التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 105
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » رؤى نقدية » من هو دستويفسكي الحقيقي ؟


من هو دستويفسكي الحقيقي ؟ من هو دستويفسكي الحقيقي ؟

د. ممدوح فرّاج النّابي (القاهرة:) الثلاثاء, 12-ابريل-2016   03:04 صباحا

من هو دستويفسكي الحقيقي ؟

تكشف المذكِّرات والرَّسائل التي يكتبها الكُتَّاب بأنفسهم، كما هو الشأن في “رسائل إلى العائلة: أنطوان تشيكوف”، أو مِن يَنوب عنهم مِن ذويهم، كما في “مذكرات زوجة دستويفسكي”، عن جوانبَ خفيّةٍ بعضها يتصل بالنواحي الإنسانيّة في حياة الكُتَّاب، والكثير منها يتحدّث عن الصِّفات الأرضيّة التي يَشترك فيها جميع الكُتّاب، لكن اللافت أنّها تقدّم إضاءات للكثير مِن جوانب الحياة بمُختلف أنماطها السِّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وهو ما يجعل منها شهادة على عصر الكاتب وليس على شخصيته فقط.

ثمة أسئلة تراود كل مَن يَقرأ دستويفسكي من قبيل: مَن دستويفسكي الحقيقيّ؟ ما طبيعته المتفرِّدة، التي انتقلتْ مباشرة إلى إبداعه بعدما انصهرت في خلق خيال عظيم؟ ما مدى ارتباط شخصية دستويفسكي بمأثرة الفنان؟ في أثناء مراسم الوداع الأخير للكاتب الروسي دستويفسكي قدّمت الجواب لهذه الأسئلة زوجة دستويفسكي في كتاب “مذكراة زوجة دستويفسكي”، الذي قال عنه الشَّاعر أبوللون مايكوف، وهو أحد أقرب الأصدقاء إلى قلب الكاتب، حيث قال «إن أحدًا ليس باستطاعته أنْ يُجيبَ عن سؤال مَن هو دستويفسكي إلا أصدقاؤه وأقاربه، اسألوا أنّا جريجوريفنا عن دستويفسكي؟ ستقول لكم؛ أوه، كم كان زوجا رائعا،! كم أحبني، وكم أحببته!؟ وها هي أنَّا تجيب عن السؤال بهذه المذكّرات التي تكشف عن سيرة حياة المبدع الكبير وعن تفاصيل دقيقة في علاقتهما وفي إبداعه وكذلك في

صداقاته. تسعى أنّا من خلالها إلى تصحيح الصّورة التي شَابَها الكثير مِن الكذب والادّعاء مِن قبل مُعاصريه الذين تناولوه بأوصافٍ مُغايرة عمّا رأته عليها بحكم موقعها القريب منه كزوجة وسكرتيرة وقبلهما حَبيبة مُتيَّمة به.

الوجه الغائب

لا غرو في أن «مذكّرات زوجة دستويفسكي أنّا جريجوريفنا دستويفسكايا» الكاملة (636 صفحة) ــ حيث ثمة نسخة أخرى صدرت عن دار المدى بتوقيع خيري الضّامن 66 صفحة ــ التي ترجمها عن الروسيّة مباشرة أنور محمد إبراهيم، وصدرت عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، بمثابة الجواب الفضفاض الذي طرحه الشّاعر مايكوف، ففي المذاكِّرات جوانب تكشف عنها الزوجة مُهمِّة لكلِّ نُقاد الكاتب، حيث تتماس هذه المذكرات مع النص الظلّ، الذي يكشف عمّا قبل النص، فتقدِّم لنا الأفكار والمسوّدات التي كانت تراود الكاتب، كما لا تَنسى أنْ تُشيرَ إلى بدايات اللّقاء وإلى دورها المهمّ والمــُلْهِم في حياة الأديب الكبير، العجيب أنّ أنّا ارتبطت وجدانيا بالأديب قبل أنْ يتمّ اللِّقاء المباشر بينهما، إِثْر ترشيح أستاذها أولخين للقيام بمساعدة الأديب الذي شرع في تأليف عمل جديد، فقبل اللِّقاء كانت عاشقة لكتاباته ومتيمة بها لحدّ الوله، حيث مقتنيات أبيها من أعماله.

وعندما حدث اللقاء وبدأ العمل شعرت بالحزن الثقيل لما رأت عليه الأديب في صورة «إنسان تعيس هجره الجميع» وهذا الشعور كان بداية التعاطف العميق والأسى البالغ عليه. تسرد أنّا عن بداية العلاقة بينهما، وعن حيلته للارتباط بها، وعن الصّراحة التي أبداها في الحديث معها بتفاصيل دقيقة عن حياته الشَّخصيّة وعن سجنه في قلعة بتروبافلوسك، وعن خطبته للكاتبة أنَّا فاسيلفينا كورفين ــ كروكوفسكايا، وتراجعه عن الاستمرار في الخطبة بسبب التناقض بين أفكارهما.

الزوجة كشفت جوانب مهمة لكل نقاد الكاتب، حيث تتماس هذه المذكرات مع النص الظل، الذي يكشف عما قبل النص

لا تقدّم الزوجة صورة مِثالية للكاتب بل تعرض لصورته الأرضيّة وهو حائرٌ في ديونه، ومعاناته مع الدائنين، وهروبه منها لعجزه، ومعاناته مع أقاربه خاصة ابنه بالتبني بافل، وما يقومون به من أجل ابتزازه للحصول على المال، كما تعرض للكثير من جوانب عالمه الأدبي، وعن ملاحظاتها التي كانت تُبديها في أعماله، وقدر التسامح الذي كان يبدو عليه الكاتب وهو يستمع لهذه الملاحظات والآراء التي تصفها بالطفوليّة، وأيضا في نوبات الصّرع التي كانت تنتابه، علاوة على إدمانه للمقامرة.

تَتّسِمُ هذه المذكرات بالعُمق والمحاجّاة والبساطة والطبيعية، مستهدفة بذلك بالدرجة الأولى أنْ تُقدِّم لقُراء دستويفسكي كاتبهم بكلِّ جوانبه المضيئة وأخطائه “في حياته العائلية والشخصية” حسب وصف مقدّم المذكرات في مقدمته المــُسْهَبَة، كما يشير إلى أشياء لم تقف عندها أنّا أثناء كتابة المذكّرات مثل: فترة مرضه، واقتباساتها من يوميات 1867، وإن كانتْ أسقطتْ بعض التفاصيل التي لا عَلاقة لها مباشرة بدستويفسكي. مَع الاعتراف بأنّها حافظتْ على مَشاعرها الذّاتيّة مِن حبّ وَكُره.

الزوجة الظل

لم تكن أنّا بالنسبّة إلى دستويفسكي مجرد زوجة هَامَ بها وهو ما عَبَّر عنه في الخطابات المتبادَلة بينهما، أو حتى مجرد السّكرتيرة التي تقوم بمهمّة الاختزال لأعماله، وإنما كانت القارئة الأُولى وناقدته الأُولى أيضا، وفي الكثير مِن الأوقات تقوم بدور المراجع لهذه الأعمال بعد تنضيدها مِن جديد، كما عَمِلَتْ على تنظيم تسويق الكتب ثمّ تسويقها. كما أكّد لها على أنّه مَدينٌ لها بالفضل في تخلّصه مِن سُلطان المقامرة «سأظلُّ ما حييت أذكر لَكِ هذا» حيث كان «نصفه مِلكا لهذا الوهم الملعون»، ومِن ثمّ لم تكن زوجة محبوبة، وامرأة جذّابة فقط، بقدر ما هي «شخصيّة إنسانيّة واضحة، متفردة تَبعث على الاحترام، شخصية ضرورية لا غنى عنها» بعبارات دستويفسكي نفسه في خطاباته أو أمام أصدقائه. وهو ما تجلّى في إهدائها أعظم روائع الأدب «الإخوة كارامازوف».

الدور الذي لعبته أنّا في حياة دستويفسكي انعكس على هذه المذكِّرات، فشخصية فيودور ميخايلوفيتش دستويفسكي هي الموضوع الرئيسي لهذه المذكرات. تسرد الكاتبة عن رحلات الكاتب، وعلاقاته بأصدقائه ومراسلاتهما، وعن اللّقاء الذي ظَلّ مرتقبا بين تولستوي ودستويفسكي، ثمّ قصة الانفصال بين دستويفسكي وميشير سكي رئيس تحرير مجلة “جراجداني”، لكن أهم ما أوردته أنّا في مذكراتها إضافة إلى التفاصيل الدقيقة التي تبرز سمات حياة واحد من أكثر فناني العالم عبقرية وإبداعا، هو الأفكار الأوليّة لدى دستويفسكي التي لم تخرج إلى النور، وكذلك المشروعات الجديدة وإعادة صياغة المؤلفات اعتمادا على المسودات التي دُمِّرت أو فُقدت، وإن كانت المذكّرات لا تترك شكوكا حول قيام دستويفسكي بإحراق مسودات روايات “الأبلة، والزوج الأبدي، والشياطين”.

وعن انحيازها إلى آراء غيرها مِن أصحاب المذكّرات بعد أنْ غلبها الشّعور بعدم الرّضا عن ملاحظاتها الشّخصيّة، أو نتيجة لفقدان الثّقة في ذاتها على حدّ تعبير س. ف. بيلوف، فهي تقول «لا أتعهدُ لأحد بأن تكون مذكراتي شيقة، ولكنني أَستطيعُ أنْ أضمن صحتها وحيادها الكاملين، مِن حيث وصف مواقف بعض الشخصيات». فهذه المذكّرات بُنيت أساسا على مُدونات مُؤَيَّدة بخطابات ومقالات من الصّحف والمجلات. لكن ما يُعاب على المؤلفة كما ذُكِر في التقديم، أنّها لم تذكر كلمة واحدة عن البلبلة الفكرية التي عَانى منها الكاتب، وأيضا تقلباته بين الإيمان تارة والكفر تارة أخرى، وعن الشكوك التي كانتْ تنتابه على نحو بدا جليا في رواياته ومقالاته، كما يضيع صوتها الخاص وتتوارى أمام أصوات الآخرين عندما تحكي عن الأحداث السياسيّة والأدبيّة، وعلى العكس عندما تتحدّث عن أمور الحياة اليومية، فيكتسب الأسلوب حيويته من جديد.

المذكِّرات احتوت على مقدمتيْن الأولى طويلة لـ(س. ف . بيلوفق، وف.أ. تونيمانوف) وهي أشبه بقراءة نقدية للمذكرات، والوقوف على مثالبها التي عرضا لها وهي قليلة إلى جانب الأهمية الأدبيّة لها، ثمّ مقدمة مِن الكاتبة نفسها وهي صغيرة تتحدّث فيها عن دوافع الكتابة التي منها التعريف بدستويسفكي الحقيقي، متضمِّنَة شبه اعتذار عن الهنات التي وقعت فيها وقد أرجعتها إلى تقدّم السّن عند كتاباتها. ثمّ تحتوي المذكرات على اثني عشر جزءا، موزعة بين العناوين والتواريخ، وتنهي المذكرات بخاتمة عنونتها بمذاكرتي على حدّ تعبيرها.

   

من هو دستويفسكي الحقيقي ؟ اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2018
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير