التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 105
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » رؤى نقدية » عطارد لمحمد ربيع.. سنوات الجحيم


عطارد لمحمد ربيع.. سنوات الجحيم عطارد لمحمد ربيع.. سنوات الجحيم

حسن نصور (جريدة السفير:) الخميس, 14-ابريل-2016   02:04 صباحا

عطارد لمحمد ربيع.. سنوات الجحيم

في السنوات الأخيرة، صار يمكن، بحدود معيّنةٍ، الحديث عن سماتٍ مشتركة لأعمال روائية مصريّة. سماتٌ تتصلّ، إلى حدّ بعيد، بالمزاج السرديّ وبأنماط من إدماج واقعية حادّةٍ بمستويات من الأبنية التخييلية. نذكر، مثالا لا حصرا، "استخدام الحياة" لأحمد ناجي التي أثارت جدلا واسعا في السنة المنصرمة، و"عطارد" لمحمد ربيع (2015) التي نحن بصدد الحديث عنها والتي وصلت إلى القائمة القصيرة، قائمة الروايات الستّ لجائزة البوكر هذا العام.

ينبني السرد في رواية محمد ربيع الثالثة على مجموعة من الاحالات الذهنية التي تصب جميعُها في خانة نعي كلّ تصوّر تفاؤلي بمستقبل مصر بعد المنعطف السياسيّ المفصليّ الكبير، نعني ثورة يناير 2011 . مدخل السرد، في هذه الرواية، ليس توطئة أو تمهيدا نمطيّا مباشرا للأحداث أو تعريفا أوّلَ بشخوص رئيسيّين بقدر ما هو إدخال للمتلقي بشكلّ فج وصادم في ثيمة الأزمنة السرديّة الثلاثة. إنه مدخل للإقامة في جحيم مقفل. (أبٌ يقتل عائلته يوم عيد الاضحى في مزاج من العبثية واللامبالاة والغموض. يطبخ لحومهم ويباشر في التهامها). حجيمٌ تستثمر فيه الشخصياتُ المتكلمة أو الراوية ثيمة الموت، بطبقاتها، إلى حدود قصوى. حدود ينبغي معها أن تتظهّر كل السؤالات الاشكالية المتصلة التي لا يصير بعدها الموت الجماعيّ أو الفردي قتلا أو انتحارا سوى تلبيس على الوعي والحاضر.

إيغال خاطف

سياق أزمنة السرد هو سياق تراجعيّ بين عام 2025 و2011 المفصَل، ومن ثمّ ذلك الايغال الخاطف نحو نقطة سردية هي 455 للهجرة. في العمق، لا يكون هذا التقسيم الزمنيّ متقطّعا بل موصولا وبالغ الدلالة لناحية الإشارة إلى أشكال ليست جديدة من التعاطي الجماعيّ الذي يداخل فيه المعقول بنية اللامعقول في الاحداث الكبرى أو الحوادث (أخبار القتل، الاختفاءات الغامضة، الادوار الخفية، التأويلات..) التي تمارس تأثيرات غامضة على البيئة التقليدية المصرية. (مثل من المتن: مقتل صخر الخزرجيّ)، "ثم قال صخر: اصمتوا.. لا موت الساعة.. وإنما خلود ساعة. كان عاريا، يرتعد جسده كأنه محموم، ثم سمعته يقول: أنتم ميتون.. كلنا ميتون". ثمّ سأله أحد الواقفين: كيف متنا ونحن نقف أمامك الآن؟ فردّ صخر " كلنا نقف في الجحيم.. وتعالى صياح الناس.." (ص192).

يحيل سرد صاحب "كوكب عنبر"(2010)، بشكل أساسيّ إلى دور جهاز الشرطة سيِّئ السمعة في مصر، وتحديدا أدواره الظاهرة والخفية في ممارسة القتل لغايات لا تبدو كلها مفهومة إذ تطرح على بساط البحث شتى الأسئلة القيميّة الكبرى المؤسّسة لأخلاقيات الكائن البشريّ المفترضة. وإحدى شخصيات السرد الرئيسية، هي نفسها، نقيبٌ في جهاز الشرطة، (أحمد عطارد) يشترك عبر أداء دور قناصّ محترف في مقاومة غزو خارجيّ لشذاذ آفاق تسقط معه البلاد وينحلّ به الجيش بطريقة يسيرة.. "سألته كيف حدث هذا منذ ثلاث سنوات الآن! ألم تقتل أحدا؟ الضابط لا يصبح ضابطا إلا إذا قتل" (ص73)

القتل

أقول إنّ إشكالية القتل العشوائيّ، شهوة القتل العبثي، الانتشاء بالقتل، الوصول عبر استثمار حجيمٍ أرضيّ واقعيّ إلى الغاية.. التبريرات والذرائع والتشكيكات الاخلاقية بسيكولوجية الناس والجماعات، كلّها أشياء موصولة، سرديّا، وتحيل، بشكل من الاشكال، إلى مزاج من فقدان الأمل لم يعد يركن إلى أيّ مسلمات أو قبليات من شأن المستقبل أن يتأسّس عليها. إنه نوع من التداعي الذي يفسح المجال لمستويات عميقة من اللاوعي أن تتخلّل السرد بأشيائها وتهويماتها. "علم أيضا أن ما يحدث الآن أكبر من أن يفهمه البشر، أكبر من قدرتهم على الاستيعاب. ان القادم ليس أخف مما سبق، بل هو أشد عنفا وان الفالح من سيموت قبل أن ينتهي هذا الجحيم" (ص226)

عمليّا، يكون معجم وتراكيب هذا النمط من السرد الروائيّ مشدودا إلى مستويات من الواقعيّة الوصفيّة الحادّة التي عليها أن تعكس بؤس واهتراء الخارج. وهي الحدّة التي تبتعد بقدر كبير عن أساليب قديمة في التكنية والتورية والتحرّج من تقديم نوع معين من المشهديات على ما هي عليه. إنه التفلت اللغويّ اللازم من قيود رقابية ذاتية طالما كانت واضحة في أساليب السرد الواقعيّ في تجارب جيل سابق، ما يضعها أولا وأخيرا في مواجهة السلطة بوجهيها الديني والاجتماعيّ.

ليس بناءُ هذا التصور السرديّ الكارثي عن القاهرة سنة 2025 سوى قشرة لطبقات من القصّ يختلط فيها الواقع الوصفي بحدته وصلافته بنوع من الفانتازيا السوداء التي تتبدّى منها مصائر الشخصيات. الفانتازيا التي تعكس، بطبيعة الحال، تشوّهات بالغة في المبنى الاجتماعيّ. تشوّهات ذاتيّة تصير، في العمق، هي مادة هذا السرد وهي المزوّد الرئيسي للراوي بتلك التخييلات التي يغدو من الممكن معها دفع السّرد خارج حدود المنطق والتعقل.

بهذا المعنى يمكن القول، خلاصة، إن هذا النمط السردي، بوجه من الوجوه، هو احتجاج متواصل على مجمل السياقات التي أعقبت ثورة يناير. احتجاج يغدو معه سؤال الثورة نفسه كانتفاضة جماعية موضعَ تساؤل في ذهن المتلقّي.

   

عطارد لمحمد ربيع.. سنوات الجحيم اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2018
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير