التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 96
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » رؤى نقدية » إنهم يتعثرون بأحلامهم الوعرة في رواية " رقص على الماء "


إنهم يتعثرون بأحلامهم الوعرة في رواية " رقص على الماء " إنهم يتعثرون بأحلامهم الوعرة في رواية " رقص على الماء "

هدية حسين (القاهرة:) الأربعاء, 15-يونيو-2016   01:06 صباحا

إنهم يتعثرون بأحلامهم الوعرة في رواية

"رقص على الماء" هو عنوان رواية، متبوع بعنوان آخر هو "أحلام وعرة" للروائي العراقي الراحل محمود البياتي، وبمئة وأربع وخمسين صفحة من إصدارات المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت.

تحكي الرواية عمّا فعلته الغربة بشخصياته التي تتقاسم الأحلام المتعثرة والوعرة، وتسعى وراء تحقيق ذواتها التي شظتها الأحداث المتلاحقة في الوطن.

من تلك الشخصيات، الشاعر الذي لم يسبغ عليه المؤلف أي اسم، به تبدأ الرواية ومنه تنتهي، عراقي يبلغ من العمر 33 عاماً، له اهتمامات بالتاريخ العربي والإسلامي، مشدود لقضايا أمّته، ولذلك فهو يقتني الكتب التي تبحث في تراث العرب والمسلمين ويحضر الندوات التي تُخصص لهذا التراث.

غادة، رسامة فلسطينية، أبيدت عائلتها في مجزرة صبرا وشاتيلا، سبق لها الزواج من رجل كوبي اكتشفت شذوذه فتطلقت منه، وهي على علاقة بالشاعر.

سارة، يهودية فوضوية المزاج ذات طبع همجي متعددة العلاقات، وهي من أب مجري وأم مسيحية من النرويج، وقد ولدت في بولونيا وتحمل الجنسية السويدية.

آواز، كردية من السليمانية، صديقة غادة، معتدلة في كل شيء.

خوليو، صديق الشاعر وعلى علاقة بسارة، وهو تشيلي هربت عائلته بعد انقلاب بينوشيت عام 1973. وهناك شخصيات أخرى تأخذ مكانها هنا وهناك لتسند العمل وتُكمل لعبة الروائي.

يأتي سرد الأحداث على لسان الشاعر، أما المكان فهو "همركولان" بالسويد، وجميع الشخصيات من اللاجئين الهاربين من بلدانهم نتيجة فقدان الحرية، أو لمواقف سياسية، أو لظروف صعبة تعذر معها استمرار الحياة. وفي حي همركولان يسكن عراقيون من مختلف الطوائف والقوميات، وتشيليون وإيرانيون وصوماليون وألبانيون، تدفقوا على شكل موجات في مراحل مختلفة.

يخبرنا المؤلف أيضاً أن الجميع يعاني من المشاكل النفسية مما ينعكس على الآخرين في جو من الصخب واللامبالاة، وفي هذا الإطار فإن الرواية تناقش قضية اللجوء ومتاعب اللاجئين، ومشاكلهم مع اللغة والتأقلم مع الآخرين، والتركيز على مشاكل العراقيين الفار معظمهم بقوارب لا تضمن لهم النجاة، إضافة الى رفض الكثير منهم الاندماج في المجتمع الجديد، والتمسك بعاداتهم وطرق معيشتهم كما كانوا في بلدانهم الأصلية.

ولكي نفهم طبيعة هذه الخلطة من اللاجئين يكفي أن نقرأ على الصفحة 27 ما يقوله الشاعر: "آخر موجة كنت أحد ممتطيها تدفّقت في التسعينيات مع بدء الأزمة الاقتصادية، كان أفرادها فارين من حروب شهدتها أرتيريا، الصومال، العراق، البوسنة، وعلى الرغم من تعدد الثقافات وتباينها بحدة في إطار جغرافي ضيق، إلا أنهم يتعايشون بانسجام عموماً، من الأصوليين المسلمين الى الأصوليين المسيحيين، الى المتهمين والمهربين.

لعل الاستثناء الوحيد هم الصوماليون والغجر، فهم يقاومون الاندماج أو الاختلاط حتى مع أمثالهم من الأجانب. للبوسنيين وضع حساس أيضاً، كرواتيون وألبانيون، مسلمون وصرب عليهم التعايش، لذلك انقسمت مناطق الحي الخمس تلقائياً على أساس عرقي أو قومي".

الرواية زاخرة بالتواريخ، تواريخ تذهب الى الماضي البعيد عن العرب والمسلمين، وأخرى معاصرة عن الحروب في العراق والحصار الذي فُرض عليه في العام 1991 ومات بسببه وبأسباب أخرى آلاف الأطفال.

نعود الى ما سبق البدء بالرواية ونقتطف ما اختاره محمود البياتي من مقال لإدوارد سعيد، نُشر في جريدة "الحياة" عن الثقافة الغربية، والتي هي في جزء كبير منها نتاج المنفيين والمهاجرين واللاجئين.

يقول ادوارد سعيد: "... ويقضي المنفي معظم حياته في التعويض عن خسارة مربكة، بخلق عالم جديد يبسط سلطاته عليه، ولذا ليس من المدهش أن نجد بين المنفيين كثيراً من الروائيين ولاعبي الشطرنج والناشطين السياسيين والمفكرين" ص7.

ولذلك أيضاً فليس من المدهش أن نجد محمود البياتي واحداً من أولئك الذين أشار إليهم ادوارد سعيد، روائي وضع بين أيدينا هذه الرواية المهمة.

ولندخل الآن الى تفاصيل الرواية التي تبدأ منذ السطر الأول بعثور الشاعر، وهو الذي يسرد الأحداث، على محفظة نقود لا تحتوي على عنوان لصاحبها سوى اسم "الفونس" المنقوش على جلدها الخارجي، فتتملكه الحيرة في كيفية التعامل معها، هل يسلمها الى البوليس أم يحتفظ بها لنفسه؟ هل يخبر صاحب المقهى الذي عثر فيه على المحفظة؟ ماذا لو كان هناك فخ مُعد له من برنامج الكاميرا الخفية؟

هواجس شتى تبدد هدوءه، ومخيلته تبتكر كل ما يقلقه بشأن المحفظة، وتقوده الى احتمالات كثيرة خصوصاً فيما يتعلق بالاسم، ففي الكتاب الذي يقرأ فيه عن الإسلام والمسيحية وجد اسماً يدعى بطرس الفونس، وهو يهودي، فقاده الى احتمال أن يكون صاحب المحفظة يهودياً، وتساءل: لماذا عليّ إعادة محفظة الى يهودي سرق وطن الفلسطينيين وقتل هو أو أجداده آلاف العرب؟

لكنه عرف فيما بعد أن في التاريخ القديم شخصيات كثيرة تدعى الفونس، ومنهم ستة ملوك من البرتغال، ثم اكتشف اسم الفونس في مسلسل للأطفال كتبته إحدى الكاتبات السويديات، أخيراً وعلى الصفحة 107 يقرر الشاعر تسليم المحفظة الى البوليس بعد أن عبثت به الهواجس المتناقضة التي شاركت هواجس واضطراب الشخصيات الأخرى الباحثة عن مصائرها في الغربة، وقام بتسليم المحفظة مقابل وصل استلام، ولما لم يبلّغ أي شخص عن فقدان محفظة خلال ثلاثة أشهر، فقد اتصلوا بالشاعر ليعيدوا له نصف المبلغ بحكم القانون.

وبين ضياع محفظة، وضياع أحلام، تسير الشخصيات حاملة ما تبقى من آمال لا تعنيها كثيراً في تحقيق مآربها أو العثور على ذاتها، ويمضي بنا الروائي من حالة الى حالة، يعيد من خلالها لذاكرتنا أحداثاً عاشت معنا وتركت ندوبها فينا، مثل ضياع فلسطين، وحروب العراق وموت الأطفال ومذبحة صبرا وشاتيلا وغرق العراقيين في البحار جراء هروبهم غير الشرعي، والكثير الكثير مما دمغ شخصيتنا العربية بالانكفاء وإغراقها بالهموم.

يقول الدكتور عبدالحسين شعبان في دراسة له عن الرواية نشرت في جريدة الزمان "الموضوعات التي اشتغل عليها محمود البياتي تشعرك باستمرار أنك عشتها أو ساهمت ببطولتها، أو أنك تعرفها أو كنت قريباً منها، إنها محاولة لإعادة اكتشاف الأشياء التي حولنا بكثير من البوح، وعالية الجمال".

وتقول الدكتورة لطيفة الشعلان في صحيفة الشرق الأوسط "يبدي البياتي هنا مقدرة عالية في جعل المكان عالماً حسياً، واستحضار هذا المكان الاستحضار الذي اشتق جماله من كونه عاطفياً، لم يهتم بالوصف أو التوثيق الموضوعي، لأنه ارتكز على مشاعر داخلية صاحبت معايشته".

وبين ما قاله الدكتور عبدالحسين شعبان وما قالته الدكتورة لطيفة شعلان، تواصل الشخصيات سرد حكاياتها وبوحها في مخيلتنا حتى بعد انتهاء أدوارها، دون خوف من رقيب يعد عليها الأنفاس في بلدانها.

هكذا ترك لنا محمود البياتي ظلال شخصياته بعد أن عرّاها وجعلها تكشف عن مكنونات أرواحها وأجسادها، وتمارس حريتها بلا حذر أو توجس، لكنها مع ذلك تعيش غربتها واغترابها، وتلهث وراء أحلامها، تلك الأحلام الوعرة التي وظفها محمود البياتي لصياغة الأحداث. أحلام تختلط مع الواقع ولا تنفصل عنه، أحلام مبتورة مثل تلك العلاقات التي عاشتها الشخصيات وانتهت سريعاً.

لقد اختلطت في الرواية نكهات متعددة، عراقية "عربية وكردية" وفلسطينية جاءت من عمق المأساة، وسويدية في المكان القلق غير المستقر. ومما يميز الرواية أن مؤلفها وظف التراث الحكائي والديني بشكل مدهش، ولعله العمود الفقري الذي استندت عليه الأحداث، مع ان الرواية حديثة لا شأن لها الا بالحاضر.

   

إنهم يتعثرون بأحلامهم الوعرة في رواية " رقص على الماء " اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2017
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير