التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 105
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » آراء حرة » ناطورة المفاتيح ، لا تسلمي مفاتيحك لأحد


ناطورة المفاتيح ، لا تسلمي مفاتيحك لأحد ناطورة المفاتيح ، لا تسلمي مفاتيحك لأحد

عباس بيضون (السفير) الإثنين, 23-نوفمبر-2015   03:11 صباحا

ناطورة المفاتيح ، لا تسلمي مفاتيحك لأحد

حين ظهرت لقطات لعاصي الرحباني وفيلمون وهبي ونصري شمس الدين على الشاشة في الفقرة الأخيرة من الحفل الفيروزي على أدراج قلعة بعلبك، التم التصفيق، الذي ظل طيلة العرض مشتتا ومتفرقا وسريعا في مدة واحدة متواصلة وحارة. غمر الجمهور بالتأكيد في هذه اللحظة تيار وجداني راعف. كانت هذه من اللحظات القليلة التي يشعر فيها الجمهور بهذا القدر من الإلفة والقربى والتواصل، لقد عثروا في هذه اللحظة على فيروز والرحابنة وعثروا في الوقت نفسه على ذاتهم »الفيروزية« إذا جاز القول. نشلهم  لأقل نشلنا. هذا من إحساس ملتبس سيطر علينا مدة العرض، فسواء كان المرء مبهورا أو مستفزا، وسواء أذهله ما يرى أو صدمه، إلا أنه كان على توالي الوقت في حيرة، إذ كنا طوال العرض في شيء من الوحشة: ترددنا كثيرا أمام العرض الفيروزي، لنقل انها المفاجأة، ما كان في وسعنا مثلا ان ننكر جماليات السينوغرافيا (ولو بقدر كبير من التحفظ) لكننا بقينا بعيدين عنها. في حفل فيروز شيء من الاستعادة ومن العودة وهذان لم يحصلا إلا بتعب فعلي. لقد تعبنا، استوحشنا، لم نجد البداية سهلة ولم نجد التواصل سهلا، بقينا في غربة نسبية عما شاهدناه. وفي الحقيقة في غربة نسبية عن أنفسنا فعودة فيروز تعني أيضا استرجاع ذواتنا المسكونة بها، بحثنا عن هذا الوقت كله دون أن نحققه كله ونصل هكذا الى أمان داخلي. بالعكس، جُررنا الى قلق العرض، قلق الرحابنة الذين استهولوا هذه اللحظة وتحصنوا لها بكل وسيلة. في الحقيقة بدا العرض حصينا فعلا وصلبا (لأول وهلة على الأقل). لكنه لم يبد في حال سهلاً ولا يسيراً. لقد فقد الرحابنة حسهم العجائبي بالجمهور، لنقل ان القلق هو الكلمة، قلق الرحابنة وقلق الجمهور. لم تحصل العودة كمعجزة، لم تكن هذه عجيبة العرض. ليس في المستطاع  كما يبدو  محو كل هذا الزمن واستحضار الروح الغابرة، ليس في المستطاع ذلك ولو بهذا الفانوس العجائبي الذي هو السينوغرافيا والإخراج الأجنبيان. ما حصل بدا أشبه بزوال النعمة. لقد زالت النعمة عن الرحابنة والجمهور ولبنان كله، شعرنا بذلك. بالمسافة التي لا تملأها العاب البث الضوئي. كان ثمة شغور، اختلال، مسافة. عذبنا هذا طوال العرض، حضر الآلاف بالتأكيد لكن المعجزة لم تحصل، ربما فقط حين رأينا صور عاصي وفيلمون ونصري شعرنا باقتراب الروح، لكن هذا كان بالتأكيد وهماً، لا نأمل بعد بالعودة، طريقنا شاق، وتقريبا بلا أمام، وما من سبب لنأمل أن بين الأعمدة وعلى الأدراج ستحضر الروح.

الأسرة المقدسة

اجتمعت الأسرة الرحبانية، لا أعرف إذا كان توحيد العائلة الرحبانية غرضا وطنيا كما هو توحيد العائلة اللبنانية كلها، لكن اجتماع العائلة على مهرجانات بعلبك لا يعني سوى الالتقاء على الحقوق التاريخية للأسرة. انه الإرث الذي حوله انقطاع ربع قرن مجداً. لا نشك في ان الإرث الرحباني صنع في لبنان والعالم العربي ما لا يحصل إلا في النادر: مخيلة وحساسية خاصتين. ثمة هنا فن كبير بالتأكيد لكنه فن وليس قدسا، والذين يظنون أن عبادة فيروز والرحابنة فرض وطني هم الذين يقرنون ثقافة ساذجة مطمئنة بوطنية لفظية جوفاء. هذا تماما ما نكرهه ونحسب أن تكراره كالدعاء سذاجة مقصودة وكاذبة. الإرث الرحباني كبير لكنه ليس تركة خاصة، ليس عقارا ليكون ملكا خاصا رغم أن الشركة العقارية لم تحترم الأملاك الخاصة على كل حال. لذا لا نفهم ان يعود للأسرة حق استثمار الصوت الفيروزي حصرا. لا نفهم أن يسند للرحابنة إياهم ترهين (جعلها راهنة) المغناة الرحبانية ما داموا هم صناعها ومنتجيها الأول. لا نفهم ان يلعب الياس الرحباني دور المايسترو لأوركسترا وهمية بسبب البلاي باك وأن تغني فيروز من موسيقاه أغنية تذكر بأغاني الاعلانات التي يجيدها، كما لا يُفهم أن يقرن برنامج كله من مسرحيات غنائية ماضية بمساطر من النتاج الرحباني الجديد (منصور، الياس، زياد الذي اعتذر)، ومرموز هذا لا يفهم إلا في النطاق الأسري، إذ انه تدارك حصة الصغير »الياس« والتبشير بالنسل الرحباني الحاضر والمقبل.

في هذا لا تمييز بين عودة فن وعودة أسرة، أو بين تاريخ فن وتاريخ أسرة، ونحن ندين للفن الرحباني، لعاصي الكبير الذي لا ينسى بالكثير، لكننا لا ندين بالقدر نفسه للأسرة الرحبانية كلها، ولا نحسب أن الفن الرحباني لقب وشعار أسرة. بالعكس، أتى الوقت لنميز بين عطاءات كل من الذين أسهموا في الإرث الرحباني. في هذا تشير كل الدلائل الحاضرة الى ان العمل الرحباني وروحه قد يكونان دفنا مع عاصي الرحباني وحلا معه في قبره.

لعباد الأسر وهم قد يغدون بسهولة عباد الجماعات، نقول ان الوقت لم يعد ملائما. فما نشهده اليوم في شتى المناسبات، وأقولها بحزن حقيقي، هو غروب الأسر، أما الذين يقرنون بين قيامة بلد وبقاء شعائره وبرستيجه فهم محضرو أرواح فاشلون، لم تكن الأسرة الرحبانية على كل حال بهذه الثقة. لقد حسبت حسابا واسعا لاختلاف الزمن ورهبة العودة، حسبت حساب العودة لكن تدارك الحصص أوقعها ولا بد في أخطاء ذات دلالة. فأغنية منصور الباهتة وأغنية الياس الفاشلة تعنيان بالرمز البسيط ان وقت العودة ولّى، وأن علينا أن نترك للزمان ما للزمان.

قلق الأسرة عبرت عنه باللجوء الى آبادو العبقري الايطالي على ذمة سعيد عقل (بالتواتر غالبا). كيف يمكن أن تسند لإيطالي مسرحيات أخرجها في حينها لبنانيون لم يكونوا من الكبار. الحاجة عندئذ كانت الى نوع من التخريج المسرحي أكثر منها إلى إخراج فعلي، وقوة العرض في مطرح آخر: الغناء والموسيقى والفولكلور والنص. مسرحيات »خواصها« اللبنانية المستعصية على غير اللبنانيين واضحة، كان الأخراج دائما ثانويا في المسرح الرحباني، وثانويته هذه ليست بغير دلالة. فالمسرح الرحباني استعراضي والحكاية والدراما فيه حيلتان فحسب، ولا يعني لجوء الرحابنة الى مخرج هذه المرة استدراكا لضعف سابق، بقدر ما هو تغيير في موازين الرؤيا المشهدية. أُتي بمخرج يركز أكثر على الحبكة الدرامية في العمل وتشكيل الخشبة فماذا فعل؟

ألعاب ضوئية، نعم ألعاب ضوئية فعلاً. البث الضوئي على الشاشات كان جميلا لكنه جمال مضمون منذ بدأت، من زمن بعيد، هذه التقنية التي تحولت مع الزمن الى حرفة بسيطة. واستعملها المخرج الايطالي على رسلها سهلة عادية بدون ابتكار، وبمفارقة أحيانا لافتة مع الكلام. لو قارنا بين ما فعله المغني آبادو هناك وما فعله روجيه عساف بالتقنية نفسها في »المغنية الصلعاء« و»حزيران والكافرات« لأدركنا الفرق ولكانت النتيجة لصالح »روجيه« بدرجات. أسمي روجيه وليس حصرا وأسأل لماذا لم يكلف مخرج لبناني بهذا العرض الباذخ المكلف، لست معاديا بالطبع للأجانب لكني أتساءل إذا لم تكن وطنية الرحابنة الصاخبة على درجات بعلبك، والمنددة طيلة الوقت بالأجانب والمتغنية بلبنان الأشم، إذا لم تكن هذه متنافية مع اللجوء لمخرج أجنبي، إذ ماذا يبقى من هذه »اللبنانية« إذا اصطدمت بسنوبيسم الأجانب.

لعب ضوئي مغرٍ لأنه سهل، وتشكيل مسرحي سهل ومحترف، لقد رد اعتبار »المسرحي« ولكن بثمن ليس أقله محاصرة فيروز وسط الدرجات، بعيدة نسبيا عن الجمهور، وأيا كان السبب فإن هذا جعل مشاهدتها صعبة فكأن »البلاي باك« لم يلحق صوتها فحسب بل لحق حضورها كلها، وكأنها هكذا جسدا وصوتا منسوخة.

شاهد الجمهور وتمتع طبعا وجاء ويجيء بالآلاف. لن أعلق على هذا، لكن البث الضوئي الذي حاصر المشهد والتشكيل المسرحي الذي حاصر المغنية، كلاهما ساهم في تحيير الجمهور. لقد وجد فيهما فاصلا شكليا، لنقل فاصلا بصريا لم ترافقه محاولة لرؤية مختلفة للعمل كله وقراءة أخرى. لقد جئنا بتقنيات جديدة، لا لشيء فحسب سوى تسويق العرض. تقنيات ترويجية. أليست هذه صلة عالمثالثية بامتياز، التقنية والإخراج الأجنبيان لرسالة لم تتغير على النحو نفسه.

دهاء ساذج

ماذا فعل الرحابنة غير حراسة العودة وتأمين التواصل الأسري. فعلوا الأهم، برمجة العرض: مقتطفات من »جسر القمر«، »جبال الصوان«، »ناطورة المفاتيح«، بالاضافة الى فقرة تجمع بين لقطات من الراحلين وأصوات وأغاني الحاضرين.

المقتطفات نضالية تعبوية واحدة، »جسر القمر«، ضد الاقتتال الأهلي، »جبال الصوان« دعوة للنضال السلبي، »ناطورة المفاتيح« ببساطة دعوة للثورة. وهي فصول من مسرحيات غنائية. والسؤال إذا كان هذا المختار من التراث الفيروزي أفضل السبل لتقديم مغنية، أي مغنية، وتقديم فيروز بوجه خاص، وأي نوايا وراء هذا الاختيار؟

الأخوان رحباني جزء من ثقافة جاحدة، هي بعد أن أشعلت النار في الأدب الشعبي انتدبت نفسها لتأسيس ثقافة شعبية. هكذا سعى الرحابنة الى إيجاد ملحمة شعبية. كان مفترضا أن تتحول مسرحيات الرحابنة على الفور إلى موروثنا الشعبي، كان مفترضا أن يغدو مدلج وراجح وغربة أبطال حكايانا وأن تغدو أغانيهم والأغاني التي ترويهم ماء سهراتنا، لكن مسرحيات الرحابنة كانت، ككل أثر لبناني »كبير«، تلفيقا ضخما، ففيها نجد ايديولوجيا الجيل جنب تلاميح من أدب وفلسفة معاصرين، ونجد الكتابة التاريخية جنب أطياف وتلاويح تنطوي على سرها وغموضها. نجد الاستلهامات اليومية وحتى المطلبية وحياة الشارع والعاميات جنب الحماسة والدوي الحربي والخطابية العالية. نجد السخرية السوداء والشكوك جنب الداعية الأخلاقي والوطني، نجد اليسارية الفتية والعنصرية جنب الديموقراطية وإيديولوجيا الإنسان البسيط جنب عظمة القائد والنضال السلبي جنب الثورة. كل هذه العناصر لا تتضارب إلا في نظم فكرية متجانسة، أما على المسرح الرحباني فالأمر غير ذلك. انها نبرات وردود وانفعالات مختلفة غير متعادية يلحمها بالطبع وجدان المتفرج ومثول الظرف التاريخي والواقعي وثقافة الإنسان المتوسط التي هي لمامة من كل ذلك، أي ببساطة ثمة شيء ظرفي في مثل هذه الأعمال فكيف يحصل إذا عادت بعد عقود من السنين أو لم يعد منها سوى أضعف خطاباتها وأكثرها ظرفية وهو الخطاب النضالي السياسي.

ثمة دهاء ساذج جعل الرحابنة يختارون الجانب السياسي، لنقل انه الأمل بالجمهور الذي تظل السياسة من تسلياته الكبرى رغم  وربما بسبب  إبعاده أو ابتعاده عنها، والمسرحيات المختارة سياسية بل هي تستشرف  أو هكذا يبدو  أوضاعا راهنة. فجسر القمر تعالج السلام، وجبال الصوان تعالج الاحتلال، وناطورة المفاتيح تمر بالضرائب والوضع المعيشي. في بال الرحابنة ان كلام الأمس سيرن اليوم ويتتابع صداه في الظرف الحالي. هذا توقع لم يخب، فالتصفيق كان دائما هنا وحيث يعثر الكلام القديم على معناه الآن. السلام والسيادة والضرائب وهجرة السياسيين و.. و.. صح توقع الرحابنة، لكن في هذا كله شيئا من »البلوف« لا يناسب احتفال العودة ولا يليق بالمقام الفيروزي.

دهاء ساذج ولو صحت توقعاته، ذلك أن ما يتناساه الرحابنة ان التحريض السياسي قادر على تحريك الجمهور بأي كلام وبأي صوت. السهولة ليست المدخل الأفضل لتقديم فيروز، فذلك يبتذلها في الحقيقة ويجعلها في سوية واحدة مع الجميع. ما يتناساه الرحابنة ان ما يبدو استشرافا وراهنية في المسرحيات السياسية ليس في الواقع سوى ركاكتها وقصورها (السياسيين بوجه الخاص). إذا بدا أن جسر القمر مثلا حدس بالحرب اللبنانية إلا أن الحرب اللبنانية وحدها دليل قاطع على سذاجة رؤية جسر القمر وبساطتها وسطحيتها. والأمر هو ذاته في جبال الصوان، إذ ليس كجبال الصوان اليوم في إنشائها البطولي ولغتها الحربية وإنشائها الفروسي أكثر تفارقا مع شعب مسحوق مهان وبلاد مسحوقة. أما ناطورة المفاتيح فهي اليوم قصة ساذجة عن السلطة قد تليق بالأمير الصغير لكنها بالتأكيد لا تستوعب تضاعيف المسألة وتعقيداتها.

المسرحيات السياسية  إذا استثنيا إشاراتها الاعتباطية الى أحوال راهنة  هي مثال اللغة الباطلة والكتابة التي تخطاها الزمن. فليس كلغة العز والمجد والشمم والبيارق والعلو لغة محنطة زائلة، هذه تماما لغة ما قبل الحرب وقد جعلتها الحرب عديمة المعاني عديمة الإيحاء. والامر ذا،على اسوأ، في اغنية منصور الجديدة.

زد على ذلك أن هذا الجانب من شعر الرحابنة أقربه الى بهورة الزجل وعنترياته وأبعده عن التجديد الرحباني، عن تلك اللغة الحريرية الملونة الهامسة بمشاعر دقيقة متباينة راعفة بالتجربة، اللغة التي وحدها طبعت الأغنية الفيروزية وأطلقتها في لبنان والعالم العربي، كيف تبدو فيروز إذا لم تكن سوى المجلجلة بهذا الإنشاء الفروسي الذي جعلته الحرب هزأة.

ليست فيروز مغنية، أي مغنية »لنطبّعها« ببساطة مع الظرف والجمهور، إذا كان ما حصل فعلا تطبيعا، ومثل فيروز لا تتوسل الجمهور، إذا كان ما حصل فعلا توسلا، خلقت فيروز بغنائها، لنقل الرحابنة، مخيلة وحاسة خاصتين. فهذه الأغاني تحيلنا الى أحاسيس وعلاقات ومعانٍ جديدة، أغاني فيروز تملأنا بصور ومشاعر عن العالم ولنقل صور ومشاعر أخرى، بهذه القدرة على »شعرنة« للعالم المباشر وعلى استعادة هذا العالم في غلاف حلمي. بهذا المعنى غناء فيروز تجربة وعالم وعلبة حياة، وعلى هذا فتن الغناء الفيروزي اللبنانيين والعرب، لم يكن تفريجا للمكبوت فحسب، بل عالما جديدا، إذا كانت هذه فيروز فإنها موجودة أكثر في أغاني الحب والطبيعة وما أسميه مؤقتا الموضوعات الإنسانية (شادي... ستي الختيارة..)، فيروز الحلم، التجربة هي هنا وليست في حدائها الحربي الذي يظل برغم كل شيء تقليديا معادا، فهل يمكن حقا أن نقصرها على أغاني العز والبيارق المرفوعة. ماذا يبقى من العالم الفيروزي إذاً، هل نريد لها صورة جان دارك. لكن جان دارك لم تكن مغنية، هل هي الوطنية، ألم يكن مضحكا أن تتوالى أناشيد الفخر على شعب مذبوح، أليس الرثاء أولى اليوم بالوجدان الوطني، أليست الوطنيات أم الفن الرديء، ألا يكفي أن نتذكر ما فعلته الوطنيات العربية والثوريات العربية في هذا السبيل والأمثلة كثيرة معبرة، هل يريدون لفيروز أن تغدو نوعا من فايدة كامل لبنانية، وكيف ترضى المغنية التي غير غناؤها في مخيلتنا وحساسيتنا بأن تختزل في هذه الوقفة، كيف ترضى أن تعود بهذه المسرحيات التي أظهر الزمن تفككها وسذاجتها (المغفورة في حينها) وبطلان لغتها وحبكتها وكتاباتها. أما كان أجمل لها ان تعود بأغانٍ لا شك في ديمومتها وطراوتها المستمرة، هل نصدق حجة (اجتذاب الجمهور) على بؤسها في حال مغنية لها قامة فيروز. أكان الجمهور نفر لو غنت له روائع (ما في حدا، بكتب اسمك يا حبيبي، شادي، يا ستي الختيارة..)، مثلا. وأخيرا ما الذي يجعل مغنية في قامة فيروز تتواطأ  ولو باسم التواصل الأسري  ضد ماضيها حين تغني كلام منصور ولحنه الخامدين وموسيقى الياس.. المضحكة.

ما لا معنى فيه

أطلق سعيد عقل على فيروز تسميته التي لا معنى لها (سفيرتنا إلى النجوم) ففتح الباب لأن توصف المغنية الكبيرة بكل ما لا معنى له. خذوا (تسرج النسيان على باب القلعة) مثالا بسيطا. ثمة كلام بلا لغة هو هذا الكلام، ولا يزال من يقولونه يحسبونه شعرا، مسألة أخرى هي ما فرضه ليبراليون وحداثيون من فروض ضيقة للوطنية ليس أقلها التهليل لقائمة طويلة من الذين لا يمسون ولا يسألون. هذا وذاك يعيقان الكلام والاتصال ويجعلان صعبا للغاية تخليص شيء من شيء، حال لا أظن الا اننا نزداد غرقا فيها. سوء تفاهم مقيم واختلاط يخوض فيهما الكبير قبل الصغير فحيال أمر كهذا ننتبه الى ما فيه من تعليق للرأي والفكر وترك المجال لكثير من الاحتفال والأتيكيت والتظاهر، هل هي شعائر الهروب والتناسي؟ ما جرى على أدراج قلعة بعلبك بعض من هذه الخفة التي لا تطاق، خفة ان يسخِّف المرء بنفسه ماضيه الكبير ويحوله بيده الى نكتة، وأن يشارك السياسيين ومثقفيهم في تسخيف الواقع نفسه، عودة الماضي على هذا النحو مقدمة لاستعماله في ترسانة الهرج الحالي، وعلى هذا لن نصدق في يوم انه كان وحصل.

أعرف ما هو واجبنا تجاه العائلات المجيدة، لكن التراث الرحباني  وخاصة بعد ما حصل  أكبر من أن يترك للرحبانيين. مات الكبير، انسحب زياد، أياً كان السبب فإنه لم يتورط. افترض أن فيروز مخدوعة، أكان عليها مع ذلك أن تسلم مفتاح بيروت عن غير قصد لرئيس،  ومفتاح بعلبك عن غير قصد لرئيس، ومفتاح الرحابنة للأسرة المتراجعة. ناطورة المفاتيح لا تسلمي مفاتيحك بعد هذا لأحد.   

 

نشر في: ثمانون فيروز... تقع النجوم ولا ينتهي الحبّ

   

ناطورة المفاتيح ، لا تسلمي مفاتيحك لأحد اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2018
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير