التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 99
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » آراء حرة » الشاي والكرامة


الشاي والكرامة الشاي والكرامة

رشاد أبوشاور (الاردن :) الجمعة, 28-اغسطس-2009   05:08 مساءا

الشاي والكرامة


الشاي جدير بالمديح ، فهو رفيق الصبا ، والشباب ، والكهولة ، وما بعدها ...
بدأت صحبتي معه في مخيّم ( الدهيشة ) ، حيث كان عمّي ( أبوأحمد ) مولعاً به .
كان يضرم ناراً في الصيف عند مدخل الخيمة ، وفي الشتاء داخل الخيمة ، ويضع ثلاثة ( أثافي) يركّز عليها الإبريق _ كنّا نسميه ( البرّاد) مع أنه ليس للتبريد ، وللآن لا أعرف سّر هذه التسمية _ وهات يا نفخ تحتهمّما يؤدي لتطاير الشرر والهباب والدخان . بعض نفخ العّم سببه رطوبة الحطب ، وكثيره يعود لرغبة العم في إضحاكنا على شكله حين يتلوّن وجهه بالهباب الأسود .
في مخيم ( النويعمة) بأريحا صار عندنا ( بريموس) ، ولذا ارتاح عمّي من النفخ ، وما عدنا نضحك لمجرّد شحبرة وجه العم .
من العم تعلّمت مطلع أغنية تقول باللهجة المصرية :
برّاد الشاي برّاد الشاي
ولدي يا ولدي برّاد الشاي
العم كان يردد الأغنية وهو متكئ لصق الجدار في الظل ، مبسوطاً أحياناً ، حزيناً أحياناً ، والشاي لازم في الحالتين .
فطورنا الصباحي كان الشاي وكسرة خبز ، ولقد استمر الحال لفترة طويلة إلى أن تمّ تزويدنا ( بالتمر) العراقي في قفف من جريد النخيل ، فصرنا نأكل حبات من التمر مع كسرة الخبز الصباحية .
الشاي الذي قال فيه أحد الشعراء :
إذا صبّ في كأس الزجاج حسبته عقيقاً مذاباً صبّ في كأس جوهر
هو نفس الشاي الذي تدلعّت عليه الفنّانة المصرية الشعبية ليلى نظمي بأغنية يقول مطلعها :
ما اشربش الشاي أشرب أزوزة أنا
هذا الشاي لا أبدله بكل الأزوز ، فالشاي عندي يعني الرواق ، والتأمّل ، وتناول وجبتي الإفطار والعشاء المكوّنتين من : الزيت والزعتر، واللبنة ،والخبز المحمّص ، صيفاً وشتاءً ( تفضلوا أفطروا معي ..جيرة الله عليكم ) ...
في أريحا ، بعد أن كبرنا ، اعتدنا شرب الشاي في أكواب كبيرة لاتملأ تماماً ،بل تترك مساحة فارغة لإبراز جمال لون الشاي ، وليسهل إمساك الكوب الساخن ، وارتشاف الجرعات منه بتلذذ ، وطبعاً مع عرق نعناع يانع يميل بأوراقه على حافة الكوب ، لزوم المزاج .
في دمشق اهتديت إلى أمكنة بيع الشاي في شارع (بيروت) ، قبالة ( الملعب البلدي ) ، على الجهة المقابلة لنهر بردى ، تحت أشجار الحور . كنّا نحن الطلاّب الكثيري الهرب من المدرسة نذهب إلى هناك ، ونجلس على مقاعد قشيّة قصيرة الأرجل ، فيأتي إلينا ( أبو أحمد ) _ وهذا كل ما عرفناه عنه رغم دوامنا وحرصنا لسنوات على جعل موقعه استراحتنا ، ومكان شاينا _ بقميصه الكاكي المزموم على جسده النحيل ، والذي يبكّله بأزرّة نحاسية ، وبوجهه الناتئ العظام ، وشعر رأسه القصير الأشيب ، ليسألنا نفس السؤال :
_ دلعه لمّا حلوه ؟
آنذاك كانت كاسة الشاي الحلوة بفرنكين ، والدلعة _ قليلة السكّر _ بفرنك ونصف ، فيطلب كل واحد منّا دلعة أو حلوة ، ليعود بالأكواب ويضعها أمامنا في صينيّة معدنية بيضاء على كرسي قشّي ، ثمّ يأخذ المعلوم ويجلس سادراً في صمته أمام وعاء الماء الساخن ، والذي على فوهته إبريق شاي خمير ثقيل يضع القليل منه مع الماء الساخن لترى عينك شاياً لا أروق ولا آنق .
غبت عن دمشق سنوات ، ثمّ عدت إليها والحنين يأخذني إلى تلك الأمكنة التي عشت فيها ، ودرست ، والشوارع التي لها في ذاكرتي قصص وحكايات ، وكان أن مضيت إلى شارع بيروت ، بعد أن تسكعت في ( أبورمّانة) ، والتففت من وراء فندق ( المريديان) ، فإذا بي في شارع بيروت ، قبالة ( المعرض ) ونهر بردى ، ومتحف دمشق ، والتكيّة السليمانية ، وإذ أرفع رأسي أرى مباني جامعة دمشق ، فأمضي صوب ساحة الأمويين ، وعلى يميني أشجار ياما جلست تحتها أقرأ الروايات ، ودواوين الشعر ، وأحلم بأن أصير كاتباً . وقفت تحت أشجار الحور العتيقة ، واستذكرت جلساتنا نحن الأصدقاء الذين فرقّت الأيام بيننا ، ووجدتني في وقفتي أشبه ما أكون بأجدادي شعراء المعلقات الذين اشتهروا بالوقوف على الأطلال .
ذات يوم في الزمن الطيّب البعيد ، هنا في هذا المكان حيث كان موقع ( أبوأحمد) توقفّت سيّارة فخمة _ لم نكن نعرف أنواع السيّارات آنذاك مثل أطفال اليوم الذين يحفظون كل الماركات ، ومزاياها ، وأسعارها ، بفضل إلحاح الفضائيات في عرض الدعايات بطريقة مثيرة جذّابة _ لصق الرصيف ، ونزل منها رجل ببدلة وقرافة _ أنيق يعني _ ومن سيمائه وسياّرته ، وملابسه ، بدا متنافراً مع المكان .
تأمّل الأشجار ، والجالسين على الكراسي المتواضعة وهم يشربون الشاي ، وأرسل نظراته صوب أبي أحمد ، ثمّ حرّكّ كرسيّاً ببوز حذائه ، وجلس عليه جلوس غير المرتاح .
نهض أبوأحمد متثاقلاً على غير عادته ، وهمس له وهو يبرم بوزه عنه :
_ حلوة لمّا دلعة ...
ثمّ مضى بعد أن سمع طلب الشخص الفخم ، وعاد له بكوب شاي على صينية .
شرب الشخص بضع جرعات ثمّ نهض وأخرج من جيبه ورقة نقدية ، وضعها في الصينية ، وغمز لأبي أحمد ومضى .
ناداه أبوأحمد ليأخذ باقي ( مصاريه ) ، ولكنه فتح باب سيّارته ثمّ شغّل ومضى .
أبوأحمد انتفض وهو يلتقط بأصابع راعشة الورقة النقدية :
_ أنا ما باخد إكراميات من حدا ، ما باخد بغشيش ، بس حق الشاي باخد ، شو مفكّر نفسه ، ها ؟ !
ثمّ جلس وهو يهذرم ،وانهمك في ملء كاسة شاي ثمّ دلقها ،وأتبعها بأخرى ، وهكذا حتى بلغ الرقم 49 ..عندئذ ارتاح ، وقال كلمة ما زلت أذكرها :
_ هذا حقّه ، وهذا حقّي ، شو مفكّر بدو يشتريني بخمس ليراته ، العمى !
استندت إلى شجرة حور وبسطت راحتي ، وبدأت أتلو الفاتحة لروح أبي أحمد ، ولروح تلك الأيّام ، وإذ رشرشت السماء زخّات ناعمة اختلطت دموعي بالمطر ، فمضيت أمشي على مهل مغمض العينين حتى لا أرى ما جرى من تغيّرات أفقدت شارع بيروت شاعريته وحنوّه.

   

الشاي والكرامة اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2017
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير