التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 99
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
الكاتب : سعيد يقطين
الكاتب : وكالة الصحافة العربية
  
الرئيسية الرئيسية » الشاشة الساحرة » " فورتوناتا " .. الإيطالية في تنازعها المضطرب!


" فورتوناتا " .. الإيطالية في تنازعها المضطرب! " فورتوناتا " .. الإيطالية في تنازعها المضطرب!

قيس قاسم (الحياة:) الأربعاء, 06-ديسمبر-2017   02:12 صباحا

"فورتوناتا" في الإيطالية تعني «المحظوظة»، غير أن كل ما في حياة فورتوناتا كما يصورها المخرج سيرجيو كاستيليتو يقول العكس؛ لم تجنِ من زواجها الأول سوى الخيبات والوجع، ومن الحياة غير الخسارات واللهاث من أجل تأمين مستوى عيش عادي، لها ولابنتها، التي حتى هذه، تتنازع على الاحتفاظ بها مع زوجها السابق. مع كل ذلك كانت قوة الأمل داخلها في عيش حياة أفضل، تحركها باندفاع، لدرجة يتماهي في وضوحه عندها تحقيقه من طريق الكدح أو حتى بالخيال؛ كأن تفوز بجائزة يانصيب تفتح لها بمالها صالون حلاقة بدلاً من العمل كمصففة شعر تنتقل من بيت الى بيت، متوترة طيلة الوقت لا تتوقف لحظة عن الكلام والحركة. على تلك الصورة، ظهرت أمامنا «فورتوناتا» في مفتتح فيلم حمل اسمها (كتبت نصه مارغريت مازانتين) وكأنها به تريد موضعتها كمركز للعالم المتحركة وسطه؛ روما/ إيطاليا اليوم المفتوحة على العالم باتساع.
نص مخادع
نص فورتوناتا مخادع يضمر الكثير المختلف بين باطنه وظاهره، بين قوة ألوانه ووهجها وبين دواخل أبطاله المتأزمة. مرجعيته إيطالية، يذكرنا متنه بـ «ماما روما» لبيار باولو بازوليني وظاهره يعيدنا الى «كرامر ضد كرامر» لروبرت بنتون، وبينها تكمن أصالة نصه المعني بمشكلات إيطاليا وتعقيدات الحياة فيها في ظل تشابكات «كونية»، وخصوصية أوروبية عنوانها المقلق؛ «الأمهات الوحيدات».
يعرف سيرجيو كاستيليتو كيف يفلت من السقوط الفج في خضم مشكلة اجتماعية صرفة، ويعرف أيضاً كيف يمكنه من خلالها الغور عميقاً في جوانيات أبطاله وتبيان تعبيراتها النفسية بوضوح. أرادها وسيلة للدخول التدريجي الى عوالمهم السوداوية. أطال خداعه لمشاهده بعاديتها. أحاط الأم الوحيدة بثلاث رجال وبدورها حاولت هي إقناعنا بنمطية شخصيتها كامرأة وحيدة سهلة الإمساك؛ بإيحاءات تتوافق مع الانطباعات الجاهزة لدى الجميع حول مواصفات الأم الوحيدة (الملابس، الحركة، مستوى اللغة وغيرها). من انقلابات نص «فورتوناتا» المفاجئة انتقاله من مستوى الفكاهة الإيطالية الصاخبة الى تعقيدات تكوينات أبطاله النفسية الملتبسة. كل واحد منهم، يعاني من تمزقات داخلية وآلام نفسية موجعة، مثل تلك التي تركت أثراً مدمراً داخلها وأشعرتها بمسؤولية موت والدها حين تركته يغرق أمام عينيها في مياه النهر من دون أن تقدم له يد العون أو تطلب أحداً لنجدته. أرادت وهي في سن الثامنة من عمرها رحيل والدها المدمن من حياتها. شعورها بالمشاركة غير المباشرة في موته التي ظلت حبيسة خزانتها النفسية، باحت به لصديق طفولتها المدمن وأنست نفسها ما قالت. ستتصاعد درجات البوح الداخلي حين سيُقدم ذلك الصديق على قتل أمه تخليصاً لها، كما يقنع نفسه، من وجود لا معنى له في ظل مرض الخرف المصابة به. أما الرجل الثالث الطبيب النفسي والعشيق الجديد لفرتوناتا فسيلعب دور «الكشاف» الضوئي الذي يمر على دواخل الشخصيات ويفكك تعقيداتها، وأحياناً يكون طرفاً فيها ومسبباً لها.
أحب الطبيب «فورتوناتا» لكنه انسحب في لحظة فراغ هائل أحاط بها، ومضى الى المجهول كما فعل آخرون قبله. الأمل الوحيد المتبقي في ابنتها وفي علاقتها بها تموجات ومشاكل تشبه عادة مشاكل الأمهات الوحيدات مع أطفالهن الموزعين بين طرفي صراع، تظهر تجلياته الأسوأ في لحظات انعدام اليقين. تقلبات مستويات سرد حيوات أبطاله تحيل جزءاً من نصه الى أصولها الاجتماعية/ الطبقية واليها يترك سيرجيو كاستيليتو مساحة يمكن رؤية تشكلات مشهدياتها واضحاً. إيطاليا فيها منقسمة اليوم طبقياً واجتماعياً بحدة وبطلته نتاج فقر حالها وعيشها على هامش مدن الأثرياء، حتى عملها كمصففة شعر متنقلة بين بيوتاتهم تعبير صارخ عن تلك العلاقات، التي دخل على خطها عملاق اقتصادي.
تنافس
الصين تدخل في معادلة الوجود الإيطالي بقوة. بجوار بيتها يقوم عمال شركات صينية بأداء ألعاب وتمارين رياضية وواحدة منهم تريد إقناعها بالتخلي عن فكرة فتح صالون حلاقة خاص بها لتقوم هي بدلاً منها بفتحه بمالها وإدارته بعمال فقراء جاؤوا معها الى الموطن الأوروبي الهش. التنافس على السوق الإيطالية يتداخل مع الهجرة الكبيرة الوافدة اليها من بلدان فقيرة فيزداد المشهد العام تعقيداً وينعكس على حياة سكانها ويُغير بدرجات طريقة عيشهم تدريجياً. يقابله على الدوام تأزم «محلي» حلاوة وخصوصية نمط العيش الإيطالي المحبب، لم تعد قادرة على إخفاء المشاكل تحتها. وإذا كان «سارق الدراجة» قد عبر بكثافة عن حالة إيطاليا عشية الأزمة الرأسمالية العالمية، ففي «فورتوناتا» سيبرز الإدمان كفعل «تحريري» من ضغوطات الحياة والتمزقات النفسية، ويغدو عملياً سبباً في تعذيب ذوات بشرية؛ فورتوناتا واحدة منها. بسبب موت والدها، ومعها صديق طفولتها حين شرع بقتل والدته وسلوك الزوج السابق المتمادي في عنفه وامتهان جسدها وضربه لها يقول الكثير لدرجة سيعجز نمط الحياة الإيطالي المحبب التستر على بشاعاتها.
طبقات متراكمة
منجز سيرجيو كاستيليتو مبني على طبقات. كل طبقة لها ملامحها وخصوصيتها لكنها درامياً مرتبطة بالتي تحتها وبالأعلى منها، ولهذا سار نصه أفقياً وعمودياً وأحدث تخلخلاً في تصاعد حكايته المتمحورة حول امرأة تعيش في مكان مقبل على تغييرات كبيرة، كان لا بد من نقل تفاصيله وهذا تماماً ما حققه المصور جيان كورتيشيللي حين أضفى جانباً جمالياً مذهلاً عليه تجلى في الدقائق الأخيرة حين راح «المونتاج» يداخل صوره بالأزمان المتقلبة نفسياً وواقعياً، أعاد معها سرد حكايات أبطاله بطريقة مختلفة عن تلك التي شغلنا بها أغلب الوقت.
في نهاية فيلمه، يعطي سيرجيو كاستيليتو، للأم طاقة إضافية - تبدو للوهلة الأولى تقليدية - تكفيها لمجابهة زوجها السابق وعشيقها الطبيب النفسي لتتحمل هجرانه ونكرانه حبها، ولتتفرغ بالكامل لابنتها. معاينتها تشي بانحياز الى أنثوية محببة، تطرح نفسها اليوم على السينما العالمية والأوربية بخاصة لكنها تعيد أيضاً التذكير بقوة السينما الإيطالية وقدرتها على الإتيان بروائع تؤكد أصالتها وقوة مرجعياتها التجديدية واكتشاف مخرجيها ممثلين رائعين مثل؛ ياسمين ترينكا، التي أدت دورها في شكل مذهل والى جمال الصورة القادرة على نقل الخارج وكشف علاقته بعوالم أبطاله الداخلية والمتداخلة بتكويناتهم النفسية. سيسجل للدورة الـ39 من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي (على رغم كل ما قيل في سلبياتها) إشراكه «فورتوناتا» في مسابقته الروائية الطويلة. أما احتمالات خروجه بجوائز مهمة فهذا متروك طبعاً لتقديرات لجنة تحكيمها.

   

" فورتوناتا " .. الإيطالية في تنازعها المضطرب! اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2017
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير