التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 105
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » آراء حرة » عصر الأحلام


عصر الأحلام عصر الأحلام

عباس بيضون (السفير:) الثلاثاء, 23-اغسطس-2016   03:08 صباحا

عصر الأحلام

نسأل عن مصائر أحلام عاشت فوق الخمسين عاماً، ترى نسيتها الانتفاضات الأخيرة أم حادت عنها. ترانا فقدناها وفقدنا معها ذاكرة كاملة، أم أن الانتفاضات بدأت ممّا قبلها، بدأت من حيث فاتها أن تبدأ. لم يعد التحرير ولا التحديث ولا الاشتراكية ولا الوحدة ولا الجيش القوي، لم تعد هذه التي لازمتنا نصف قرن ونيف وربما ثلاثة أرباع قرن، حاضرة ولا بارزة. لم تنزل إلى الشوارع ولم تحتل اليافطات والأناشيد والهتافات، لقد استهلكت أو استنفدت أو أُنسيت ولم يبق منها أثر.

بدأت الانتفاضات، من وراء كل ذلك، من الصفر، من حيث فاتها ان تبدأ. بدأت من الحرية ومن حق التعبير. نزل الجمهور يطالب هذه المرة بما كان طوال هذا الوقت مطلب النخبة. لقد جرى تلقيمه طوال الوقت بأن مطالبه تتعدى الحرية. مطالبه هي الاستعداد للحرب والحرب تستلزم جيشاً وعلى الشعب أن يكون هذا الجيش. الجيش هو الطاعة وهو الانضباط وهو النظام ولا مكان في كل ذلك للحرية. الحرية تقسم والحرية تشرذم والحرية تستجلب مدسوسين ومشبوهين وطابوراً خامساً. لندع النخبة تحلم بالحرية فالشعب لا يأبه بذلك.

كان لهذه الأحلام وقتها وعصرها. أيام الناصرية لم تكن الحدود تعني شيئاً، لم تكن تقسم او تفرق. كانت الوحدة قائمة بالقوة لا بالفعل، وكان الشعب العربي كله تحت منبر عبد الناصر، كان كله جيش عبد الناصر. وبالتأكيد كلمة عبد الناصر هي الأمر العسكري للأمة كلها. ذلك الوقت لم يشك أحد في ان الحرب قادمة، ولم يشك أحد في اننا منتصرون. وانتظرناها وانتظرنا أمر القائد، ولم يطل الأمر حتى كانت 1967، وحمل لنا القدر نكسة أخرى.

مع ذلك كان ذلك عصراً ذهبياً، كانت الأمة موجودة بالقوة، والحدود متلاشية. كنا على أبواب التحرير والدولة ناهضة مكينة والجيش صاعد والتصنيع على قدم وساق والإصلاح الزراعي قائم والتأميم جار والاشتراكية هي الكلمة والوحدة قريبة بل متحققة. كان المشروع متكاملاً: الوحدة والتحرير والتحديث والاشتراكية والدولة والجيش، من يعد الآن إلى تلك الأيام يجد انها عصر الأحلام الكبيرة. صحيح ان عمرها كان قصيراً. عام 1967 كانت الهزيمة ومع الهزيمة جاءت المقاومة الفلسطينية رداً ثأرياً مُنِي هو الآخر بنكسة ونكسات، ثم كانت أيلول الأسود والحرب اللبنانية، واليوم ننتكس إلى الحرب القبلية والطوائفية ومن الطبيعي أن يغيب المشروع كله. بدل الوحدة هناك الانقسامات الأهلية، بدل التحرير هناك الحروب الأهلية، بدل التحديث هناك إسلام متوحش، وبالطبع ليس سوى سقوط الدول والجيوش، بل هناك سقوط المجتمعات وتفتتها. بالطبع هناك حالة انتقال لا ندري إلى أين تصل. هناك تاريخ هو بكامله في المختبر، هناك رجوع إلى ما قبل البداية، هناك عودة إلى الصفر. هناك مصير صومالي وراوندي على الطريق. أين نحن من العصر الذهبي، أين نحن من عصر الأحلام الكبيرة. لا شيء يبقى منها، بل نحن لا نصدق انها وجدت وكانت، لا نصدق اننا عشناها.

هل كانت اكذوبة، هل كانت سكرة صحونا منها، هل كانت خديعة تاريخية، هل كانت، كما يقال، مكراً تاريخياً. ما الذي تبدل وتغير حتى صرنا في هذه الحال. هل كانت الجرثومة موجودة في الأسس كلها منذ البداية. هل شملتنا النشوة بحيث لم نلتفت ولم ننتبه إلى ما نحن فيه، بل غفلنا عن أنفسنا واستسلمنا لروح المنصة وساقتنا التظاهرة وأخذنا روح الجمهور. إذا كان الأمر كذلك فما الذي صار حتى أصبحنا أقل من جمهور وأدنى من منصة ومن تظاهرة. ما الذي صار حتى لم نعد مجتمعات وشعوباً ودولاً، لم نعد جمهوراً ولا حتى حشداً، بل صرنا شراذم وفتاتا وعصائب وأكثر من ذلك، صرنا محترفي اجرام ومتوحشين وقتلة بالسليقة.

ما هي أحلامنا الآن، إذا كانت لنا أحلام. لم تعد بالتأكيد الآن ولا الدولة ولا الشعب ولا الجيش، وبالطبع ليست العدل الاجتماعي ولا المجتمع الحديث. الآن الجمهور في الشارع بسلاحه وعسفه وسلطانه فهل له أحلام. لا أكثر من ان يقضي على خصم هو جزء من شعبه ومن بلده، لا أكثر من ان يطرده من بلده ومن أرضه ومن ملكه. لا أكثر من ان يستعين بالآخر، بالقوة الأخرى، باي قوة وافقته. حتى حلم الحرية ما الذي يبقى منه حين تسيطر عقائد متوحشة تحاسب الأطفال ولا تبالي بذبحهم. حتى حلم الحرية الذي بدأت به الانتفاضات، ما الذي يبقى منه، بعد أن سقطت الدول أو كادت تسقط، ولم يعد هناك سوى استبداد الجمهور أو استبداد الفصائل والعصائب والميليشيات. ماذا يبقى من حلم الحرية إذا عاد التوحش والجريمة والقتل لأوهى سبب وللاسبب على الاطلاق. ماذا يبقى من حلم الحرية إذ ساد الإرهاب العقائدي وتحكم بالصغير والكبير وحاسب على الكبيرة والصغيرة بأفدح عقاب وأفدح حساب. حلم كهذا لم يعد قائماً ولا حاضراً، اننا نعود إلى ما قبل المجتمعات، قبل الدول، قبل القوانين، نعود إلى حيث لم يسمعوا بالحرية ولا الديموقراطية ويُحِلُّون محلهما استبداداً أسوأ وإرهابا أشد مما كان.

   

عصر الأحلام اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2018
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير