التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 105
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » صدر حديثا » " فرس العائلة " .. توحد بين خصب الأرض وخصب الأنثى


" فرس العائلة " .. توحد بين خصب الأرض وخصب الأنثى " فرس العائلة " .. توحد بين خصب الأرض وخصب الأنثى

محمود شاهين (القاهرة) الثلاثاء, 16-يوليو-2013   05:07 صباحا

أقام محمود شقير بناءه الدرامي أو المحور الذي تدور حوله أحداث روايته "فرس العائلة" على هجر البرية والرحيل إلى مشارف مدينة القدس، غير أن هذا الحامل الدرامي للأحداث لا يغدو مهما إلى هذا الحد أمام سحر الحياة الميثولوجية لهؤلاء الناس، فلا يترقب القارئ حدوث الرحيل، بل، وقد لا يهمه إن لم يحدث أبدا.
في أكثر من ثلاثمئة صفحة يحدثنا محمود شقير عن رحلة عشيرة "العبد اللات" من البرية إلى مشارف مدينة القدس، يحدثنا عن التحول من البداوة والدخول في المدنية، عن هجر مضارب بيوت الشعر إلى البيت الحجري الحديث، عن ترك الرعي والزراعة ولو جزئيا للعمل في مرافق المدينة المختلف، عن هجر الدراسة عند الشيوخ ببيضة ورغيف إلى المدرسة الحديثة، عن ترك الثوب البدوي إلى الفستان، عن إشعال النار بالحطب إلى موقد الكاز "البابور" عن التحول من الحكم التركي إلى الحكم الإنكليزي، عن رجال أرغموا على خوض الحرب إلى جانب الأتراك ليعودوا جثثا أو يختفون، وعن رجال حاربوا مع الإنكليز ليعودوا محمولين قتلى على ظهور البغال.
• خصوبة السرد
يحدثنا محمود شقير عن رجال مزواجين يعشقون النساء وإنجاب الأبناء، ويحبون الحكايات الشعبية والخرافات والبطولات والفروسية. يحدثنا عن نساء يعشقن وينجبن ويحببن دون حدود، ويحلمن بالجن والشياطين، أو يهرب بعضهن مع عشاقهن، عن الشحاذين والباعة المتجولين، عن الجبليين وقرودهم التي ترقص للنساء، عن الغجر وهجراتهم وفنونهم، عن ثورات مجهضة وبطولات فردية، عن عادات وتقاليد وطقوس ومشاعر وأحاسيس وصلوات وأغان ترسم نسيج أرواح هؤلاء الناس وتسبر خفايا نفوسهم.
يحدثنا محمود بمحبة لا تخلو من طرافة عن طقوس الخصب عند هؤلاء الناس، ليوحد بين خصب الأرض وخصب الأنثى. المواقعة الجنسية مع المرأة قد تتم في حقل الحراثة، على ظهر البغل أو استلقاء على الأرض، ليبدو فعل الحرث مشتركا بين الأرض والمرأة. فكلاهما حرث ينتج عنه خصب، لنجد أنفسنا وكأننا أمام طقس تموزي من طقوس ما قبل التاريخ. وفي مواقعات أخرى يتم الطقس على البيدر بين حصيد الكرسنة، أو بين القطيع الهاجع على نور القمر، ورائحة الخصب تتضوع منه، أو إلى جانب نار مشتعلة في البرية.
يوظف محمود شقير خبرة طويلة مع الكلمة في قرابة أربعين مؤلفا وأكثر من ستين عاما مع الكتاب وفنون السرد الأدبي، ليبدو كساحر يجمع رزمة من الأوراق تتحدث عن أكثر من مئة شخصية، ثم يشرع يسحبها ورقة ورقة، دون أن نعرف كيف سحبها، بما لا يتأتي إلا لمن خبروا فن السرد وأتقنوا سحر الرواية. يسير بشخوصه بخطوط شبه متوازية وكأنه يسير بهم معا في آن واحد، فلا يطيل الحديث عن شخصية إلا لينتقل إلى أخرى، والقارئ الذي لا يركز في القراءة قد يضيع، غير أنه وإن ضاع سيجد نفسه مشدودا إلى متابعة الواقعة الحدث دون أن يعير كثير اهتمام لاسم الشخصية التي تجري معها الواقعة. فنحن لسنا أمام رواية شخصية، أو قصة بوليسية تكتم أنفاسنا ونحن نتابع مجريات البحث عن القاتل، نحن هنا أمام بطولة جماعية نتابع فيها حياة هؤلاء الناس في مجتمع البداوة.
وهذا لا يعني أن محمود أهمل رسم شخصياته، أبدا، فقد كان حريصا على تميز كل شخصية وتفردها عن غيرها. لكن كثرة الشخصيات والتنقل من واقعة إلى أخرى حال دون تركيز القارئ على الشخصيات. ورغم ذلك تعلق في الأذهان شخصيات كثيرة لا يمكن أن تنسى.
يسير محمود مع شخوصه خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الخلف. إلى الأمام في ما هو مستجد وما سيستجد من أحداث، وإلى الخلف لنعرف ماضي الأسرة أو ماضي الشخصية في الرواية. يتم السرد عن الماضي باستقراء ذاكرة الشخصية، أو عبر حكايات الأم، أو من قبل الراوي نفسه باسترجاع الماضي، أو عبر أحلام الشخصيات، يتنقل بنا من حدث إلى آخر بتكثيف شديد ودون أية مطمطة أو استطراد.
• رحيل الأساطير
يحدثنا محمود عن مشاجرات عشائرية قبلية، عن أناس يغرقون في الينابيع أو في برك المياه. عن امرأة تلد طفلا بأذني حصان، يجيد الصهيل. عن شيخ دجال يزني بالنساء بذريعة تقديم دواء للنساء العقيمات، وعند موته يتحول ضريحه إلى مقام يضاف إلى مقام آخر تقدم له النذور وتجري فيه طقوس العبادة، يحدثنا عن جني يظهر للنساء في صورة كلب أسود، يحدثنا عن فرس العائلة الغائبة الحاضرة التي تظهر بصهيلها في الملمات من الأيام، لتدخل الزمن الماضي بالزمن الحاضر، مذكرة بالأصالة والحنين والوفاء إلى فارسها الراحل الذي قتل غيلة وغدرا.
يحدثنا عن رجال يقتلون الضباع والغيلان، يحدثنا محمود عن أم الغيث وموسم النبي موسى، وعن أعراس هؤلاء الناس وأغانيهم، يحدثنا عن قطعان تجرفها السيول أو تسطو عليها الذئاب، عن الجدب، عن أطفال يدهمهم فيضان فيغرقون في لجة مياهه، يكاد محمود أن لا يترك شيئا إلا ويتحدث عنه، لنجد أنفسنا أمام كنز من التراث لا يستطيع أن يحيط به إلا من عايش هؤلاء الناس وخبر منجم حياتهم وتاريخهم الاجتماعي وأساطيرهم وحكاياتهم.
وأخيرا يتم الرحيل، لكن متى؟ في الصفحة 144 و145 من الرواية: "صبيحة يوم الرحيل كانت قاسية على الأنفس وعلى الأبدان، نهضت النساء منذ الفجر ورحن يحزمن الأمتعة"، و"توجه منان وأبناء عشيرته غربا، يحملون على الجمال والخيول والبغال والحمير أمتعتهم، وكانوا أسبق في الرحيل من عشائر عرب السواحرة".
• ملحمة أدبية
سأكتفي بهذين المقطعين من الرحيل لأشير هنا إلى التداخل بين الواقع الفني المتخيل والواقع التاريخي الواقعي أو الحقيقي، فمحمود هنا يشير إلى عشائر عرب السواحرة وهي عشائر حقيقية ما تزال تعيش في أراضي جبل المكبر والسواحرة الشرقية، بينما عشيرة العبد اللات التي يقودها المختار منان هي عشيرة متخيلة، ثم إن بلدة رأس النبع التي يقيمها الراحلون على مشارف القدس هي بلدة متخيلـة ولا وجــود لهــا على الخريطـة المقدسيـة.
غير أن محمود يجعلها بلدة لها وجودها حين يجعل بعض الثوار وقادتهم يزورونها، كالشهيد القائد عبدالقادر الحسيني وبعض رفاقه، كما أنه يتطرق إلى بعض أبناء السواحرة الذين كانوا مع الثورة أو في جيش الإنقاذ. لقد لجأتُ إلى التكثيف الشديد في تناولي لرواية محمود شقير، لإعطاء فكرة عن الرواية وعالمها لا غير، فلم أتوقف حتى مع الشخصيات الرئيسة في الرواية كمنان الذي تزوج ست نساء أنجب منهن أربعة عشر ابنا وست بنات، ولم أتوقف مع أبيه الذي كان مزواجا أيضا ومات بعد رحلة مضنية في الحج، ولم أتطرق إلى الجد عبدالله الذي قتل على بئر ماء لتظل فرسه "تحمحم بالقرب من جثته، وحين اشتمت رائحة دمه المتخثر، راحت تشب رافعة قائمتيها الأماميتين إلى أعلى كأنها تطلب النجدة، وحينما لم يصل أحد، انطلقت تعدو مثيرة النقع خلفها، ولم تتوقف إلا أمام مضارب العشيرة"
والذي أخلص إليه هو أنّ "فرس العائلة" ملحمة أدبية بامتياز ندر مثيلها في الأدب العربي على الإطلاق، ولا شك أن الروائيين العرب، والفلسطينيين منهم بشكل خاص، سيجهدون كثيرا لبلوغ هذا المستوى من الخطاب السردي الرفيع، الملم بكافة نواحي الحياة لمجتمع ما، لما حواه من تكثيف في السرد، وبلاغة في اللغة، واستعارات طريفة، وعادات وتقاليد راسخة وميثولوجيا مدهشة، ووقائع مصطفاة ونادرة. إنه حديث الروح إلى الروح، روح محمود شقير إلى أرواح السواحرة والعيازرة والديسة والسلاونة والطورة والعبيدية والتعامرة والعساسوة والمقدسيين جميعا، والفلسطينيين إن شئتم.

   

" فرس العائلة " .. توحد بين خصب الأرض وخصب الأنثى اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2018
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير