التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 96
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » آراء حرة » شكرا مارغريت دوراس


شكرا مارغريت دوراس شكرا مارغريت دوراس

هدية حسين (خاص ) الجمعة, 08-ابريل-2016   05:04 صباحا

شكرا مارغريت دوراس

أعرف تماماً أن رسالتي هذه لن تصلك، ذلك أننا في عالمين مختلفين، أنا على الأرض وأنتِ تطوفين روحاً في عالم غير مرئي، لكنني موقنة بأنها ستهبط على يديك بطريقة ما، وبهذا اليقين الذي يعرّش على قلبي أكتب لكِ رسالتي هذه، وأقول لك سلاماً أيتها العاشقة والمعشوقة.

اكتشفت وأنا أمشي على مهل في حدائق عزلتك بأننا عشنا ظروفاً متشابهة داخل هذه العزلة على الرغم من الاختلافات الكثيرة بيننا.. قد لا يكون لي بيت يشبه بيتك الذي يطل على بركة قديمة ومدرسة يخرج تلاميذها ويشغلونك عن الكتابة لبعض الوقت، فبيتي يطل على حديقة خلفية ذات أشجار عملاقة تصطف من خلفها البيوت الساكنة كما لو أن أصحابها هجروها، ومن النادر أن يلوح لي شبح إنسان بين شوارعها.. وليس لي عشيق مثل (يان أندريا) لكنني أعرف أن رجلاً ما يحبني في هذا العالم وقد لا ألتقيه حتى آخر الدهر.. وبالتأكيد لم ولن أكون متحررة مثلك، فأنا أحمل على كاهلي تراث قرون من القمع.. إنما الشيء الثابت أنني ألتصق بعزلتي تماماً مثلما كنتِ تفعلين، ليس فقط من أجل الكتابة، ولكن أيضاً من أجل لملمة الأحلام التي شظاها صخب العمر وإعادة السكينة إليها، لعلّي ألتقي ذات مصادفة بالمرأة التي تمنيت أن أكونها بلا قيود، حتى وإن كانت تلك المصادفة ورقية أثناء الكتابة.

أقول لكِ صدقاً إنني قبل سنوات تمنيتُ عزلتك، ولم أكن قد دخلت عزلتي بعد، عزلتك التي اخترتِ شكلها وسعيتِ لتحقيقها من أجل الكتابة، وكان كتابك المعنون(الكتابة) دليلي الى تلك العزلة، رأيت بيتك الصغير على شاشة مخيلتي، تسللتُ إليه على حذر وكنتِ تكتبين بشغف، بيت مرتب في زاوية وتعمّه الفوضى في زاوية أخرى، وقفتُ على مقربة منكِ، أتابع حركة أصابعك، وأنظر الى عينيك المسكونتين بالضجر والهدوء معاً، ثم حين ندّت منكِ التفاتة الى الجهة التي أقف فيها شعرتُ بارتباك، وغادرتُ البيت موصدةً باب مخيلتي لئلا أربِك عزلتك.

في كتابك حيث بدأتِ بعبارة (في البيت أكون وحدي) تقولين:  استوعبت كوني وحيدة مع كتابتي، بعيدة جداً عن كل شيء، أكتب بخلاف ما كنت أكتبه.. وظل رأسي يدوّر العبارة باحثاً عن الاختلاف في الكتابة حين يكون الكاتب منعزلاً، وقرأتُ تفاصيل حياتك، وأعجبتُ بروايتك (العاشق) الذي لا أعرف ماذا حلّ به بعد رحيلك.

أمران يعيقانك عن الكتابة على الرغم من تلك العزلة، حينما تتجمّد البركة في الشتاء ويأتي الأطفال للتزحلق ويضجون بالصراخ، ومجيء يان أندريا  حيث تتحررين من الوحدة وتنطلقين في رحلة الحب.

أما عزلتي التي تحققت فلم أخترها لكنها جاءت لصالح الكتابة، ثمة طائر غريب أمسكت مخالبه بي ورماني إليها، على سهو أو على دراية، وتطامنت معها حدّ أنني ألفتها وصرنا صديقتين، أنا أختبر قدرتي على التواصل معها مستذكرة عزلتك، وهي تختبر الصبر العنيد فيّ ونتسلى بالكتابة.

أنا التي أكسر عزلتي أحياناً، لا بفعل أطفال يدخلون الحديقة ولا بفعل عاشق مثل يان أندريا أو مثل غيره، أترك الكتابة حين أشعر بالضجر وأمضي الى الشوارع المغسولة بالمطر، وأثناء المشي تهطل أفكار جديدة، أواصل المشي من دون هدف حتى يهدّني التعب فأعود الى عزلتي، مثل طائر ابتعد كثيراً عن عشه ثم تذكّر أن عليه الرجوع قبل غروب الشمس، وقبل أن أمضي الى الكتابة أستمع الى فيروز وهي تغني (بيت زغير بكندا ما بيعرف طريقه حدا) فأنتشي بالصوت الملائكي والكلمات التي تلامس القلب، كما لو أن الأغنية كُتبت من أجلى، وفي كل حين أشعر بالامتنان لك يا مارغريت فلقد علّمتني كيف أطمئن لأشباح عزلتي وأبدد ظلمتها بنور الكلمات لكي لا تصدأ أيامي في ممرات الزمن الضيقة.

 

 

 

 

 

   

شكرا مارغريت دوراس اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2017
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير