التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 105
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » آراء حرة » الهريسة والمياه الغازية في الإسكندرية


الهريسة والمياه الغازية في الإسكندرية الهريسة والمياه الغازية في الإسكندرية

مصطفى نصر () الأحد, 14-يناير-2018   01:01 صباحا

الهريسة والمياه الغازية في الإسكندرية

المياه الغازية :
ما أذكره جيدا – رغم مرور سنوات طويلة على ما حدث – أن عبدالحليم حافظ كان يغني أغنية "لا تكذبي" في حفل أضواء المدينة. وأخذ يعيد ويزيد، ويقول "كوني كما تبغين، لكن لن تكوني – فأنا صنعتك من هوايا ومن جنوني".
فضاق خالي (صاحب البيت) بهذا الإلحاح، وطلب مني أن أغير المحطة، فصعدت فوق الكنبة وأدرت مؤشر الراديو وأتيت بأغنية أخرى.
كنتُ قد اتفقت مع ابن خالي على أن نستذكر حتى الصباح. وفجأة جاءت خالتي بابنها وابنتها من الصعيد، جاءت لتبقى عدة أيام عند أخيها. فقدموا إليها طعاما مليئا باللحم السمين، فتناولته بنهم، رغم مرضها بارتفاع ضغط الدم. فحذرتها من مغبة ذلك. فنظرت إلي في غضب، فهي تأكل من بيت أخيها، وليس من حقي الاعتراض على ذلك. وظلت تدس اللحم الأبيض في فم الولد والبنت الصغيرين.
ذاكرت مع ابن خالي، لكنه لم يستطع المقاومة، وذهب لينام، وبقيت وحدي أستذكر، وفوجئت بخالتي، تخرج من حجرتها وهي تضع يدها على رأسها وتصيح:
-    ألحقوني، أغيثوني، رأسي تدق في عنف. .
حدث ما حذرتها منه، اللحم السمين زاد من إرتفاع ضغط الدم عندها، فاستيقظتْ زوجة خالي، وقالت لي:
-    ابحث عن محل فاتح واشتر لها زجاجة مياه غازية.
كنت أعرف دكانا يسهر للصباح، فاشتريت منه زجاجة واسرعت للبيت، شربتها خالتي المريضة، فهدأت حدة دقات رأسها، وارتاحت من الألم.
للآن لا أعرف صلة المياه الغازية بعلاج ارتفاع ضغط الدم.
وحكت لي زوجة خالي، وقد عاشت حياتها في الصعيد – وجاء بها زوجها للإسكندرية، واسكنها بيته هذا، وكان يضربها لأنه يراها وهي تلعب مع أطفال البيت على السلالم. فقد تزوجها صغيرة. هكذا قالت لي، وقالت لي أيضا:
-    عندما كنا نجد شخصا يمسك زجاجة مياه غازية، نسرع إليه في جزع وقلق ولهفة، ونسأله:
-    مين عيان عندكم؟!
فزجاجات المياه الغازية لا تدخل بيوتنا إلا في حالة المرض.
ومن المألوف والمعتاد أن يحمل الأشخاص زجاجات المياه الغازية الصغيرة، ويزورون بها مرضاهم.
الهريسة :
لم أزر بلدتنا المراغة إلا عام 1956 – وقت حرب السويس، عندما كنت صغيرا. فسخر الأطفال – هناك – مني لارتدائي بيجامة مخططة. وعايروني لأننا في الإسكندرية نأكل السمك، كما هو، دون أن نخرج أحشاءه وننظفه، وقالوا لي قولا بذيئا لا أستطيع كتابته.
وكان خالي الكبير الذي عاش فترة طويلة من حياته في الإسكندرية، قبل أن يرحل للصعيد ويعيش به باقي عمره؛ يكثر من تناول السمك المشوي طوال فترة زيارته للإسكندرية، وتحرص زوجة أخيه – الذي يقضي الزيارة عنده – على شرائه له، وشويه من أجله. لأنه لا يأكله في الصعيد.
وقريب لي ممتلئ وألدغ في حرف السين، شديد الإعجاب بالهريسة. فهي لم تكن موجودة في المراغة وقتها، وإذا أردوا شراءها لا بد من السفر إلى سوهاج. فيأخذه قريب لي – أكبر مني – ويدعوه للجلوس على قهوة البرعي – أكبر قهوة في محطة مصر- ويشتري له هريسة من العصافيري القريب من القهوة، فيلتهمها الرجل بتلذذ وإعجاب، ويطلب قريبي الشاب، له شيشة تفاحة، كانت في ذلك الوقت بأربعة قروش. وعندما ثقل عليه حساب القهوة – وهو مجرد تلميذ يحصل على مصروفه من والده الفقير– أضطر أن يستأذن من قريبنا هذا، ويهرب منه ويتركه لكي يدفع حساب القهوة بنفسه.
معظم سكان حينا، تركوا مدنهم وقراهم وجاءوا شبابا للبحث عن العمل في الإسكندرية، ثم تزوجوا وكونوا أسرا وعاشوا فيها.
وجاء شاب إلى قريبه في الإسكندرية على أمل أن يجد له عملا مثل غيره، ليستقر في الإسكندرية، لكن الوقت طال والأيام مرت ولم يجد قريبه له العمل المناسب، فاقترح عليه قريبه أن يعود لبلده، ويبحث هناك عن عمل فرب هنا، رب هناك.
وافق الشاب على ذلك. فأخذه قريبه لمحطة القطار، وقطع له تذكره، وأجلسه على المقعد في انتظار قيام القطار، واشترى له سندوتشات وهريسة، ولم يكن الشاب قد رأى أو ذاق الهريسة من قبل، فأمسك باللفافة، فأحس بدفئها، وفاحت رائحة السمن البلدي، كان قريبه يريده أن يبدأ بتناول السندوتشات، ثم يحلي بالهريسة، لكنه لم ينتظر، وأفض اللفافة، ووضع قطعة في فمه، فأحس بلذة عجيبة، وسأل قرييه:
-    ما هذه؟
-    إنها الهريسة.
وضع قطعة أخرى في فمه، فشعر بلذة أشد، ثم وقف وصاح:
-    تريدني أن أترك الإسكندرية، وبها هذه الهريسة؟!
وهبط مسرعا من القطار، وقريبه يسرع خلفه وينادي عليه، ليعيده إلى مقعده:
-    القطار سيقوم بعد لحظات.
لكن الشاب أسرع إلى الطريق، وابتعد عن قريبه، بحث بنفسه عن عمل، وعاش بقية عمره في الإسكندرية، وتزوج وأنجب وامتلك بيتا بعد ذلك، من شدة حبه للهريسة.

   

الهريسة والمياه الغازية في الإسكندرية اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2018
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير