التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 105
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » رؤى نقدية » وائل وجدي يتقصى أسباب ما جرى في "ورقة أخيرة"


وائل وجدي يتقصى أسباب ما جرى في "ورقة أخيرة" وائل وجدي يتقصى أسباب ما جرى في "ورقة أخيرة"

أحمد رجب شلتوت (القاهرة:) الإثنين, 08-فبراير-2016   02:02 صباحا

وائل وجدي يتقصى أسباب ما جرى في

 

لا ريب أن الأحداث التي أعقبت ثورة المصريين في يناير 2011، ملأت الأفق بضباب كثيف، فنجاح الثورة في الإطاحة برئيس بدا حكمه أبديًا رفع من سقف الأمنيات لدى الجميع، لكن ما تلا ذلك كان محبطًا ومخيبًا للآمال فلم يعد أحد على ثقة من شيء ربما لذلك صمت الروائي وائل وجدي طويلاً، ففصلت سنوات خمس بين روايتيه: الثالثة "سبعة أيام فقط" 2010، والرابعة "ورقة أخيرة" 2015.

وفيها يحاول الروائي تلمس الأسباب والبحث عن جواب لسؤال غير عسير: لماذا ثار المصريون على الرئيس الأبدي؟

لذا أرجح أن "الورقة الأخيرة" هي ورقة 24 يناير 2011 في تقويم النظام الذي رحل.

(2)

يعود وائل وجدي لتقنية تعدد الأصوات التي سبق أن استخدمها في رواية: أنت أم طيف آخر، وهذه التقنية تتميز بأفقها الموضوعي الذي يتيح لكل الشخصيات، أن تتحدث بأصواتها الخاصة على نحو يتيح للقارئ أن يتعرف على وجهات النظر المختلفة حول الحدث الواحد، بدلاً من معرفته من وجهة نظر واحدة أو زاوية واحدة. فالحقيقة لا يمكن اختزالها في بعد واحد، بل تتميز بنسبيتها.

لكن هنا أكثر نجاحًا، ففي "أنت أم طيف آخر" بدت الأصوات، وكأنها أصداء لصوت واحد، وأرى أن دافع كتابتها لم يكن تقديم شخصيات متناقضة بل الهدف هو عبور المسافة بين صاحب الحلم البريء والآخر فاقد الملامح مجهض الحلم. بينما هنا، في "ورقة أخيرة"، يحاول – كما قلت – أن يتقصى أسباب ما جرى، لذا فهو يختبئ خلف شخصياته، لكن يتنازل الراوي عن دوره لثلاث شخصيات (أصوات) هم: خيري، سعيد، سلمى؛ حيث يتناوبون تقديم شهاداتهم عن واقع مهتريء أفسده نظام آيل للسقوط.

ويلاحظ القارئ، أن الأصوات تآلفت في رصدها – من زوايا مختلفة - لمظاهر تهرؤ النظام وفساده، وبالتالي تحولت مواقف الشخصيات الثلاث من الموقف السلبي غير المبالي بما يحدث حوله إلى المشاركة في التظاهرات المنددة بالنظام والداعية لسقوطه.

وقد ألفى الواقع السيئ بظلاله على الشخصيات، فانزوت وفقدت التواصل فيما بينها، وبالرغم من اعتماد الرواية على تعدد الأصوات واهتمام هذه التقنية بالحوار إلا أن الحوار في الرواية كان نادرًا، وأغلبه لم يكن نتيجة تواصل مباشر بين الشخصيات بل كان يتم عبر الهاتف المحمول.

ويلاحظ القارئ – أيضًا – وجود امتدادات لهذه الشخصيات في رواية "أنت أم طيف آخر"، فنائل الصبي يكاد أن يكون هو نفسه خيري الشاب في "ورقة أخيرة"، بنفس ملامحه النفسية واهتماماته، ونظرًا لتغير العمر والمكان، فإنه يرصد المدينة بتضاريسها، ويستخدم الإنترنت والهاتف المحمول، وهو الذي اهتم برصد مفردات البيئة الريفية في صباه الباكر، فأماني في الرواية السابقة تكاد تكون هي نفسها سلمى هنا، وكذلك الخال ضياء عالم الآثار – هو أحد أصوات الرواية السابقة – يظهر هنا بنفس الاسم والعمل، لكن من خلال حديث خيري عنه، وهو يتعرض للاختطاف من عصابة تساومه على حريته وسلامته مقابل ما توصل إليه من اكتشاف.

والرواية بذلك تكشف عن أحد أسباب أزمة خيري، فالخال بالنسبة له بمثابة الأب والقدوة، وفي نفس الوقت تكشف عن إحدى أزمات الواقع، فالعلماء لا يجدون تقديرًا ولا حماية.

(3)

عندما تتعدد الأصوات أو الرواة يتنازل الروائي لغيره من الشخصيات عن الكلام – بما يتناسب مع تكوينها النفسي والاجتماعي والثقافي - داخل النص، فإن السرد يتحرر من الهيمنة الأحادية، وتتعدد فيه الرؤى بما يسمح بتعدد القراءات والمواقف من أبطال الرواية وأحداثها، وبذلك تتعزز فنيتها، وأوجه الجمال والمتعة فيها، كما هو الأمر الذي فعله الروائي وائل وجدي في روايته "ورقة أخيرة"، فبدلاً من السرد بضمير الأنا، كما فعل في روايتيه: ساقي اليمنى وسبعة أيام فقط، يكلف ثلاثة شخصيات بمهام الراوي، كما فعل في روايته: أنت أم طيف آخر، لكنه – هنا – كان موفقًا، فالشخصيات الثلاث رغم تجانسها إلا أنها مختلفة. امتلك كل منها صوتًا منفردًا، فكان بوحها خاصًا بها، دالاً عليها، ولم تكن أصواتهم أصداء لصوت واحد، كما لاحظت على رواية: أنت أم طيف آخر. ورغم أن الرواة هم خيري وحبيبته سلمى وصديق طفولته سعيد إلا أن هذه العلاقات كانت شبه معطلة، فقد قاموا بالبوح متصدين لدور الراوي بعدما شاب هذه العلاقات فتور متأثرة بواقع سييء - رصدت الرواية بعده السياسي – وأدى تشظي العلاقات الإنسانية وتشرذمها في الواقع، وفي الرواية إلى تقوقع الشخصيات داخل ذواتها، وقد انعكس ذلك فنيًا على الرواية، فرأينا الحوار مقتضبًا، وغالبًا ما يكون من خلال الهاتف المحمول، وسمعنا الأصوات تتكلم، فلا تصف بل تشكو أو تستسلم لنجواها في مونولوجات داخلية – قصيرة – بامتداد فصول الرواية التي ندر فيها الوصف، هو نمط من أنماط السرد إلا "أن السرد حركة، بينما الوصف سكون.

السرد مرتبط بالحدث ومرتبط بالزمن، بينما الوصف هو تأطير الحدث في لحظة زمانية ومكانية ساكنة، والسرد يتوقف عند البدء بالوصف، ولم يشأ الكاتب أن يوقف السرد، فأوقف الوصف كما حد من تدفق الحوار لصالح المونولوج، وهو حوار داخلي أو كلام غير منطوق يكشف عن أفكار الشخصية ومشاعرها الداخلية.

وهو يختلف عن الحوار العادي لأن الشخصية التي تناجي نفسها تأخذ دور المتكلم والمستمع. فهو إذن تعبير فني مناسب لشخصيات مأزومة.

والصوت المهيمن والأكثر حضورًا في الرواية هو صوت خيري، المهموم لاختفاء خاله ضياء، وقد كان له عوضًا عن الأب الميت، فيترك نفسه نهبًا للقلق على مصير الخال أو لاستعادة ذكريات علاقتهما، يقول عنه: "إنه صديقي ومكمن سري"، وتتفاقم أزمته بالغياب القسري لصديقه سعيد ثم فتور علاقته بسلمى، لذا يشكو: "دوائر الحيرة أدور في رحاها" ويصرح:" أنا بحاجة إلى أن أفضفض بما في قلبي".

أما سلمى فأزمتها امتداد لأزمة خيري وانعكاس لها، لذا تبدأ بوحها في كل مرة بالحديث عن خيري، فبوحها الأول في الرواية: "أشعر بخيبة وحسرة، خيري المحلق في فضاء الحيوية، يتحول فجأة إلى كهل، استغراقه اختفاء خاله عن كل شيء"، وحينما تعاود الظهور في خامس فصول الرواية تختتم مونولوجها الداخلي بلوم نفسها: "ما الذي جعلني أتحدث مع خيري بهذا الفتور؟" ثم يتسلل الشك في نفسها فلم تعد متأكدة من حقيقة مشاعرها تجاه خيري، وتظهر لثالث مرة في الفصل الثالث متسائلة: "لماذا يخايلني وجه خيري متجهمًا؟" بينما تفتتح المونولوج الأخير لها بالتعبير عن حيرتها: "أستغرب قلبي وأحواله، في لحظة أشعر أنني لا أستطيع تخيل الحياة بدون خيري، وفي أحايين أخرى أشعر بفتور مشاعري وبرودتها".

أما سعيد الذي وجد نفسه وسط طلاب متظاهرين فشاركهم فيبدأ بالتعبير عن آثار الغاز المسيل للدموع، وتستغرقه تمامًا تفاصيل التحقيق معه، ومعاناته حتى تم إخلاء سبيله.

(4)

"الرواية شخصية" هكذا يقول بعض النقاد، باعتبار أن الشخصية الروائية هي وسيلة الكاتب لتجسيد رؤيته، والتعبير عن إحساسه بواقعه، وهي - بحسب شكري عزيز الماضي - "ركيزة الروائي الأساسية في الكشف عن القوى التي تحرك الواقع من حولنا، وعن ديناميكية الحياة وتفاعلاتها، فالشخصية من المقومات الرئيسية للرواية، وبدون الشخصية لا وجود للرواية، وخصوصًا رواية الأصوات التي يقوم بناؤها على تعدد وجهات النظر للشخصيات المختلفة.

وقد تنازل الروائي عن دوره كسارد لثلاث شخصيات تناوبت السرد فيما بينها، وإن منح الروائي شخصية خيري المساحة الأكبر، إذ أسند له مهمة السارد خمس مرات شغل خلالها خمسا وأربعين صفحة من أصل ست وسبعين صفحة شكلت متن الرواية. في مقابل أربع مرات لكل من سلمى وسعيد شغلا خلالها معًا واحدا وثلاثين صفحة. لكن هذا لا يعنى أن شخصيتي "سعيد وسلمى" كانتا ظلين لشخصية خيري، بل كانتا - ورغم عدم تناقضهما مع الشخصية المحورية - تعبر عن ذاتها وما يمور بها.

وهكذا تكون شخصية خيري هي الشخصية المحورية في الرواية، وليست الشخصية البطل، فالروايات الحديثة – عمومًا - تهمل فكرة البطل، "وتهتم بتصوير الوعي الاجتماعي لمجموعة من الأفراد ممثلة لاتجاه خاص في المجتمع، وتنزع نحو الواقع الاجتماعي، وتصوير الوعي الإنساني، مع تعميق هذا الوعي بالطرق النفسية والفلسفية التي عنيت بها القصة" وهذا ما فعله وائل وجدي مع شخصياته، فالرواية تبدأ بخيري المعبر عن حزنه لاختفاء خاله، يقول: "شعور باليتم يملؤني" وعن حبه لسلمى، ونعرف عنه أنه يمارس رياضة السباحة ويحضر حفلات محمد منير، يقول لسلمى: "أنا في صومعتي، لا أتابع أي شيء"، لكن الشخصية تبدأ في التنامي باختطاف خاله، وبمشاهدة خيري للتظاهرات في الجامعة، "تأخذني المظاهرات بعيدًا عن همومي، يستغرقني مشهد سعيد - صديق الطفولة = محمولاً على الأعناق"، يعرف أن سعيد مثله يهتم بالرياضة وليس بالسياسة، يعرف أن سعيدًا أصيب في المظاهرة ونقل إلى المستشفى وقبض عليه من هناك، سعيد يقول في التحقيقات "الحقيقة وجدت نفسي وسط الطلاب، الحماس أخذني، ورددت ما كانوا يرددون من هتافات" وفى موضع آخر يضيف "أنا لا أهتم بالسياسة على الإطلاق، لكن الفساد استشرى في كل مؤسسات الدولة".

يبقى سعيد غائبًا بينما خيري وسلمى يستغرقان في تصفح المواقع الإلكترونية بحثًا عن أخبار حقيقية بعدما فطنا لزيف ما يقدمه الإعلام الرسمي، يدركان أن "التعبير عن الرأي أصبح محرمًا" وأن الأضواء مسلطة على نجل الرئيس"، يوحد الفضاء الإلكتروني من فرقتهم مشاغل الحياة، سلمى تبلغ خيري بقرارها "عزمت على نزول ميدان التحرير يوم الثلاثاء"، ليتم تمزيق الورقة الأخيرة في تقويم نظام فاسد رغم تشبث النظام بالبقاء وهكذا تنتهي رواية ورقة أخيرة "تحاول عربات الأمن المركزي بدفعات الماء المضغوط أن توقف السيل المنهمر ( .... ) لكننا لم نتراجع عن هدفنا، نتزايد تشبثًا، يبهرني صبى صغير كتفه يلاصق كوع يدي اليمنى، أتأمله وهو يردد ما نقول بحماس، أحمله على كتفي، أتقدم به الصفوف...". هكذا، وبلقطه الصبي الصغير الثائر تنتصر الرواية للمستقبل، وتشيع نظامًا استنفد فرصته الأخيرة وتمزقت ورقته الأخيرة.

ولعل تمسك الرواية بالأمل هو ما دفعها لجعل مصير ضياء عالم الآثار مفتوحًا، فهو لم يعد، ولم تصرح الرواية بموته مؤجلة تقرير مصيره لما بعد الورقة الأخيرة فلعل التقويم الجديد يحمل أخبارًا طيبة.

   

وائل وجدي يتقصى أسباب ما جرى في "ورقة أخيرة" اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2018
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير