التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 96
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » آراء حرة » الكتابة تحت ظل القصيدة


الكتابة تحت ظل القصيدة الكتابة تحت ظل القصيدة

رشيد المومني (القدس العربي:) الخميس, 21-ابريل-2016   03:04 صباحا

الكتابة تحت ظل القصيدة

يبدو لي ومن وجهة نظر شعرية، أن الكتابة غالبا ما تهتدي إلى حضورها، تحت ظل يعود إلى شيء ما. شيء يمتلك من عنف الإثارة أو هشاشتها، ما يغري اليد الثالثة بتجريب قدرتها على إعلان حضورها، كشكل ما من أشكال الاستجابة لغواية هذا العنف، أو هذه الهشاشة، وهي جاذبية لا يمكن إلا أن تكون منصهرة، في قلب ذلك التفاعل المباغت، الذي ينتقل بطقس الاستجابة، من حده البسيط، إلى حد الذروة، حيث توشك فيه ملكة الحكم، أن تتنازل نسبيا، عن ممارستها لسلطة التوجيه، كي تستسلم مجبرة، إلى سحرية الحالة التي تمليها طبيعة الظل المخيم على يد الكتابة. 

وبالنظر إلى الحركية التي تتشكل بها، ومن خلالها، هوية الكتابة، المتلذذة، بمحو الفوارق الفاصلة بين الأجناس الإبداعية، فإن هذا الظل أيضا، يتميز بتنوعه وبتعدده، انسجاما مع تعدد المواقع التي تنجذب الكتابة بلا هوادة، إلى نداءاتها، فقد يكون ظل عنقاء، ظل ديمة، أو ظل نهاية، إلى آخر ما يمكن أن يقترحه علينا الاحتمال المنفتح لهويات هذه الظلال.

استحالة الحصر اللانهائي لمرجعيات الظل، هي التي ربما أوحت للكتابة باختزالها في القصيدة. علما بأن القصيدة هنا، لا تحيل تماما على أي شكل من الأشكال المتداولة عادة في كتابة النص الشعري، الذي يمكن أن يكون نصا عموديا أو، منتميا إلى شعر التفعيلة أو قصيدة النثر، بقدر ما تحيل إلى الدلالات اللانهائية، لشعرية منعطف ما، من منعطفات الكتابة، كأصل محتمل من أصول النص الشعري، باعتبار أن التوصيف الشعري للكتابة، ذو منحى بيداغوجي، يهدف أساسا، إلى توجيه المتلقي العادي، كي يكون على دراية تامة بالنص الذي هو بصدد التفاعل معه، حيث سيختلف الأمر تماما مع المتلقي المختص، الذي لن يكون بحاجة لأي علامة توجيهية، تنبهه إلى جنس النص المعني بالقراءة. يمكن أيضا، أن نضيف في هذا السياق، الشكل الذي يتقدم به النص الشعري، والذي يكون كافيا، لإشعار القارئ بهويته، سواء كان شكلا تقليديا، أو حديثا. خارج هذا التوصيف ذي الطبيعة التعريفية، والخاضعة لمعايير متعارف عليها، ومعتمدة في التعامل مع النص الشعري، خاصة من قبل التلقي المشترك، يمكن الحديث وبرؤية مغايرة، عن تحققٍ شعريٍّ ما، أو شعرية ما، في عمل قد يكون مكتوبا، أو شفويا، متخيلا أو معيشا. في هذه الحالة بالذات، يتخلص زمن الشعر من تقنياته الصارمة، كي يعلن عن حقه في التمظهر في تشكلات، يتعذر القبض عليها بواسطة تعريفات مطلقة. وفي هذا السياق، أجدني أميل شخصيا إلى تبني مفهوم الشعرية، بدل الشعري، لأن هذا الأخير، يبدو مثقلا بروح رومانسية، تغرق الانفعالات البشرية في رهافتها، حيث يتداول عادة، للتدليل على حالة ملتبسة من الطمأنينة التي قد تكون واقعية أو محلوما بها. في حين، يبدو مفهوم الشعرية، وبصرف النظر عما استقطبه من مقاربات نظرية تقنية وعميقة، على امتداد عقود وعقود، أكثر اقترابا وتماسا، مع جوهر الكتابة الشعرية، التي لا تمتثل لأي رؤية جمالية أو فكرية ثابتة، كما لا تتقيد بالتعبير عن أفق انفعالي محدد، باعتبار قابليتها لأن تتجسد في أقصى حدود القسوة والعنف، أو أن تكون الترجمان الأنيق للاحتدامات المتقلبة، التي تتقاطع فيها أنفاس الشهوة بنداءات الغبطة، وبمختلف تمثيلاتها الإبداعية والفنية. من هذا المنطلق، تكون الشعرية، هي الفضاء الأكثر رحابة لوجود الكتابة، سواء ضمن أنساقها الشعرية المتعارف عليها، والمندرجة بشكل تلقائي في خانة الشعر، أو ضمن أنساقها المستقلة عن التجنيس المدرسي الصارم له.

إن ما يهمنا في هذا الإطار، هو الشعرية المتجاوزة لحد التجنيس، والمتجاوزة أيضا للدلالة المحيلة على حد رهافة الشعري، المغرق في أناقته وحميميته، والموظف في الإشادة بالإقامة في فيء طمأنينة محتملة. ضمن إطار هذا التجاوز، يمكن قراءة رواية «لعبة الأسماء» للشاعر والروائي محمد الأشعري، حيث لن يظل التساؤل مقيدا بالبحث عن القصيدة الشعرية بالمفهوم التقليدي للكلمة، بقدر ما يتعلق بالبحث عن شعرية منفتحة، تستمد ديناميتها من صلب التفاعل البنيوي القائم بين مكونات النص السردي.

وفي حالة اعتمادنا للرواية ذاتها، إطارا مرجعيا لمقاربة هذا الإشكال، فإن هاجس البحث، يمكن أن يتمحور، حول ذلك الميثاق الرمزي، الحاضر في خلفية كتابة الرواية بصيغة غير معلنة، والموحي للمتلقي، بوجوب بحثه في فضاءاتها، عن كتابة شعرية، من المحتمل أن تظل محتفظة بخصوصياتها، في قلب مدارات السرد، مادام المؤلف الفعلي هو الشاعر محمد الأشعري، الذي لا يمكن- في عرف كافة مستويات التلقي – إلا أن يوظف سلطته الشعرية، بشكل أو بآخر، من أجل مضاعفة غوايته لكل قراءة، قابلة للتورط في الاندماج المشروط أو اللامشروط، مع العوالم المتعددة الحاضرة في الرواية، وطبعا ليس من خلال تكديس النصوص الشعرية وتوزيعها على فضاء النص، مادام الأفق الحداثي والمتقدم الذي تشتغل في إطاره تجربة الكتابة عند الشاعر، ومنذ زمن البدايات إلى الآن، تدعونا إلى تبني توقعات أكثر تعقيدا، وأكثر احترافية، من توقعات قراءة نصوص شعرية، ذات وظيفة تأثيثية أو تجميلية. 

إنه الإشكال الكبير الذي يطرحه علينا المنجز الروائي، للشاعر، خاصة عبر حزمة متكاملة من التساؤلات، التي تتبادل الإضاءة فيما بينها، في اتجاه التعرف على آليات تشغيل شعرية الشعر، بما هي جوهر منفتح على مجموع تلك الاستضافات العالية، التي تقترحها علينا شعرية الكتابة. وبالنظر إلى غزارة وكثافة سريان نسغ هذه الشعرية في مفاصل النص، فسيكون من الصعب وضع خطاطة متكاملة، تَفِي برصد حركية انتقالها من فضاءاتها الخاصة بها، إلى فضاءات شعرية الكتابة الروائية، بما يسعفنا في الاقتراب من خصوصية تجربة استثنائية لها وزنها الخاص على المستوى المغربي والعربي. ومع ذلك، فسنحاول قدر الإمكان، تقديم بعض الإضاءات النموذجية، التي يمكن أن تهتدي بموجبها القراءات، إلى وضع مشاريع خطاطات محتملة، للكشف عن أسرار ما يسميه السارد/ ص 16 بـ»الخلطة المبهرة» في معرض حديثه عن مصطفى الذي أنجبته ثريا من رتشارد. والخلطة المبهرة هنا، بقدر ما تنطبق على شخصية مصطفى، بقدر ما تنطبق أيضا على تفاعل شعرية الشعر، بشعرية السرد في الرواية، عبر وسائطها المتعددة.

ولعل أول ما يمدنا به مبتدأ الإضاءة، هو هيمنة استراتيجية سردية، قوامها ميل الكتابة إلى وضع شعرية النص على عتبة القول الشعري، وهي العتبة التي تنتج جمالية خاصة، من جهة توريطها للقراءة في معايشة تجربة المراوحة المتأرجحة بين احتمال ظهور القصيدة، والإحساس بتجدد فنائها في مضايق السردي ومسالكه، بمعنى أن السرد، وعلى امتداد إيقاعاته المتفرعة والمتشعبة في فضاء الرواية، يعمل على معاودة لعبة توفير الشروط اللغوية والتخيلية والانفعالية الكفيلة باستدراج القصيدة إلى صفحة الكتابة، كي يجنح من جديد إلى تقنية تذويب هذه الشروط، عبر تلك الانقلابات المباغتة، التي يتشكل بها ومن خلالها، نسيج المحكي. كما لو أن الكتابة، تداوم مراقبتها لشعرية الشعر، كي تظل في الدرجة الصفر من تفاعلها، درءا لأي تمرد محتمل، يمكن أن تقوم به القصيدة.

ومن عمق هذه الإستراتيجية، تنهض أمامنا تلك الإشكالية النظرية المؤرقة، والمتعلقة بسؤال التموضع، المطروح أبدا على الكتابة، وهي تتقدم باتجاه مجهولها، أي قلق تحديد مكان الإقامة، الذي يتحكم في توزيع أدوار ما ينبغي قوله، إن بشعرية الشعر، أو بشعرية السرد. رهبة الحسم هذه، في اختيار ما، دون آخر، هو ما يدعو الشاعر للذهاب إلى النثر، وما يدعو الناثر للذهاب إلى الشعر. مع التأكيد على ندرة التجارب التي ترقى إلى هذه المراوحة، كما هو الشأن بالنسبة لـ»لعبة الأسماء» حيث ترتقي المراوحة إلى مدارجها الجديرة بها.

ومن المؤكد أن هذه المراوحات تختلف، باختلاف خصوصية النص، حيث يمكن الحديث عن بناء سكوني شبه تقليدي، يعتمد هندسة ذلك التقابل المكشوف والمعلن بين الحدين، اللذين يطمئن التلقي سلفا إلى انتقاله المقنن بينهما، إلى جانب الحديث عن بناء حداثي، يتحقق عبر تماهيه المتشابك مع حركية الوجود، وحركية الكينونة، بعد إخضاعهما للعبة تجريدية يستمد منها البناء هندسته المعقدة، التي تتحرر فيها الخطوط والأحجام والأبعاد، من سلطة نداء أي وجهة، قد تكون مرسومة، ومحددة سلفا. وهو البناء ذاته، الذي يطالعنا في هذه الرواية التي تمارس فيها شعرية الشعر، وشعرية السرد تقاطعات وتداخلات، لا قبل للتوازي والتقابل بهما، بفعل الحضور الهادر والمتتالي، لتلك الدوامات الدلالية، التي يباغتنا بها الحكي، إثر كل خطوة تخطوها القراءة في فضاء الكتابة، وهي دوامات، تؤدي إلى إحداث ترسيمات لا تلبث أن تخلي المكان لأخرى جد مختلفة، بفعل الانتشار الكثيف لبذور قصائد، يتعمد السرد إجهاضها بشعريته الخاصة، التي يتميز بها عن غيره من أجناس الكتابة.

   

الكتابة تحت ظل القصيدة اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2017
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير