التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 96
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » البستان » تحت سماء سان فرانسيسكو


تحت سماء سان فرانسيسكو تحت سماء سان فرانسيسكو

نجاة علي (السفير) الجمعة, 03-يونيو-2016   08:06 صباحا

تحت سماء سان فرانسيسكو

وصلت إلى مونتالفو في سان فرانسيسكو بدعوة. مونتالفو فيلا ضخمة مخصصة لاستضافة الأدباء والفنانين، في يوم وصولها كانت محاكمة مبارك لكنها اكتشفت أن لا تلفزيون في المكان حرصاً على وقت المدعويين، كان هذا بالنسبة لها، هي التي اشتركت في الحراك المصري، مزعجاً.

كمن يوقن أنه صار على حافة الجنون! هكذا كانت حالي حين غادرت القاهرة بعد اندلاع ثورة 25 يناير في مصر بستة أشهر، تلبية لدعوة تلقيتها لإقامة أدبية بمدينة سان فرانسيسكو، غادرتها حاملة قلقي معي، تاركة خلفي حلمًا كبيرًا أخشى على نفسي مرارة إجهاضه.

بعد رحلة طيران شاقة استمرت لأكثر من 12 ساعة، وصلت إلى مطار سان فرانسيسكو، فوجدت صديقي الشاعر المغربي «ياسين عدنان» الحائز معي منحة الإقامة ذاتها ينتظرني منذ وقت طويل بقلق بالغ وبصحبته السائق، لنقلي لمقر الإقامة «مونتالفو» الذي يبعد عن المطار حوالي أربعين دقيقة بالسيارة. كان المكان عبارة عن فيلا ضخمة، أقرب لأن تكون تحفة فنية نادرة من حيث البناء والتصميم. علمتُ أنها كانت في الماضي سكنًا خاصًّا لنائب سابق في البرلمان الأميركي، عاشق للفن وللأدب، أوصى بأن تصير إقامة للكتّاب والفنانين، تقوم على إدارتها إحدى المؤسسات الثقافية الراعية للفن. وقد كلَّف في أثناء حياته مجموعة من الفنانين الأميركيين أن يصمموا عددًا من الاستوديوهات لهذا الغرض، تاركًا لكل واحد منهم على حدة حرية أن يصمم «استديو» على النحو الذي يتخيله، فيمكنه بهذا أن يمنح للمكان شيئًا من روحه.

كان الليل قد حلَّ حينما وصلنا مونتالفو. أخذني ياسين إلى مائدة العشاء مباشرة وعرَّفني على كل زملائنا من الفنانين والأدباء الذين كانوا ينتظرونني ليرحبوا بي قبل تناول الطعام.

بعد العشاء ذهبت إلى الاستديو الخاص بي، لاحظتُ أنه مكوّن من طابقين وله ثلاثة أبواب في اتجاهات مختلفة بالدور الأرضي. لا أعرف لماذا أحببته حين وقعت عيناي عليه لأول مرة وتخيلتُ أنه صُمم من أجلي أنا فقط. لعلي فرحتُ به لأنه كان أول بيت أملك مفتاحه وحدي وأرتبه كيف أشاء.

أخذت حمامًا ساخنًا وبعدها رحت في نوم عميق من شدة الإرهاق. واستيقظتُ مفزوعةً بعد ساعتين على صوت جهاز إنذار الطوارئ. بحثت عن مكان الجهاز الذي يصدر منه الصوت فوجدته بجوار ركن دولاب الملابس بالقرب من غرفة نومي في الطابق الثاني. حاولت إغلاقه مرات عدة وفشلت. وتوهمت أن صوت الجهاز المزعج كفيل بإيقاظ الإقامة كلها، لكنني حين خرجت من الاستديو وجدتني وحدي في وسط غابة مظلمة. والكل نائم ولا أثر لأي كائن مستيقظ غيري.

لم ينقذني من جحيم صوت هذا الجهاز المخرب سوى مساعدة جارتي الفنانة التشكيلية «نانسي بوب» لمعرفة أرقام الكود الخاص به لإغلاقه، لكن ما إن رحتُ في النوم حتى عاود جهاز الطوارئ رنينه المزعج!

ليلة محاكمة الديكتاتور

اكتشفت منذ الليلة الأولى أنه لا يوجد تلفزيون بالإقامة بحجة أنه سيضيِّع أوقات الكتّاب والفنانين، وهم يريدونهم أن يتفرغوا لمشاريعهم التي جاؤوا من أجلها، فتقبلتُ الأمر على مضض.

علمت بالمصادفة وأنا أُقلِّب بعض صفحات الأصدقاء على الفيس بوك أن الغد ستكون أولى جلسات محاكمة مبارك، يا إلهي!! أخيرًا سيرتدي الديكتاتور ملابس السجن. إنها اللحظة التاريخية التي تمنيتها ولكن ها هي تجيء الآن وأنا بعيدة عن مصر.

الكل في مونتالفو عادوا إلى شققهم ليناموا وتركوني أدور حول ذاتي، وأبحث عن وسيلة أتابع بها الأحداث وقد زاد من صعوبة الأمر - بالنسبة إلي - فرق التوقيت بين القاهرة وسان فرانسيسكو الذي يصل إلى تسع ساعات.

وحدي هنا أكلم الجدران وأكتب الرسائل الإلكترونية على حائط بارد لأصدقائي المصريين الذين لم يستيقظوا بعد.

رحتُ أتجول بحيرة في مواقع الإنترنت لعلي أجد قناة تبث المحاكمة، لكن خذلني جهاز «اللاب توب»، حدثت به مشكلة لم أتمكن من حلها، فأغلقتُه بعد عدة محاولات يائسة.

في اليوم التالي، التقيت «كيلي» مديرة برنامج الإقامة على العشاء التي جاءت خصيصًا لترحب بي، ربما بسبب أنني أول كاتبة عربية تتم دعوتها إلى مونتالفو. لكنها انتبهتْ إلى أنني أجلس شبه صامتة بجوار ياسين، أرد على حديثه لي فقط ببعض العبارات بالعربية بصوت منخفض قليلًا، كأني أشكو من شيء ما.

سألتني كيلي بابتسامة رقيقة: «هل هناك شيء يزعجك في الإقامة عزيزتي نجاة؟".

فقلت لها بتوتر واضح: لا.. أبدًا.

أراد ياسين أن يكسر حالة القلق التي تبدو علي، فحكى لها بطريقة مرحة حكاية جهاز إنذار الطوارئ وما فعله بي منذ أول ليلة، وأكملت نانسي الحكاية بالجزء الذي شاركتني فيه فضحكنا جميعًا، ولكنني عدتُ ثانية إلى شرودي. وفجأة قلت لـ «كيلي» بدون مقدمات: «كنت أتمنى أن يكون لدينا تلفزيون في الإقامة.. اليوم كانت محاكمة مبارك. كان يجب أن أشاهدها؟"

ظهرت على «كيلي» علامات عدم فهمها للأمر، فشرح لها ياسين الموقف بالتفصيل وأهمية يوم كهذا في حياة كل المصريين، خاصة الشباب الذين شاركوا بالثورة منهم.

توقعت من «كيلي» ألا تهتم بالأمر وألا تقدر حالة الاكتئاب التي أعانيها جراء غيابي عن مصر في تلك الأيام. لكنها فاجأتني بتعاطفها الكبير معي، ووجدتها في نهاية العشاء تقترب منى معتذرة برقة:

«لو كان لديّ علم بهذا الحدث لجئتك بتلفزيوني الخاص من منزلي ووضعته ببيتك بالإقامة حتى تشاهدي المحاكمة كما تشائين. سامحيني يا عزيزتي». احتضنتني وقبّلتني بحنان وقبل أن تغادرنا ودعتني بعبارة واحدة: «لا أحب أن أراك حزينة أبدًا.. نحن نعمل هنا من أجل راحتكم بمونتالفو".

حين تفقدت بريدي الإلكتروني في اليوم التالي صباحًا، عثرتُ على رسالة جماعية من أحد المسؤولين بالإقامة، موجهة إليّ وإلى كل زملائي من الفنانين والكتّاب، يخبروننا فيها بأن النت سينقطع - ربما لثلاثة أيام عن مونتالفو - بسبب عطل ما.

أثارت الرسالة غضبي بالفعل، لأنها ستعني العزلة التامة عن العالم الخارجي. لكن لم تمر سوى دقائق معدودة وجاءني ياسين، شاكيًا هو الآخر، بادية عليه علامات الضيق، وبعده دخلت نانسي علينا لتعيد الخبر ذاته، وأكدت أنه أمر نادر الحدوث في ولاية كاليفورنيا. حاولتُ أن أخفف من حدة الموقف فداعبتُ نانسي قائلة لها: «أخبريني عزيزتي نانسي صراحةً: هل وصل مبارك إلى هنا وقام بقطع النت انتقامًا مني بسبب ما حكيته لكم عنه، مثلما فعل معنا من قبل في جمعة الغضب يوم 28 يناير؟ هل سيقطع الاتصال عن الهواتف أيضًا؟».

ضحكت نانسي بصوت عالٍ وقالت بإنكليزية يملأها المرح: «ربما». لكن لم يمر من الوقت أكثر من ساعتين حتى عاد الإنترنت مرة أخرى، فحمدت الله أنهم تمكنوا من إصلاح العطل بهذه السرعة.

هوس جوال

بتُّ أشعر أنني مصابة بهوس التفكير بمصر! هذا ما اكتشفته وأنا أرتبُ مع لوري وود (منسقة إقامات الكتّاب والفنانين) برنامجًا لزيارة الأماكن التي ينبغي أن أزورها خلال فترة إقامتي بالمدينة. خمنتُ من طريقة لوري معي أنها لم تكن فقط متحمسة لكتاباتي الشعرية، بل إنها كانت أيضًا متعاطفة مع حالتي المضطربة منذ أن جئت إلى هنا. وهو ما جعلها تأتي من حيِّها «بيجسر» Big Sur الذي يبعد عن إقامتي بمونتالفو حوالي ساعة بالسيارة، لتصحبني أنا وياسين لجولة ثقافية طويلة بالمدينة كل عدة أيام.

في الجولة الأولى لي في سان فرانسيسكو، اصطحبتني لوري وصديقتنا المشتركة كايت جودين إلى مركز المدينة، حيث (السيفيك سنتر) Civic center وهو مُجمع يشمل عددًا من المباني على الطراز المعماري الكلاسيكي الأنيق، منها: مبنى (إيريل وارين - ولاية كاليفورنيا)، وهو يحمل اسم أحد رؤساء المحكمة العليا السابقين في أميركا، كذلك مبنى دار الأوبرا (النصب التذكاري للحرب)، وقاعة السيمفونية، والمكتبة الرئيسية بالمدينة، وساحة مبنى الأمم المتحدة، وغيرها من المباني التي تجعلك تسبح في جمال هذه المدينة المتمردة المتعددة الوجوه.

ابتسمت لوري حينما رأتني أغوص في دهشتي وأكاد أنسى وجودهما «هي وكايت» معي بالمكان، وأشارت بيدها قائلة بفخر:

"إن هذا المكان يشبه ميدان التحرير عندكم بمصر" فأُخذتُ عند ذكر هاتين الكلمتين معًا «مصر، وميدان التحرير». ثم حكت لي باستفاضة كيف شهد هذا المكان أهم الاحتجاجات والاعتصامات على حرب فيتنام في الستينيات، ثم شهد في ما بعد، احتجاجات الأميركان على احتلال العراق. لكنني علَّقت على حديثها مازحة: «لكن يبدو أن الأميركيين لم يعد لديهم الآن وقت للتظاهر؟".

   

تحت سماء سان فرانسيسكو اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2017
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير