التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 96
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » رؤى نقدية » مغادرة الوطن قصصيا .. من جنات جرمانة الى جنات البط


مغادرة الوطن قصصيا .. من جنات جرمانة الى جنات البط مغادرة الوطن قصصيا .. من جنات جرمانة الى جنات البط

شكيب كاظم (القاهرة) الخميس, 06-يونيو-2013   10:06 صباحا

مغادرة الوطن قصصيا .. من جنات جرمانة الى جنات البط

إذا كان الناقد العراقي الدكتور نجم عبدالله كاظم، ينتقد ظاهرة مغادرة الوطن، التي بدأت بالظهور في الحياة العراقية منذ بداية العقد السابع من القرن العشرين، لتستفحل هذه الظاهرة بسبب اضطراب وضع العراق منذ ذلك الوقت، والعصف السياسي والحروب التي لها اول، وليست لها نهاية، ومن ثم الحصار المدمر للحياة في هذا البلد، لتتحول هذه الظاهرة الى هجرة جماعية إثر الحرب الأهلية التي استفحلت رويدا رويدا منذ سنة 2004 وتتحول الحياة في العراق الى جحيم لا يطاق، أقول: اذا كان الناقد الدكتور نجم ينتقد هذه الظاهرة لانها ستؤدي الى خلو البلد من كفاءاته وقدراته العلمية والثقافية، وترك البلد ليعبث به المجهول، فإن انتقاده العلمي ومناقشته لهذا السلوك جاءت في كتابه المهم الذي اعطاه مؤلفه عنوان "هومسيك.. الوطن في غبار المبدعين" الصادرة طبعته الاولى سنة 2011 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت.
إن موضوع حب الوطن حين يكون أو يقترب من أن يكون اكذوبة، كما يقول الدكتور نجم، يكاد يصير عند مبدعين عراقيين سمة ظاهرة في العقود الاخيرة، بسبب هذا البروز غير العادي للذات، لأن لسان حال المهاجرين، الذات، ثم الذات، ثم الوطن، وإذ قدم لنا الناقد نجم دراسة لهذه الظاهرة، أثارت ردود افعال، لا سيما لدى الذين يحبون الوطن بالقول، لا بالفعل والتصرف، حتى اذا مات بعضهم أوصى بنقل جثته كي يدفن في العراق، وكأن العراق مقبرة لا وطن، لا بل ان كاظم الساهر قدم اليه لأمر ما، وبقي فيه ساعات قليلة، ثم غادره بعد انتهاء ذلك الحفل مباشرةً، وكأن بلده أرض طاعون وهيضة، لكنه يجزل له الحب غناءً وتلحيناً، هذا مثال من عشرات الآلاف من الأمثلة، وتناغماً مع آراء الدكتور نجم، فإن القاصة والروائية العراقية المبدعة ميسلون هادي، قدمت لنا رأيها بهؤلاء الذين فرطوا بالوطن، وصاغته قصصياً من خلال قصتها الرائعة الموسومة بـ "من جنات جرمانة الى جنات البط" المنشورة في ملحق (الف ياء) جريدة الزمان بطبعتها الدولية (لندن في أكتوبر/تشرين الاول 2012) قصة معبرة ومكثفة، ما كتب حرف عبثاً، كل كلمة تأخذ مكانها الذي تستحقه في سردها القصصي.
ينفتح الفضاء القصصي، على (انتصار) وقد وصلت الساحل الغربي من كندا بجواز مزور، ولنقف ملياً عند عبارة (مزور) فهذا اول القطر، وستنهمر الفضائح والاكاذيب، تريهم حروق التنور الغازي ايام قسوة الحصار، مدعية انها حروق التعذيب الوحشية، اما اظفرها الذي وطئته زكية العوراء بقبقابها، وأزاحته هذه العوراء عن مكانه، فادعت في سلسلة أكاذيبها، انه قلع بسبب التعذيب في قبو مظلم، بكت انتصار وهي قائلة: تعمى عيوني اذا كنت أكذب، وسيكون دعاؤها على نفسها، بداية كارثة مروعة، لم يستطع المترجم العراقي ترجمة هذه الكناية البلاغية، كي يقربها من أفهام الكنديين، فلكل شعب بلاغته وأسلوبه في الحديث، وما نعنيه بقولنا قد لا يفهمه الآخر، المختلف ثقافة، ونحن – كذلك - قد لا يصلنا معنى يقصده الآخر بقول ما، ومن دلائل الاختلاف بين أفهام الشعوب، ما سرده علينا الدكتور ناجي التكريتي في كتابه الجميل "شخوص من ذاكرة كمبردج" من ان احد الطلاب العراقيين، اتفق مع استاذه البريطاني على موعد محدد لزيارته بغية التباحث معه في امور الدرس، ولما كان العراقي معتاداً على عدم دقة مواعيده، فيصل متأخراً عدة دقائق، فلا يفتح له استاذه الباب، عقاباً له لتأخره وليعلمه احترام الوقت، فما كان من الطالب العراقي، الا ان يصرخ قائلاً: انت والعلم البريطاني وقندرتي، لم يفهم الاستاذ البريطاني مغزى هذا التعبير، حتى اذا التقى الطالب ناجي التكريتي، أخبره بالامر، قائلاً له: انه لم يفهم قصد صديقك العراقي، فما علاقة العلم البريطاني بحذائه!
القاصة المبدعة ميسلون هادي، جعلت من هذا الطبيب الشاب حامل شهادة البورد للدراسات الطبية العليا، مترجماً، صيروه مترجماً لانهم لا يعترفون بشهادته، واسوق انا شهادة ان احدى طبيبات العيون الماهرات، وتمت لنا بصلة قرابة، والحائزة على شهادة F.R.C.S زميل كلية الجراحين البريطانية من جامعة لندن، حتى اذا غادرت عيادتها في عمارة سامي سعد الدين قرب تمثال الشاعر الرصافي، نحو نيوزيلندة، أجروا لها امتحانا، وعينوها في أدنى سلم الوظيفة العلمي، مع ان شهادتها صادرة عن لندن، فما بالك بشهادة الطبيب منتصر العراقية!
انتصار التي وصلت كندا بجوازها المزور، تصورها لنا القاصة المبدعة في أسوأ حال، ولأن كل كلمة تكتبها ميسلون في محلها، وتعني الكثير الكثير، وبحاجة الى فهم ما بين السطور، انها تقول لنا ان انتصار اذ وصلت كندا، ما رفعت رأسها الى السماء، لترى أسراب البط البري التي سبقها الى الغابات المحيطة بمدينة فكتوريا ذات الطقس المعتدل والجمال الأخاذ، لكنها، وأقرأ عزيزي القارئ هذه الصورة بتؤدة وتمهل، "انتصار ما رفعت رأسها كي ترى البط البري، بل احنت رأسها الى الارض كي تحمل حقيبتها من أرض المطار الى كتفيها".
صورة معبرة وموحية عن المهانة والاغتراب، ونزع الهوية والكرامة، وتضييع الاوطان وتركها فريسة لناس القاع.
دعاء انتصار على نفسها بالعمى، إن كانت تكذب، يظهر الى السطح بعد عشر سنوات من الهجرة، اذ بعد أن بدأ شعرها بالتساقط بسبب قلة التعرض للشمس، إذ لا شمس في كندا شديدة البرد وبدأت مفاصلها بالذوبان بسبب البرد، اما عينها، وهنا بيت القصيد فقد بدأت تعاني ضعفاً، يوماً تمر أمام عينيها ذبابة سوداء، ثم تتحول الذبابة الى غمامة، وبعد ثلاثة أشهر، استيقظت لتجد الدنيا ظلاماً، اين انت يا حاج؟ منادية زوجها منصور قعيد الكرسي المتحرك، عمى انتصار ولنقف ملياً عند الاسماء، اسماء شخوص القصة هذه التي أبدعتها ميسلون هادي، فالزوجة انتصار والمترجم الطبيب، اسمه منتصر، اما زوجها فمنصور، ترى كيف تتوافق هذه الانتصارات الاسمية، مع الهزائم الفعلية!
عمى انتصار يذكرني بعمى لدى بورخيس القاص الارجنتيني الشهير، قائلاً: أصبحت أعمى بشكل مطرد، لم تكن هناك لحظة حاسمة ومحددة، حل ذلك مثل غسق صيفي بطيء، كنت مديراً للمكتبة الوطنية في بوينس آيرس، وبدأت أجد نفسي محاطاً بكتب بلا أحرف، ثم فقد أصدقائي وجوههم، ثم لاحظت ان لا احد في المرآة.
واذ تعمى انتصار بعد عشرة اعوام على دعائها على ذاتها بالعمى إن كانت كاذبة، وهي كاذبة في كل شيء، بدءاً بالجواز المزور، فإنها تنادي زوجها الحاج، طالبة منه مهاتفة المترجم منتصر، ولان ميسلون هادي تعني كل كلمة تكتبها فانها حولت الطبيب، حامل شهادة البورد العراقية الى مترجم، مسقطة شهادته، وتأتي سيارة الاسعاف، لتنقل انتصار المهاجرة الى المشفى، لكن مع ارتباكها وعماها وضعف ذاكرتها، نسيت اغلاق النافذة المطلة على المتنزه العام، بعد ساعات من وصول انتصار المشفى، وتركها زوجها الحاج المستطيع بغيره، الذي صلمت إذنه بسبب فراره من الجيش، فسيق للخدمة بعد صلم الاذن، ليقطع لغم أرضي رجله، هذا الزوج المسكين، الذي ما كان راغباً في الهجرة، كان يصرخ طالباً العون، فلقد هبت عاصفة ثلجية عاتية، ولان زوجته نسيت اغلاق النافذة، فقد تدفق الثلج نحو المنزل، ليغمر زوجها الذي انتقل بكرسيه المتحرك من المطبخ الى غرفة الجلوس، سقط وهو يحاول إغلاق النافذة التي تطل على مقبرة للكلاب!
ترى لماذا هذه النافذة تطل على مقبرة للكلاب؟ لقد اختارت ميسلون هادي هذا الوصف، زيادة في التقريع والاستهجان. وانا أنهي حديثي النقدي هذا، فاذا بي أعثر على قصة رائعة، كتبها القاص والروائي العراقي المبدع نزار عبدالستار، نشرها ملحق جريدة (الصباح) الاسبوعي الذي يصدر صباح كل أربعاء، بعدد الجريدة الصادرة في الخامس من سبتمبر/أيلول 2012، وعنوانها (بياتريس الوحيدة) تنحو منحى الادب المناهض للهجرة.
بياتريس، التي يتركها زوجها هاجراً إياها وابنتها ميري، نحو السويد، تقع في حبائل كهل ارمني، الذي يدخل حياتها رويداً رويداً، لتنتهي هذه القصة الرائعة التي أبدعها نزار عبدالستار بأن تدع أرشاك آرتين يدخل مخدعها الزوجي، طالبة من ابنتها ميري، ان لا تحدث ضجة كي يستطيع بابا ان ينام، ثم لحقت به الى غرفة النوم!
القاص الجميل نزار عبدالستار يعاقب، بفنه القصصي، هؤلاء الازواج، الذين يتركون الزوجات وحيدات يعانين انكساراً نفسياً وجسدياً، فتكون النتيجة خيانات وهزائم روحية وجسدية وخسارات أخلاقية لمجتمع عانى طويلاً الاضطراب والقلاقل. انها تقبيح لمغادرة الأوطان، صاغتها المبدعة ميسلون هادي، مواصلة الطرق على هذه الظاهرة التي ضربت الحياة العراقية، منذ ذلك اليوم التموزي الخمسيني الذي أحال حياتنا ركاماً.

   

مغادرة الوطن قصصيا .. من جنات جرمانة الى جنات البط اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2017
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير