التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 106
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » الشاشة الساحرة » "الحياة المزدوجة لفيرونيكا" كيشلوفسكي و ثنائية الحياة والذاكرة


"الحياة المزدوجة لفيرونيكا" كيشلوفسكي و ثنائية الحياة والذاكرة "الحياة المزدوجة لفيرونيكا" كيشلوفسكي و ثنائية الحياة والذاكرة

لنا عبد الرحمن () الثلاثاء, 16-يناير-2018   02:01 صباحا

في عمله السينمائي الرائع "الحياة المزدوجة لفيرونيكا"، إنتاج سنة 1991، يتألق كيشلوفسكي  كما  تألق في ثلاثية الألوان "أحمر، أبيض،أزرق"؛ ليقدم في هذا  الفيلم قصة  فتاتين في حياتين متجاورتين، فيرونيكا التي تعيش في  بولندا وهي مغنية سوبرانو، والثانية هي  فيرونيك  وتعيش في  فرنسا وتعمل مدرسة موسيقى. تقاطعات كثيرة بين حياتيهما، أو بين ذاكرتيهما، كل منهما تحس أن لها حياة أخرى في مكان آخر إنه الارتباط القسري الغامض الذي يتجاوز حدود الجغرافيا والواقع إلى فكرة العنقود الروحي الذي لا يمكن الجزم علميا بحقيقته، غير أن أصحاب هذه التجارب الروحية  يحدسون بها، ولا يستطيعون التأكد من الأمر، هكذا يغوص الفيلم في قضية الهوية الداخلية، والحدس، والحب، والتعالقات العاطفية المؤلمة مع آخر مجهول لا نعرفه لكننا نحدس بوجوده..
لعله من الصعب الحديث عن حبكة للعمل، أو حكاية تمضي بشكل متصل، لأن التشظي الزمني بين البطلتين وبين الماضي والحاضر يشغل حيز الفيلم كله، لذا يحتاج من المشاهد إلى تركيز تام.المشهد الأول في الفيلم يبدأ  في بولندا عام 1968 حين تظهر فتاة صغيرة مع والدتها تشاهد نجمة الكريسماس، في المقابل تظهر فتاة أخرى في فرنسا تنظر إلى تفتح أوراق الشجر في الربيع.
 تحدث قفزة زمنية نحو عام 1990، حين نشاهد فتاة شابة هي فيرونيكا( ايرين جاكوب) تكتشف موهبتها في الغناء، وتدرك أن لديها صوتا خلابا، بل ويتم اختيارها من بين كثيرات للغناء على المسرح. في ليلة الحفل وقبل أن تغادر البيت تسند فيرونيكا وجهها إلى النافذة، تلمح  امرأة عجوز طاعنة في السن، تمشي في  الشارع ببطء وانحناء  وهي تحمل أكياس التسوق، تتأثر فيرونيكا بالمشهد كثيرا وتنادي على السيدة أن تنتظر لكن المرأة تلتفت نحوها للحظات تنظر إليها وتمضي في طريقها. في تلك الليلة خلال الحفل، بينما تغني  فيرونيكا وحدها على المسرح، تنهار فجأة وتموت، ونرى روحها تمر عابرة الجمهور بسرعة.
تزامنا مع هذا الحدث وفي باريس ، امرأة فرنسية شابة تدعى فيرونيك (إيرين جاكوب)، وبعد انتهاء مشهد  حب مع صديقها يطغى عليها احساس شديد بالحزن، وكأنها فقدت شيئا ما، كأن روحها ضاعت منها. في اليوم التالي، في المدرسة حيث تُدرس الموسيقى، تلتقي فيرونيك مع شاب يأتي مع فرقتهع لتقديم عرض مسرح عرائس، تحكي قصته عن راقصة باليه تكسر ساقها ثم تتحول إلى فراشة، تتأثر فيرونيك جدا بهذا العرض، وتحس أنه يعنيها بشكل شخصي لسبب لا تدركه.
تنتقل عدسة الكاميرا إلى صباح اليوم التالي وفيرونيك مع طلابها  في المدرسة، تُدرس لهم   قطعة موسيقية لملحن من القرن الثامن عشر(فان دن بودنماير) إنها  نفس المقطعة التي كانت فيرونيكا تغني على موسيقاها حين توفيت على المسرح. صوت الموسيقى يظل يتكرر في باطن فيرونيك، وهي تقود سيارتها، وهي تتخيل   حركة عرائس الماريونت. تتصاعد وتيرة الأحداث وتتداخل التفاصيل لتشتبك فيرونيك في علاقة غريبة وغامضة مع الشاب الذي قدم عرض مسرح العرائس وهو كاتب للأطفال، يكتب في احدى قصصه عن بطلتين، ثم يصنع ضمن عرائسه نموذجا لعروستين على شكل فيرونيك.
لعل  المشهد الذي تنتهي فيه حياة فيرونيكا على المسرح  يعتبر من أقوى مشاهد الفيلم، نهاية البطلة على خشبة المسرح، لكن قبل هذا المشهد أراد كيشلوفسكي التأكيد للمشاهد أن هناك بطلتان، حين يعمد في مشهد وحيد طوال الفيلم إلى جمعهما في لقطة واحدة، فيرونيكا تمشي في شارع يضج بالاعتصامات والمظاهرات، بينما فيرونيك (السائحة الفرنسية)  تصعد إلى حافلة كبيرة وبيدها آلة تصوير فتقوم بالتقاط صورة لفيرونيكا لنسختها الأخرى، هذه الرؤية السريعة الأشبه بلحظة طيفية سواء على مستوى الحدث أو التلقي أكدت للبطلتين حقيقة وجود الأخرى، وحقيقة عدم قدرة أي منهما على الإمساك بهذه اللحظة الزمنية الهاربة.
لعل الأهم إلى جانب هذا المشهد، هو تكرار التفاصيل المتشابهة التي تحدث في حياة كلٍ  منهما، صوت الموسيقى التي تغنيها فيرونيكا،  بينما فيرونيك تقوم بتدريس نفس المقطوعات، نوع الأشياء الصغيرة التي تحبها  البطلتان، الكرة الزجاجية، أيضا المرأة الغامضة  التي ترتدي القبعة ذات الدلالة الرمزية التي تظهر في المسرح بينما فيرونيكا تغني، وتعود للظهور ثانية في محطة القطار  حين تلتقي فيرونيك مع الكاتب المسرحي صاحب  عرائس الماريونت.
البطلة إيرين جاكوب أدت دور فيرونيكا وفيرونيك، في إداء طبيعي جدا، غير انفعالي، حساس ومنسجم مع كلا الشخصيتين، جاكوب لا  تواجه الكاميرا أبدا وتتكلم بتلقائية وسط حالة من التحليق الروحاني المنعكس على ملامح وجهها. ولعل أكثر المشاهد المؤلمة لحظة موت (فيرونيكا) على المسرح، وإدراك فيرونيك لهذا الموت، وانقباض قلبها من شدة الألم، مما يؤكد أن  فكرة الفيلم لها علاقة  مباشرة بالذاكرة غير المبررة المنفصلة عن الواقع، الذاكرة التي تفرض سطوتها على اليومي المعاش في الحياة.

   

"الحياة المزدوجة لفيرونيكا" كيشلوفسكي و ثنائية الحياة والذاكرة اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2018
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير