التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 105
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » الشاشة الساحرة » « نار في البحر» للإيطالي جيان - فرنكو روسي: الموت يفاجئ الكاميرا بالمقلوب


« نار في البحر» للإيطالي جيان - فرنكو روسي: الموت يفاجئ الكاميرا بالمقلوب « نار في البحر» للإيطالي جيان - فرنكو روسي: الموت يفاجئ الكاميرا بالمقلوب

فجر يعقوب (الحياة:) الأحد, 04-ديسمبر-2016   02:12 صباحا

« نار في البحر» للإيطالي جيان - فرنكو روسي: الموت يفاجئ الكاميرا بالمقلوب

يصح القول مع فيلم «نار في البحر» للمخرج الإيطالي جيان - فرنكو روسي إنه نشيد أنثروبولوجي سينماتوغرافي كبير. ليست الحياة التي يظهرها في الفيلم إلا انعكاساً متقدماً عن علاقة الإنسان بالظواهر والإشارات المرتبطة به في محيطه.
في هذا الفيلم تسير الحياة على سطح جزيرة لامبيدوسا وفق خطوط هادئة متعددة لا يعكر صفوها شيء. كأنما هي خطوط معدة في السيناريو على ألا تجتمع في نسق واحد. لا نلتقي بوجوه كثيرة فيها. الطفل صامويل (12 سنة) يقضي وقته في مطاردة العصافير في النهار وعند الغروب. يتفنن أحياناً في صنع أسلحة الطفولة مع صديق له. وقد يستخدم ضوء القنديل في الليل لإخافتها في أعشاشها. أما علاقته بالمدرسة فهي شبه معدومة، أو هو مقل بالذهاب إليها. هناك الأب الصياد الذي يكشف في عزلته عن تضاريس وعرة في الجزيرة، كأنما يكشف عن تضاريس في أعماقه يقوم بدراستها في كل مشوار بحري يذهب فيه بحثاً عن طعام لأسرته. أما الجدة العجوز فهي لا تتوقف عن ترتيب مقتنيات البيت، والطبخ، والاتصال بالإذاعة المحلية لطلب أغنية مفضلة من أغنياتها مثل «الحب وسائق العربة». مع هذه الشخصيات نلتقي بالطبيب الوحيد في الجزيرة بارتو بارتوليو، وهو مسؤول عن تقديم الاستشارات الطبية المتعلقة بالحمل وطب العيون وأي شيء متعلق بالصحة العامة. وبالطبع هناك المشرف على إذاعة محلية الذي يبث أحياناً أخباراً متعلقة بقوارب اللاجئين التي تغرق أو ترسو في جزيرة لامبيدوسا. وهو يغرق في عتمة خفيضة ويلبي طلبات بعض المستمعين من قاطني هذه الجزيرة.
على رغم طول بعض الكادرات التي يصورها روسي نسبياً بكاميرا رقمية خفيفة، وهو مدير التصوير في الفيلم، إلا أن ثمة اقتضاباً في الحوارات وتكثيفاً يتلاءم مع الصورة الغائمة التي تتمتع بإضاءة قليلة وخافتة. كل ما يتقدم وفق هذه الخطوط يساهم في صنع دراما خاصة غير تقليدية لجهة سرد القصة. أما التوغل في الجزيرة فيدفع الأب الصياد إلى النبش في علاقتها مع اللاجئين الذين عبروا منها منذ مطلع تسعينات القرن الماضي بقصص مهولة ومأسوية. يشرح ذلك لصمويل في لقطة طويلة. هذا ينطبق أيضاً على الطبيب الذي يلجأ إلى الصور ليقص قصصاً عن بعضها لا تزال تتربع على عرش ذكرياته. صحيح أنه عاش ذكريات جميلة منذ أكثر من ربع قرن على سطح جزيرة لامبيدوسا، إلا أن القصص ذات النهايات المؤلمة المرتبطة باللاجئين صارت تطغى على ذاكرته، ولم يعد هناك شيء مرتبط بقصص سواها.
لفهم آلية علاقة رجال الإنقاذ باللاجئين يجب متابعة تلك الإشارات التي تصدر عن هواتفهم النقالة المرتبطة بالأقمار الاصطناعية حين تطلب النجدة. ليس تحديد الموقع بالنسبة إلى السفن والبوارج الإيطالية التي تجوب عرض البحر نهاية لأي عقد من عقود هذه المأساة البشرية. على العكس من ذلك تبدو وكأنها إشارة على تمديد محنة هؤلاء الذين يستقلون البحر بعد طول قطيعة. ليست الصحراء التي يقطعونها بين السودان وليبيا إلا تجسيراً لذاكرة معدة للتنكيل بها سلفاً. تبدو تلك المحاولة التي يقوم بها مهاجر صومالي في مخيم اللجوء الإيطالي لينشد محنته أمام الكاميرا، بأغنية مفككة من «الراب»، وكأنها تعبير ثمين عن هذا النشيد الأنثروبولوجي المحكم. الرحلة طويلة، والكلمات التي تصفها مغرقة في الألم. بعد رحلة الصحراء التي تمتد على 3000 كيلومتر، هناك السجن الليبي وداعش.
لا يوجد ماء. لا يوجد طعام. هناك موت يفوح في كل مكان، ومن ينجُ يُكتب له عمر ثان بانتظار المرحلة الثانية من التصفيات: يقف رجال البحر على الكتل البشرية المتدحرجة. لم يكن سهلاً على روسي أن يصور أولئك اللاجئين الذين يموتون أمام الكاميرا. كان مضطراً لإشغال نفسه بأشياء كثيرة حتى يكمل الفيلم في لابيدوسا. كان قد ذهب في الأساس ليصور فيلماً قصيراً، لكنه اكتشف بحدس السينمائي، أن ما يدور على سطح الجزيرة لا تكفيه الدقائق التي كان يخطط لها، فبقي سنة كاملة يعيش بين هذه الشخصيات التي رسمت معالم قصته مع أكناف اللاجئين الذين يفر بعضهم من الموت إلى الموت.
يقول جيان - فرنكو روسي إن مايحدث هنا يضع الاتحاد الأوروبي على المحك، فمأساة غرق اللاجئين تكاد تكون الأبشع من بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.
إن الكادرات الطويلة هنا تبدو وكأنها معدة لنوع من التأمل في مصائر ذاهبة للموت. لكن بعضها يغرق في إطالة غير مبررة، وبخاصة تلك التي تأخذ وقتاً في تفتيش اللاجئين الصاعدين إلى البارجة الإيطالية. أو فحص عينيّ الطفل صامويل عند الطبيب بارتوليو. حتى وإن بدا أن هناك حكمة من ظهورها، فإنها لعبت دوراً في التشويش على الإيقاع الذي يتشكل في الفيلم بتلقائية مدهشة.
اللافت في الفيلم هو تلك النداءات التي تنتصر لسورية في مباراة ودية بكرة القدم بين لاجئين أفارقة وعرب في المعسكر الإيطالي. الهم السوري يطغى أيضاً. تلك الصور التي تلتقطها الشرطة الإيطالية لوجوه سورية أضنتها الحرب والهجرة. أسبوع أو أكثر تستغرق الرحلة البحرية للوصول إلى الجزيرة، وفي هذه الأثناء يضيّع هؤلاء المهاجرين الكثير من ذكرياتهم. لا يبقى أمامهم سوى الصراخ للتعبير عن العجز الذي يطاولهم.
في اللقطات الأخيرة من الفيلم يصل العجز الإنساني إلى ذروته. جثث في أكياس يتم حملها على سطح البارجة الإيطالية. من المؤكد أنه لم يتم الاحتفاظ بها لدفنها. لكن الكاميرا لم تسجل عمليات رميها في البحر. لم يقل روسي شيئاً عنها. من المؤكد أنه شغل نفسه بأشياء أخرى حتى ينجز فيلمه للنهاية. فيلم «نار في البحر» نال جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين الفائت، ويعرض حالياً في الصالات السويدية، ومرشح بلاده لأوسكار عام 2017 عن فئة الأفلام الأجنبية.

   

« نار في البحر» للإيطالي جيان - فرنكو روسي: الموت يفاجئ الكاميرا بالمقلوب اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2018
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير