التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 96
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
الكاتب : فوزي كريم
الكاتب : المحرر الثقافي
الكاتب : ترجمة: صالح الرزوق
الكاتب : شمس الدين العوني
  
الرئيسية الرئيسية » آراء حرة » التدوين والمدونات ومظلة "أدب المقاومة"


التدوين والمدونات ومظلة "أدب المقاومة" التدوين والمدونات ومظلة "أدب المقاومة"

د. سحر الموجي (القاهرة :) الجمعة, 13-نوفمبر-2009   01:11 مساءا

التدوين والمدونات ومظلة

 فالأدب تحت وطأة المحتل لا يقل أهمية عن الكفاح المسلح بل هو يتزامن معه ويقود معركة موازية تهدف إلى حفظ ذاكرة شعب يحاول المحتل محو ذاكرته وتاريخه (ولنا من بين أمثلة عدة حادث اقتحام مبنى منظمة التحرير الفلسطينية وسرقة وحرق الملفات في بيروت وقت الاجتياح الإسرائيلي لها عام 1982).
ولقد تم تداول المصطلح مرتبطا بصراع دول العالم الثالث للتحرر من الدول المستعمرة والتي كانت آليات الاستعمار لديها دوما تحمل السلاح في يد وممحاة ذاكرة الشعب المحتل في اليد الأخرى.
يقول فرانز فانون في حديثه عن الإمبريالية الثقافية "لا يكتفي الاستعمار بإحكام قبضته على شعب من الشعوب وتفريغ عقول الناس من الشكل والمضمون ولكنه أيضا، بدافع من منطق مريض، يتوجه إلى ماضي هذا الشعب المقهور مشوها ومدمرا إياه".
وفي مقابل السياسات الثقافية الإمبريالية التي تعتمد على الاستغلال والقهر (على عدة مستويات) يحاول أدب المقاومة تسجيل بل وشحذ صراع الإنسان من أجل الحصول على حريته كاملة غير منقوصة.
وفي خطاب ما بعد الكولونيالية أخذ مفهوم المقاومة يتحور ويتسع على مدار نصف القرن الماضي باختلاف أشكال قهر الشعوب فأصبح في لحظة هو الأدب المهموم بالصراع مع ـ ومقاومة ـ كافة أشكال الأيدلوجيات والثقافات ذات السطوة على الثقافات الأخرى.
يتساءل بيل أشكروفت في كتابه "تحولات ما بعد الكولونيالية" عما إذا كان الكفاح المسلح وصراع الأيدلوجيات هما الأشكال الوحيدة للمقاومة؟ وهل تتضمن المقاومة دوما ممارسة العنف؟
ويرد أشكروفت علينا بنموذج غاندي والمقاومة السلبية. ويصل أشكروفت بمفهوم المقاومة إلى أنه لا يعود فقط على كافة أشكال الصراع السياسي فيقول إننا لو فكرنا في "المقاومة" كنوع من الدفاع ضد الغازي أو الدخيل لإبعاده، فإن أشكال المقاومة الاجتماعية والثقافية المستترة هي الأشكال الأكثر وجودا. ويصل إلى التأكيد أن "الناس العاديون والفنانون والكتاب (الذي من خلالهم تمت صياغة رؤية تحولية) قد أسهموا بالكثير في إطار مقاومة الضغوط الثقافية عليهم".
ومفهوم المقاومة لدى أشكروفت يتعدى حالة الأبيض والأسود، المستعْمر/ المستعمِر، الشرق/ الغرب كي يصل بنا إلى فهم الأشكال الثقافية المستترة للمقاومة. إنها أشكال لا تقوم على الرفض التام أو اللفظ للثقافة المستعمرة ولكنها تأخذ منها ما تريد وتحيك لنفسها لباسا على ذوقها ومقاسها. ولنا في اختراع الإنترنت وعالمه الافتراضي (وتحديدا قنوات التعبير مثل المدونات واليوتيوب والفيس بوك) مثلا واضحا على الكيفية التي استخدم بها العالم الثالث اختراعا غربيا أتت به الدول المستعمرة سابقا والمستعمرة ثقافيا حاليا في صراع تلك الشعوب من أجل الحرية.. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن هو: الحرية مِن مَن/ ماذا؟

الجيل الضائع وحلم الحرية
تتزايد الحاجة في هذه اللحظة لإعادة تعريف قطبي الصراع. صحيح أن القوى الإمبريالية لها ثقافتها التي نجحت إلى حد كبير في فرضها على الشعوب المستعمرة سابقا، لكن تلك الشعوب فُتحت أمامها حلبة صراع جديدة في المرحلة النيوليبرالية والتي بدأت في منتصف السبعينيات من القرن العشرين ولا تزال مستمرة. فبعد انقضاء المرحلة الأولى لما بعد الاستعمار بما اتسمت به من ثورية النظم الحاكمة وانحيازها إلى الثقافات الوطنية وإلى الطبقات المهمشة، دخل العالم إلى مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية النظام القطبي الثنائي وامتداد السيطرة الثقافية للولايات المتحدة على العالم. وانفتحت ساحة جديدة للصراع بين الشعوب المقموعة والحكام "الوطنيين" في المرحلة النيو ليبرالية الذين اتسموا بسلب الشعوب حريتها وتقويض دعائم الديمقراطية بفرض قادة سياسيين بعينهم واللجوء إلى كافة السبل من تزوير وشراء أصوات واستبعاد القضاء وإضعاف المعارضة والتنكيل بالمعارضين من أجل ضمان إحكام السيطرة على الحكم.
إن الصراع الثقافي الذي هو في نفس الآن نضال من أجل الحرية إذن لا يدور على الساحة الدولية (فقط) بقدر ما يدور على الساحة الداخلية. وينطبق هنا تعريف بيل أشكروفت لمصطلح المقاومة على أنه "أي شكل من أشكال الدفاع الكفيل بصد الغازي/ الدخيل". وبالرغم من أن حلبة الصراع ضد الإمبريالية الثقافية مفتوحة أمام المجتمع المصري إلا أن حلبة الصراع الداخلي تفرض سطوتها وتضع نفسها في موقع الأولوية لأسباب واضحة للجميع.

هذه المقدمة لا تشير فقط إلى المدونات ذات الطابع السياسي النشط، ولكنها في رأيي تشكل مظلة واسعة من الممكن إدراج كافة أشكال التدوين تحتها بدءا من المدونات المعنية بالسياسي والعام إلى المدونات ذات الطابع الأدبي، والأخرى المعنية بالخواطر واليوميات الخاصة.
ولا يمكن إدراك أهمية المدونات في إطار المقاومة التي قدمت بها هذه الورقة إلا بإلقاء بعض الضوء على الوضع العام في مصر بالنسبة لجيل المدونين الذي ولد أكبرهم في مطلع ثمانينيات القرن العشرين (حسب تقرير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء 2008 أن نصف عدد المدونين، 160 ألف مدونة، هم من الشباب الذي تتراوح أعمارهم بين 20 و30 عاما).
ولد هذا الجيل بعد انهيار الحلم الناصري بوطن عربي متحد ومنتصر في مواجهة القوى الاستعمارية ونكسة 1967 ومعاهدة السادات مع إسرائيل وما تلاها من سياسات بددت نصر أكتوبر. ولدوا في عصر مبارك الذي غاب عنه مشروع قومي، كما تراجعت فيه الحريات إلى أدنى حد لها برسوخ حالة الطوارئ التي تزامنت مع مدة حكمه الطويلة.
كبر هذا الجيل في ظل تراجع المنظومة التعليمية في مصر وفي خضم حراك اجتماعي عنيف وضع في مقدمة المشهد قيم الطبقة المتوسطة الجديدة وفي ظل نمو غير مسبوق للاتجاهات الدينية وأسر تأثرت بالنمط الخليجي في الفكر والسلوك.
أي أن هذا الجيل وقع بين مطرقة السياسة التي غابت عنها القيم الأساسية لحقوق الإنسان، وسندان المجتمع المحافظ الذي يمارس المصادرة والمحاكمة على التفكير.

يقول المدون وائل عباس في جملة نعرفها جميعا لكنها كاشفة "أعتقد أن الناس تمارس التدوين لأن هناك احتياجا، تحديدا لدى الشباب، للتعبير عن أنفسهم إذ أن ليس لديهم متنفس آخر إلا على الإنترنت" (جريدة الدايلي نيوز 31 يوليو/تموز 2008).
والحقيقة أن التدوين ليس فقط متنفسا لهؤلاء الشباب، خاصة أنه تمتع بحق إخفاء الهوية، ولكنه يدخل أيضا في إطار المقاومة لأنه يجسد محاولة من جانبهم للدفاع عن هويتهم الوطنية والثقافية. ويجسد شعار "راديو تيت" وهو "صوت الجالية المصرية في مصر" بشكل بليغ كلا من شعور المدونين بالاغتراب داخل وطنهم ومقاومتهم لهذا الاغتراب بالتكتل مع بعضهم البعض والتعبير عن أنفسهم وهوياتهم. فرغما عن كافة أشكال القهر لا تزال هناك إمكانية للتحقق وتعريف الذات وتدعيمها. المفارقة هنا أن إخفاء هوية المدون (في معظم الأحيان) كانت الوسيلة لتحقيق الذات في ظل وضع سياسي واجتماعي قامع للفردية.
أتاح إخفاء الهوية حرية واسعة لا يمكن أن يتمتع بها المدون إلا في الحيز الافتراضي للإنترنت فظهرت مدونات تحكي عن الخاص وأخرى تهاجم دين بعينه ومدونات أصحابها من المثليين جنسيا وغيرها.
أصبح التدوين مساحة لكسر التابوهات بكافة أشكالها، وفي هذا الانتهاك للتابو محاولة لتعريف الذات من جانب المدون والدفاع عن تلك الهوية التي ولدت بعيدا عن القوى السياسية والاجتماعية، التي من باب المفارقة المحزنة، قد احتلت موقع المستعمر واستعارت سياساته في محو الهوية.
فعل الكتابة
بغض النظر عن المدونات الأدبية فالكتابة نفسها فعل استكشافي، ومن هنا يمكن تقصي ملامح المدون ومحاولاته لتعريف ذاته والعالم من خلال اقترافه فعل الكتابة. فالمدونات المهتمة مثلا بشن هجوم على دين بعينه (وبعيدا عن المحاكمات الأخلاقية) ترسم ملامح صاحبها والفئة التي يعبر عنها وتبرز احتياجه لممارسة هذا النوع من الهجوم على دين آخر كما أنها تلقي بضوء كاشف على أمراض المجتمع المصري.
وهناك مدونات جماعية (الدنيا على جناح يمامة) يختلط فيها الأدبي مع الإخباري أو التنويهي والنقد الاجتماعي. (وبالنسبة للناقد بإمكانه استغلال تلك المادة الثرية لقراءة أحوال المجتمع المصري وتحولاته في الفترة الأخيرة).
وعلى مستوى الكتابة الأدبية أسهمت المدونات في الحركة الأدبية في السنوات الأخيرة بإفراز جيل من الكتاب والكاتبات كان سيتأخر ظهورهم إلى حد كبير في غياب التدوين.
هناك أسماء لمعت نتيجة نشر كتبها مثل مدونات الشروق الثلاث (رحاب بسام، غادة عبد العال، غادة محمود)، بالإضافة إلى أسماء أخرى اتجهت إلى النشر الورقي بعد أن تلقت دعما من مدونين آخرين (محمود عزت، سلمى صلاح، سالم شهباني، سمر علي من بين أسماء أخرى). كما أن عدد المدونات الأدبية ذات القيمة والتي لم تتجه إلى النشر الورقي بعد كبير ومنها مدونة Cairo Black Rose ومدونة كاميليا حسين، وملكة بدر، وزينب مجدي، وفاطمة ثابت، وغيرهم.


حالة انتماء


وبالإضافة إلى مساحة الحرية التي أتاحها التدوين، وكذلك تدعيم الذات من خلال فعل الكتابة، فإن المدونين خلقوا مع بعضهم البعض حالة من المساندة الفكرية والمعنوية لم تكن لتصبح متاحة خارج الحيز الافتراضي للإنترنت.
تتجلى تلك الحالة من المساندة والدعم بدءا من الروابط التي يضعها كل مدون على مدونته والتي تقود إلى مدونات أخرى (غالبا ما تتشابه مع المدونة في الأيديولوجيا) وصولا إلى مساندة المدونين الذين يتهددهم الأمن أو يقوم باعتقالهم. وفي هذه الحالات تشترك أطياف عدة من المدونات في نشر بيان سياسي واحد يؤكد التضامن مع المهددين أمنيا كما حدث في حالة تهديد الأمن باعتقال وائل عباس (مدونة الوعي المصري) وكما يحدث مع كريم عامر (المسجون منذ فبراير/شباط 2007 بتهمة ازدراء الدين الإسلامي وإهانة رئيس الجمهورية). مجرد أمثلة تشير إلى أول ضحايا النضال الإلكتروني.
وتتعدد الأمثلة على المساندة التي يمنحها المدونون لبعضهم البعض ومنها "دار سوسن للنشر" وهي ليست "دار" للنشر بالمعنى التقليدي ولكنها مكان لتجميع ونشر نصوص إبداعية كاملة (تحول بعضها إلى الطباعة الورقية) كنوع من أنواع الاعتراض على معطيات سوق النشر في مصر.
وقبل نشر صاحب المدونة (محمود عزت) ديوانه "شغل كايرو" في شكل ورقي كان قد نشرها أولا في دار سوسن للنشر. والمتصفح للمدونة سرعان ما يكتشف حالة من الدفء والتكتل والتشجيع المتبادل والفرحة بأعمال بعضهم البعض.
والأمر المثير للاهتمام في الفترة الأخيرة هو تداخل الحيز الافتراضي للإنترنت مع الحيز الواقعي حيث تخلى بعض المدونين عن هوياتهم المجهولة، وبدأوا في تشكيل تكتلات منها الأدبي، فنشرت أول مدونة مصرية للجيب، وفيها كتابة مجموعة من المدونين، ومنها السياسي كما هو معروف في حركة 6 أبريل التي تعدى تأثيرها الحيز الافتراضي للإنترنت إلى الدرجة التي أدرجتها على قائمة الأمن المصري.
ويتأكد من خلال متابعة هذه التجمعات حالة الدعم والمساندة فهؤلاء المدونون يعبرون عن حماسهم لبعضهم البعض ويعرضون أخبارا وأغلفة كتب من قام منهم بنشر كتابه. كأنهم بهذه التكتلات قد خلقوا مجتمعا بديلا يتوافر فيه الشعور بالانتماء، وذلك بعد أن فهموا أن "الوطن" بوضعه الراهن لا يمنحهم هذا الشعور. كما أن النقلة التي تحدث للمدون بالإفصاح عن اسمه وهويته إنما تدل على أن ذات المدون قد وصلت إلى قدر أعلى من الصلابة يتيح لها مواجهة المجتمع والأقربين بهوية المدون وأفكاره. وهي نقلة دالة على تحول اجتماعي إيجابي.

أمراض المجتمع، أمراض المدونين
لكن حال المدونات ليس ورديا كما قد يبدو من هذه القراءة. فالمفارقة تكمن في أن حالة الحرية المشتهاة من جانب المدونين، والتي تمتعوا بها بالفعل من خلال خلق مدوناتهم الخاصة، لم تنفي من المشهد أمراضا اجتماعية ضربت بجذورها في المجتمع المصري في العقود الأخيرة. فالمتابع لبعض المدونات سرعان ما يكتشف أن للشللية مكانا هنا، ولمحاكمة الآخر، وفقدان القدرة على الحوار العاقل المؤمن بحق الآخر في الاختلاف مكان بين المدونين.
فكما أشرت سابقا غالبا ما يتكتل المدونون ذوي الميول والأفكار المتشابهة معا: الإسلاميون، المثليون، النسويون وهكذا. ومن ثم لا يخلو الأمر من لفظهم لفكر مخالف أو الهجوم عليه. وفي هذه النقطة يعكس المدونون أمراض مجتمعهم بشكل تلقائي وإن كنت أظن أن هذه نقطة هامشية في قراءة أهمية التدوين في المرحلة الحالية، وأن المدونين سيتخطون عقبات كهذه لو سار المجتمع المصري على طريق أكثر استنارة من ذلك الذي يتبناه الآن.
إن التدوين في حد ذاته أحد أشكال "المقاومة" التي يمارسها شباب مصري ضد كافة أشكال محو الذات والتهميش بل والمطاردة لكل فكر مختلف والتي يمارسها كل من النظام السياسي والقوى الاجتماعية في المجتمع المصري. ولابد من الأخذ في الاعتبار هنا أن سياسات محو الذات والتهميش التي يعانيها ويعبر عنها وبالتالي يقاومها المدونون لا تخصهم وحدهم وإنما تنطبق على القطاعات الأكبر في مصر. يكمن الفارق بين المجموعتين في أن للمدونين صوتا ومساحة للتعبير وأنهم بحكم الشريحة العمرية يحاولون جاهدين تعريف ذواتهم والدفاع عنها في ظل نظام سياسي واجتماعي أزاح الاستعمار كي يحتل موقعه ويمارس سياسات شبيهة.
----------

* الورقة التي شاركت بها الباحثة في مؤتمر الإسكندرية الأول للثقافة الرقمية (27 ـ 29/10/2009).

 

 

 

   

التدوين والمدونات ومظلة "أدب المقاومة" اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2017
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير