التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 99
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » رؤى نقدية » "أفيون" دخان أزرق يؤجج نار الصراعات ويرسم وشم الخطيئة


"أفيون" دخان أزرق يؤجج نار الصراعات ويرسم وشم الخطيئة "أفيون" دخان أزرق يؤجج نار الصراعات ويرسم وشم الخطيئة

هيفاء بيطار (العرب:) الأربعاء, 13-يناير-2016   05:01 صباحا

تحكي رواية الكاتب الفرنسي ماكزانس فيرمين "أفيون" عن تاجر إنكليزي يدعى شارل ستوو يسافر إلى الصين بحثا عن أفخر أنواع الشاي وأغلاها وهو الشاي الأبيض والأخضر والأزرق، وفي رحلة بحثه يكتشف الأفيون، وتقدم لنا الأحداث ومغامرة شارل ستوو للبحث عن الشاي معلومات مهمة عمّا سمي بحرب الأفيون سنة 1838 بين بريطانيا والصين وكيف كابدت مدينة كانتون أول قصف من قبل الأسطول الإنكليزي، مدشنة حرب الأفيون الأولى بين إنكلترا والصين. والرواية التي ترجمتها إلى العربية لينا بدر، صدرت عن "دار دال" في دمشق، وهي اقرب إلى النوفيلا.

وشم زهرة الخشخاش

في عام 1816 فوضت الحكومة البريطانية إلى سفيرها في بكين عقد علاقات تجارية مع الصين وعلى رأسها تجارة الأفيون، لكن إمبراطور الصين رفض، فلجأت بريطانيا إلى منطقة البنغال في الهند حيث كان يُزرع الأفيون تحت وصاية بريطانية، وأصبح بسرعة خارقة البديل الرئيسي مقابل الشاي تجاريا وعلى الرغم من المنشور الذي كان يمنعه، فقد انتشر المخدر في كل أنحاء الصين، وفي عام 1839 أصبح استيراد الأفيون بكميات هائلة جدا إلى درجة أن إمبراطور الصين قرر قطع العلاقات مع إنكلترا.

الرواية تتمتع بجاذبية عالية وسلاسة في الأسلوب بحيث لا يستطيع القارئ أن يترك الرواية إلا بعد أن ينهيها، ففي رحلة التاجر الإنكليزي إلى الصين بحثا عن أفخر أنواع الشاي، يلتقي بامرأة ساحرة الجمال اسمها لوان، قد رُسم على كتفها وشم لزهرة الخشخاش، وكانت تدخن الأفيون، وهي زوجة ملك تجارة الأفيون الذي لم ير وجهه أحد واسمه لو تشين وحتى زوجته لوان لم تر وجهه إذ كان يلتقيها في الليل مُغطيا وجهه بوشاح.

وهو يسكن على ضفاف النهر الأخضر ومن يتجرأ ويتحداه في تجارة الأفيون يقتله، ومن يتجرأ على رؤية وجهه يهلك، لكن لوان تهرب منه وتلجأ إلى مخبأ، لتلتقي بعشاقها فيه، وسقط التاجر الإنكليزي صريع المرأة الفاتنة التي صرحت له أنها تستمتع برؤية الرجال حين يقعون في حبها، وكانت تدخن دوما الأفيون، ولم يستطع شارل ستوو التوقف عن التفكير في لوان دون أن يعرف قصتها الحقيقية، لكنها قالت له لمّا كانت ساهمة ومنتشية تحت تأثير الأفيون “أنا الأجمل لو قلت لك الحقيقة، أو الأقبح لو كذبت عليك”. وتتابع “الأفيون شديد الحلاوة ومُخيف جدا في الوقت ذاته، مثل الحب إلى حد ما”.

وسألها عمّا يعني وشم زهرة الخشخاش، التي منها يُستخرج الأفيون، فقالت بأن هذا الوشم لم تختره فالأفيون حب لا نختاره، ونعرف في ما بعد أن هذا الوشم يعني أنها ملك لشخص آخر. وهي لا تزال زوجة لو تشين، الذي تنافس ثروته ثروة إمبراطور الصين، فهو ملك زراعة الأفيون وتجارته، ويأمل لو تشين أن تعود زوجته الفاتنة إليه من تلقاء نفسها لأن كبرياءه لا يسمح له بأن يبحث عنها ويطلبها.

لكن لوان لا تريد العودة إلى زوجها وتتمتع بقانون غريب في الصين وهو أنه يُمكن للمرأة أن تكون مُطلقة، أما الرجل فلا يُمكنه أن يكون مُطلقا، وهذا القانون لا يستطيع أحد مخالفته، لأن لو تشين سيّد والسيد لا يُهجر أبدا، فكيف يهجر وهو الذي يريد أن يصنع من نفسه إله. يُصاب التاجر الإنكليزي الباحث عن الشاي بصعقة الحب، ويقرر أن يتزوج لوان وأن يتحدّى زوجها ومالكها ويقضي عليه، فيبدأ رحلته في النهر الأخضر لملاقاة غريمه تاجر الأفيون الذي لم ير أحد وجهه أبدا، غير مبال بالمخاطر أو احتمال قتله، ويروي لنا في طريق رحلته مشاهد لمدخني الأفيون، رجال يسحبون الدخان من غلايين مستلقين على ظهورهم، نظراتهم زائغة، لاحوا له كأنهم يتحركون داخل ضباب لا يتبدد مثل كائنات غادرتها أرواحها.

وسط حقول الأرز كان يُزرع الأفيون خلسة، ويأتي التجار سرا في الليل لشرائه، وكانت أنواع من الشاي كالشاي الأبيض لا تُشترى إلا بالذهب، وكان منظر حقول الشاي الأبيض ساحرا، فكأنها بساط من الأزهار البيضاء، لم يبال شارل ستوو بنصائح أصدقائه والعدول عن رحلته المحفوفة بالمخاطر لمواجهة ملك الأفيون لو تشين، لأنه يؤمن أنه لو راح كل الرجال يبحثون عن تفسير لجنون أعمالهم، لما كان هناك مغامرون منذ زمن بعيد.

إثم الفردوس

الروائي يملك حسّا عميقا في وصف مدمني الأفيون حين يقول “في عيونهم كان بالإمكان قراءة ما سرق الأفيون من أرواحهم، ومع ذلك كانوا هادئين وادعين وكأنهم خارج الواقع”. ويصل شارل ستوو أخيرا إلى قصر لو تشين ويراه من خلال الحجاب، ويقترب ليلمس وجهه لكن هذا الأخير يحذره، فلم ير وجهه أحد قط، وكان صوته خفيضا وعميقا جدا، كأنه قادم من وراء قبر، ربما لأنه كان صوت خيال، ويتواجه الرجلان ويعترف التاجر الإنكليزي بغرامه بزوجته لوان، وبأنه جاء ليعقد معه صفقة، يعطيه الأفيون مقابل لوان، لكن لو تشين يضحك ويقول له إنها ملكي ثم يعرض عليه أن يتنازل له عن زوجته مدّة سبعة أيام وسبع ليال، وهو الوقت الذي يلزم لو تشين ليقوم برحلته والعودة منها. ويقدّم له الأفيون ليدخنه وتحت تأثير الأفيون ينام شارل، شاعرا براحة لم يعرفها من قبل، وحين يستيقظ يرى بجانبه لوان تدخن الأفيون، وقد مارست معه الحب، شاعرا أنه يسافر إلى فردوس غير مُباح، ويتكوّن لديه إحساس غريب برؤية تخيلاته الآثمة، فهي عارية تماما أمامه؛ إنه يشعر وكأنه يتقاسم جسده معها.

بعد هذا اللقاء المحموم مع لوان يفتح شارل ستوو عينيه وهو يهذي، ليجد نفسه ممدّدا فوق سرير داخل قمرة قبطان السفينة، فقد عثر عليه فلاحون صينيون مُغمى عليه، ولم يبق لديه من رحلته إلى الصين إلا غرسة الشاي الأبيض التي بقي يضمّها بين يديه مثل طلسم، وكانت النبتة الوحيدة التي تشهد على كل ما قاساه، وكانت لوان قد وشمت على كتفه زهرة الخشخاش، ثم نكتشف في الصفحات الأخيرة أن لوان هي نفسها لو تشين الذي لم يكن موجودا، وبأنها كانت تستخدم الرجال، عشاقها، لتتاجر بالأفيون، وبأنها لم تعشق أحدا، وبأن اسمها الحقيقي هو أفيون، ويُصعق ستوو حين يعرف الحقيقة، فيسأل صديقه لماذا تستخدم تلك اللعبة وتخلق شخصية لو تشين؟ يجيبه صديقه: من أجل الخوف الذي يوحي به هذا الاسم، وقبل كل شيء في سبيل الاستمرار بتجارة الأفيون والشاي دون مخاطر. حينئذ يستخلص شارل بأن السعادة لا تُدرك باللمس مثل نفحة أفيون، وهي سريعة الزوال مثل جرعة شاي.

قد تكون قراءة هذه الرواية خطرة على المراهقين لأنها -وربما عن غير قصد- تبيّن وتصف النشوة التي يشعر بها كل من يُدخن الأفيون، ورغم أن الكاتب وصف فيها المدخنين أشبه بمن غادرتهم أرواحهم، إلا أنه أبدع في وصف نشوة الأفيون، وكيف أدمن تقريبا كل الشعب الصيني على تدخينه، وكيف كانت مزارع الخشخاش تخترق مزارع الأرز.

طوال الوقت تشعر بالحذر وأنت تقرأ هذه الرواية التي تبدو فيها مقاطع عديدة تُمجد الأفيون، خاصة وأن المؤلف ربط الأفيون بامرأة ساحرة الجمال لا تُقاوم، هي أفيون. كما أبرز نشوة الوصال بأنها لا تتعمق ولا تتسع إلا بتدخين الأفيون. وإني أتمنى لو تلجأ دور النشر إلى إرشاد القارئ إلى استخدام عقله في تحليل أحداث الرواية، لأن الكتابة بالنتيجة هي غواية للقارئ، وصعب على اليافع أن يقرأ رواية ساحرة مثل “أفيون” ولا يقع في غواية هذا السّم القاتل إلا إذا كان قادرا على التحليل واستنتاج العبر والمغازي. فيكفي مثالا أن الكاتب بدأ روايته بمقطع لافت من قصيد “أزهار الشر” لبودلير، حيث يقول: الأفيون يوسع ما ليس له حدود، يُطيل اللامتناهي، يغور في الزمن، يُعمق اللذة والمتع البغيضة، الكئيبة، يملأ الروح إلى ما فوق طاقتها.

وتنتهي رواية “أفيون” بعبارة: لم يكن لدى شارل ستوو ما يأسف عليه، فرحلته الطويلة فوق النهر المحرم قادته من خضرة الشاي الساحر إلى سواد الأفيون، وجعلته يدرك أن الحياة أفيون لا نتعب منه أبدا.

   

"أفيون" دخان أزرق يؤجج نار الصراعات ويرسم وشم الخطيئة اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2017
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير