التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 96
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
الكاتب : فوزي كريم
الكاتب : المحرر الثقافي
الكاتب : ترجمة: صالح الرزوق
الكاتب : شمس الدين العوني
  
الرئيسية الرئيسية » رؤى نقدية » العجوزان .. تمرين صعب لكتابة رواية تستلهم الماضي


العجوزان .. تمرين صعب لكتابة رواية تستلهم الماضي العجوزان .. تمرين صعب لكتابة رواية تستلهم الماضي

د. ممدوح فرّاج النّابي (القاهرة:) الأحد, 31-يوليو-2016   03:07 صباحا

العجوزان .. تمرين صعب لكتابة رواية تستلهم الماضي

في آخر أعمال الكاتب المصري جار النبي الحلو رواية “العجوزان”، يقدم الكاتب تجربة عجوزين وهما يراقبان العالم الذي بدأ ينسحب من بين أيديهما على مشارف الشيخوخة، فبدوا حذرين أكثر من كونهما مراقبين لعالم مفارق لعالمهما، فالحذر منبعه الخوف من الموت وحيدين، والترقب علته حالة الاندهاش من الواقع اللاهث بمتغيراته، والذي تعلّق أحدهما بأهدابه، وظل الثاني دوما في حالة اندهاش من الظواهر التي استحدثت فيه؛ من التوكتوك والازدحام، ومن صديقه الذي يراسل الفتيات الجميلات على الشات.

شخصيات وحيدة

لا يواري جار النبي الحلو في رواية “العجوزان”، الصادرة عن روايات الهلال 2016، حالة الولاء الشديد التي يبديها لأشياء كثيرة، بدءا من ولائه لمدينته المحلة الكبرى الحاضرة هنا، كما يظهر الكاتب ولاءه لجيله من كتاب الرواية في ما يتعلق بالاقتصاد والتكثيف، وشعرية اللغة التي وسمت جيله بأكمله. فالكاتب لديه ولع بالقصة القصيرة وهو أمر بديهي حاضر ومهيمن على الكثير من المقاطع (أو الوحدات القصصية) التي يتكون منها النص، في تمثّل لنزوع قصصي قصير، يمكنه الانفصال ليقرأ على أنه قصة قصيرة، وهو ما دعمه باختيار عناوين له، جاءت وكأنها تلخيص للوحدات، وفي بعضها أشبه برمز، لا تفك شفراته إلا بقراءة الوحدة كاملة.

كما لا يفوت القارئ تناص عنوان الرواية “العجوزان”، مع عنوان الأديب الروسي ليو تولستوي، وإن كانت ثمة أجواء مفارقة.

العجوزان/ الصديقان هنا فايز ورفيق يقفان على مشارف مرحلة عمرية خطرة، عبّر عنها فايز بقوله “لو تعثرنا نموت”، ومن ثم يتحايلان على الموت بالمشي حفاة داخل الشقة، وعلى الوحدة وتقدّم السن بالريموت كنترول تارة، وباستعادة ذكريات من عوالم الشباب الغض تارة أخرى، واستحضار معظم الشخصيات من الماضي كنوع من التعويض على الافتقاد تارة ثالثة، فتتوالى الذكريات التي يبدأها رفيق وهو يصف صديقه فايز بأنه “رفيق عمره” كما عنون الفصل الثاني. ثم يبدأ في استرجاع بداية العلاقة التي تعود إلى المدرسة الثانوية، ومع الفروق البادية بين شخصيتيهما، حيث رفيق يحب السينما ولعب كرة القدم، وفايز كان يحفظ قصائد صلاح عبدالصبور، ويفكر بجدية.

هاجس الموت وحيدا في الطريق العام يسيطر على فايز ويصيبه بالقلق وعندما يفشل في العثور على صديقه رفيق يبكي حتى تحمر عيناه، وهو يتخيل أن صديقه مات وحيدا، ثم يستسلم لريموت التلفاز ونسي ما كان يفكر فيه. اللافت أن تأثير هذا الغياب الذي فسره بالموت، انعكس على شخصية فايز فأغلق باب الشقة والشبابيك وأضاء المصابيح، كنوع من التحايل على الوحدة والفقد، بل اختلط عليه «أمر الليل والنهار».

يخفف الكاتب من تأثير الوحدة ويوزعها على شخصياته، فتتقاطع شخصيتا فايز ورفيق مع أصدقائهما القدامى؛ سهير الحبيبة القديمة لرفيق والتي مع حالة الشيخوخة التي بدت عليها لم تجد الأنس إلا في تتبع حبيبها القديم ومغامراته مع صديقه فايز التي كانت مثار حكايات الناس، وأيضا في الهدايا القديمة التي أهداها لها كالبطاقات البريدية بالأبيض والأسود وقلم الأبنوس، فمع كل ما مرّ من زمن إلا أنها جاءت لا لتستعيد الماضي فقط، بل لتأنس برفيق في وحدتها، باسترجاع ذكرياتهما معا. وبالمثل شعبان صاحب النجوم الذي صار قعيدا وسمينا، وبعد موت أبويه صار هو الآخر “وحيدا إلا من حساب في البنك”.

حكاية شعبان التي سردها في مقطع “زيارة متأخرة” هي تجسيد لحالة الخوف والنهاية الصادمة، فشعبان معلّم اللغة العربية وصانع المتعة والبهجة للأطفال بصناعته طائرات ونجوما، ما إن غادر إلى الإعارة حتى أخذته الغربة وهو يجمع الأجهزة. ثم كانت الكارثة بأن أصيب بجلطة، لكن يبقى التغير المهم هو أن شعبان الذي كان «غول قراءة» انصرف بكل وجدانه نحو المال، وغابت عنه أشياء كثيرة كانت مصدر فخر له من قبل؛ فلم يتعرف على ماركيز ولم يسمع بقصيدة النثر.

ولا تنفصل ياسمين صاحبة الكشك الذي يشتري منه فايز أشياءه عن واقع هذه الشخصيات طريدة الوحدة والتي تتشبث بالأنيس والأليف، وتسعى إلى أن تخلق لنفسها فرصة في الحاضر بعدما فقدت الماضي.

درس في الشفافية

حضور ثورة 25 يناير هنا ليس حضورا عابرا، أو حتى مجرد تسجيل نقطة بأن الكاتب تفاعل مع الثورة وسجل أحداثها، فعلى العكس تماما يأتي حضور الثورة طبيعيا متماشيا مع الحياة العمرية للعجوزين اللذين شاركا فيها.

من ناحية أخرى فإن ما يصل بين رواية تولستوي وجار النبي الحلو إلى جانب العنوان هو الحس الشفيف والإنساني الذي يتسرب في النص -وكأننا أمام شخصيات إنسانية من لحم ودم- محطما مفهوم الشخصية الروائية عند رولان بارت بأنها كائنات من ورق. فالصديقان في علاقتهما الممتدة والتي تأخذ أبعادا مهمة تجعل من رفيق في حالة انزعاج تتجاوز القلق إلى البكاء عندما يطرق باب شقة صديقه فايز ولا يجيب، فيبحث عنه في كل مكان، ويسأل عنه الجميع، وهنا يلوح خاطر الموت الوحيد وهو الشيء الذي كان يُحرك رفيق في تعاملاته مع فايز.

علاقة الشخصيات ببعضها وحالة الخوف الشديد من الموت، وتجدّد الرغبة في الحياة (عن طريق الزواج) كما في حالة ياسمين، تكشف عن نزوع إنساني أصيل للتشبث بالحياة، وهو ما سعى إليه العجوزان على الرغم من تقدمهما في السن.

ففي كل تصرفاتهما يدركان حالة الشيخوخة التي وصلا إليها، لكن هذا لم يمنعهما من التحايل عليها باقتناص أوقات البهجة كما فعل فايز وياسمين، عندما خرجا وجلسا عند الساعة، وبالمثل حالة الترقب والمتابعة من رفيق لهما، هي الأخرى كانت بمثابة التحايل أيضا على السن، بإظهار أفعال المشاغبة والشباب، وهو الأمر الذي يؤكده الحضور غير المجاني لصورة الفتى أحمد رمزي في أفلامه والقميص المفتوح.

تبدو الرواية بحجمها الصغير (لم تتجاوز المئة صفحة من القطع المتوسط) وتنوع رواتها، حيث ثمة راو شاهد عيان يبدأ في متابعة العجوزين، ثم تتبادل الشخصيات رواية الأحداث بالراوي/ الأنا: رفيق، فايز، وياسمين، إلى أن تنتهي الرواية بالفصل الأخير: آخر مرة رأيته، ليعود الراوي الغائب شاهد العيان الذي افتتح النص برؤيته لفايز، للروي مرة ثانية ولكن هذه المرة عن رفيق وآخر مرة رآه فيها.

إلى جانب عذوبة السرد ورشاقته في الرواية التي تصل إلى حدّ الكوميديا، نحن أمام درس تطبيقي أو تمرين صعب لكتابة رواية مكتملة ومكثفة، كما يبرز فيها تلاعب الكاتب بالزمن في حرية واصلا بين الماضي والحاضر، بالاعتماد على قوة الذاكرة والاستدعاء، فالحاضر بإشكالياته وأزماته وسيلة لاستدعاء الماضي. الغريب أن نقلات السارد سواء بالأنا أو الهو تأتي في سلاسة رابطة بين الحدثين لاستخراج الدلالة التي يرمي إليها الكاتب.

   

العجوزان .. تمرين صعب لكتابة رواية تستلهم الماضي اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2017
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير