التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 96
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » آراء حرة » كامل الشناوي ونقابة حكماء خلع الأسنان


كامل الشناوي ونقابة حكماء خلع الأسنان كامل الشناوي ونقابة حكماء خلع الأسنان

مصطفى نصر () الثلاثاء, 03-اكتوبر-2017   03:10 صباحا

كامل الشناوي ونقابة حكماء خلع الأسنان

الحي كله يعرف خلف الله – حلاق الصحة – دكانه في السوق. بجوار دكان بتلو العجلاتي وصالح الفكهاني. نعرف ونحن صغار إن خلف الله يختن أطفال الحي بجانب ممارسة الحلاقة – وعندما ذهبت لأحلق عنده – سألني وهو عابس وفي غاية الجدية: - ابن مين؟
كان يحني رقبتي ليزيل الشعر الأكث من الخلف فأنا لا أطيق الحلاقين ولا دكاكينهم، وأحلق بالعافية – بعد إصرار جدتي وجدي ووالدي.
ثم قال خلف الله في جدية أكثر:- اتطاهرت والا لسه؟
فالختان عنده أهم من الحلاقة – فسوف يحصل فيه على مبلغ كبير- خاصة النقطة التي ستنزل عليه - وهو يعمل - من الأقارب والجيران.
قلت: أيوه اتطاهرت.
فأحس بالإحباط – وأنهى الحلاقة بسرعة، وأخذ القرش الأحمر المشرشر، وضعه في درج الكومدينو دون أن ينظر إليه.
لكن جدي لم يكن يذهب بنا لخلف الله إذا أحسسنا بآلام في أسنانا – كان يأخذنا حتى شارع المهدي العباسي عند حلاق صحة آخر، الظاهر إنه حاذق في علاج الأسنان.
حلاقين الصحة كانوا منتشرين في مصر كلها، خاصة في القرى والأحياء الشعبية. يعالجون الإسهال والعيون والجروح والأسنان، وبسببهم اشتهرت مصر بإنها أكثر دولة يموت فيها أطفال. وقد ذكرت باحثة إنجليزية جاءت إلى مصر قبل ثورة يوليو 52: إن 50% من أطفال مصر يموتون قبل سن الخامسة لأسباب من أهمها: عجز الرعاية الصحية، واستخدام وسائل غريبة في محاولة إنقاذهم من الموت حين يصابون بالأمراض الخطيرة، مثل استخدام الأحجبة والتمائم، والاعتقاد بالعين الشريرة التي تحسد الطفل فيبخرونه لحرق عين الحسود على ورقة بدبوس، أو إبرة تم إحراقها في المبخرة إلى غير ذلك من الخرافات التي كانت سائدة في المجتمع المصري.
ومعظم سيدات أسرتنا ماتت أطفالهن في طفولتهم - والأطفال الذين ماتوا منهم أكثر بكثير من الأحياء الذين نجوا وفلتوا من علاج حلاقين الصحة – فجدتي كان اسمها أم الشحات – وأنا لم أر الشحات هذا، فقد مات صغيرا – وظللت أنادي زوجة عمي، بـ "أم إبراهيم" دون أن أرى إبراهيم هذا الذي مات قبل أن أولد.
واشتهرت مصر أيضا بإنها بلد العميان والعور – ونعرف الكثير ممن فسدت عيونهم بفضل هؤلاء، منهم طه حسين عميد الأدب العربي، وسيد مكاوي الموسيقار الكبير – وكي لا أظلم أحدا – فبعض حلاقي الصحة أجادوا الصنعة وأثروا في الأحياء التي عاشوا فيها ومنهم الحاج "محمد سليط" حلاق صحة حي بحري الذي اكتسب شهرة ووقارا في منطقته.
وكان زميلي في العمل يحدثني عنه كثيرا – وقد كتبت عنه في روايتي اسكندرية 67 – وكتب عنه محمد جبريل في روايته "أهل البحر" ومن شدة حبه له – انتقل من القاهرة للإسكندرية خصيصا – عندما علم بوفاته – لكي يحضر جنازته.
وكان يمارس مهنة علاج الأسنان كل من هب ودب. ومن الأمور الطبيعية والعادية أن تجد مصنعا لصناعة الأسنان في الريف والمدن. وحكى لي الراحل صبري أبوعلم عن صانع أسنان في بلده طهطا – كان حاذقا – وعيبه إنه يسكر كثيرا – وعندما اقترب موعد حفل زفاف ابنته، طلبت منه زوجته وأكبر ابنائه أن يمتنع عن شرب الخمر ليلتها، لكي تعدي الليلة على خير.
لكنه لم يستجب، وشرب كثيرا ابتهاجا بالمناسبة السعيدة – فأثر السُكر عليه – حتى امتدت يده لجسد أخت عريس ابنته – فثار أهلها، وكادوا يضربونه، فاضطر ابنه الشاب أن يصفعه أمام الجميع – وظل الابن يتعذب، ويردد:
-    مكنتش أقصد – كنت عايز أنقذ حفل أختي.
وظل الابن ينتظر عقاب ربنا في حياته، قبل موته لأنه فعل في أبيه هذا. ووالده - حكيم الأسنان - يخفف عنه، قائلا:
-    أنا مسامحك، ومقدر ظروفك.
لكن الابن لم يستطع النسيان – ولم يسامح نفسه، حتى مات كمدا بعد فترة قصيرة جدا.
وكان حكماء خلع الأسنان يتنقلون من مكان إلى مكان ومعهم مساعدوهم الذين يحملون المقاعد التي سيجلس الزبائن عليها وقت خلع أسنانهم.
ويتم الخلع باستخدام قطعة من الدوبارة مقابل قرش صاغ واحد. ويقفون في الموالد – ومازلت أذكر وجودهم أمام كوبري راغب باشا القريب من بيتي وقت فتحه لمرور المراكب الشراعية – وتجمهر الناس أمامه وخلفه، انتظارا لغلقه ثانية ليمروا فوق أرضه.
ويستعين حكماء الأسنان بمواد كاوية تخلع الضرس دون جهد منهم.
طبعا هذه الطرق القبيحة أدت إلى مرض الكثير بأمراض تؤدي للموت. ففي وقتنا هذا - رغم التطور والشهادات العلمية والعلم الحديث - علاج الأسنان هو من أهم أسباب الإصابة بأمراض الكبد. فشاهدت الكثير ممن أصيبوا بفيرس c يرجعون سبب إصابتهم إما للحلاق أو طبيب الأسنان. فأحست الحكومة المصرية وقتها بالكارثة التي يحدثها حكماء الأسنان الذين يعالجون الناس بهذه الطريقة الهمجية.
وفي عام 1930 منعت الحكومة ممارسة هذه المهنة إلا بتصريح من وزارة الصحة. وقررت أن تمتحنهم، فتقدم الكثير منهم للامتحان، فمن وجدته اللجنة صالحا، أعطته شهادة يعلقها في مكان ممارسة عمله ومنحته لقب "حكيم أسنان". والباقي خرجوا من الامتحان راسبين.
وأصبحت كارثة للذين رسبوا في هذا الامتحان. فهذه مهنتهم الوحيدة التي يرتزقون بها وينفقون منها على بيوتهم وأولادهم، وبعضهم ورث هذه المهنة عن والده أو جده.
واحتج الراسبون، وجلسوا – بالصدفة – في قهوة الفيشاوي التي يجلس الشاعر كامل الشناوي فيها، وكان بينهم رجل يجيد الخطابة، فوقف وخطب فيهم مطالبا زملاءه بألا يسكتوا، ولا بد أن يطالبوا بحقوقهم السليبة.
فاقترب كامل الشناوي منهم وسألهم عن حالهم، فحكوا له ما حدث فقال:
-    الحل هو تشكيل نقابة لكم. باسم "نقابة حكماء الأسنان الراسبين"، وتختاروا من بينكم نقيبا كسائر النقابات في مصر. فهذا الموقف الرسمي هو الذي يمكنكم من العودة لعملكم.
وبالفعل انتخبوا زميلهم الذي يجيد الخطابة والحديث. وأشار كامل الشناوي عليهم بشراء بدلة ردنجوت وقميصا وبابيون وحذاء أسود وطربوشا، كأي نقيب نقابة أخرى. فهو معرض لمقابلة كبار المسئولين لعرض مظلمتهم. فالموضوع ليس سهلا، إنه متعلق بأكل العيش.
هذه واحدة من المواقف الكثيرة التي كان كامل الشناوي يقفها، ومن المقالب التي يحدثها في الناس، ومعظم مقالبه للخير، فكان يقلد صوت صديق ليصالحه على صديق آخر.

   

كامل الشناوي ونقابة حكماء خلع الأسنان اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2017
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير