارئ على تتبع تفاصيل الواقع من جهة وتفاصيل الجسد بعهره وقبحه من جهة أخرى، فلغة الجسد هي التي تجعل من اللغة كائنا حيا يعيش ويموت داخل الرواية (كتابة الجسد هي ما نعيشه أنا وأنت.. كتابة الجسد هو الحس العارم المتوقد في كل الحواس، في هذا اللهيب المضرم الضاري...هذا الشعور المحير المجنن الذي لا تدرك نهمه ولا محتواه، ولا اسمه ولا نوعه أو عينته) سلالم النهار ص73

منعطف السرد الروائي

إن القارئ لرواية سلالم النهار سيشعر بانعطافة قوية في مسار السرد، خاصة عندما يموت ضاري الحبيب الذي طالما تغزلت به الساردة وافتتنت بفحولته وبقوته أثناء المعاشرة وأثناء التماهي الشبقي الذي يرفعها من عالم إلى آخر لم تستطع نسيانه موته المباغت في عز فورته وسطوته وقمة أوج تدفق رغبته، هزني من قاع جذري المحنط في سبات نوم طويل، وأيقظ إحساسي من بلادة راكدة في زيف بريق عمره القصير. سلالم النهار ص143 

لقد كان موت ضاري صدمة للبطلة فاقت به من حلمها الجميل الذي انغمست فيه إلى درجة اللارجوع، لقد حرك فيها الجانب الثاني الذي يحث على الفضيلة ووجوب الابتعاد عن كل ما له علاقة بالممارسات الغرامية التي تأكدت البطلة من خطئها بالشكل الذي تمارسه، لأنها بدأت تشعر بحرمة هذا السلوك الذي حرمته كل الأديان السماوية والأعراف الدنيوية، ومما زاد من حدة هذه الانعطافة دخولها مسجد القرية، ومصادفتها لديوان رابعة العدوية الذي يدعو إلى الزهد وجدت في مسجد القرية دليلي.. ديوان رابعة العدوية كان هناك في انتظاري وعلى موعد معي... وقرأته حتى شعرت بكياني ذائبا في سطوع كلماته، وروحي تاقت إلى الخالق كما تاقت روح رابعة إليه. سلالم النهار ص161 .

وفي هذا المشهد الجديد انقلبت الرواية من سرد المشاهد الغرامية والاحتكاكات الجسدية إلى رواية الوعظ والإرشاد، ومحاسبة الذات وتأنيب الضمير، ومحاولة إصلاح المحيطين بها، أمها وأقاربها... الذين كانوا ومازالوا ملتصقين بالرذيلة التي فرضتها عليهم الفئة المتسلطة بمالها وجاهها الذي يحسسون البدون بدونيتهم وأنهم خلقوا في هذه الأرض لهذه الأغراض الدونية، إنها تريد تحسيسهم بكينونتهم وبمساواتهم مع الآخرين، تريد عتقهم من السلاسل التي تكبل عقولهم، لكن جميع محاولاتها كانت من دون جدوى فتركت الأيام التي بإمكانها إصلاح الجميع ربما يكون للزمن دور فيها.. وربما يكون للوقت دور فيها.. إن كان هناك وقت تذوب فيه كل المشاكل. سلالم النهار ص200 .

 

   

سلالم النهار للأديبة فوزية شويس السالم: بين الرواية والغواية! اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2017
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير