التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 105
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » رؤى نقدية » العبث واللامعقول في " المقهى القديم والفراشات "


العبث واللامعقول  في " المقهى القديم والفراشات " العبث واللامعقول في " المقهى القديم والفراشات "

محمد عطية محمود () السبت, 26-اغسطس-2017   02:08 صباحا

العبث واللامعقول  في

في مجموعة "المقهى القديم والفراشات" ، للقاص عادل جاد، قد نجد إلى حد بعيد تجسيدًا لمفهوم العبث واللامعقول، ومن ثم الهروب من الواقع وإليه، وتجسيدا لحس الافتقاد المتوالي الذي تستشعره النفس البشرية في مواجهة ما يحيط بها، على نحو ما تأتي به النماذج القصصية التي يتعامل فيها القاص مع شخوصه انطلاقًا من ذاته المتوحدة بحس صوفي/ روحاني متورط في الحياة من خلال شقها السديمي المحلق في الحلم أو الهارب من الواقع بتلك الروحانية التي تجتاز كل الفواصل والحواجز، بتلك السمة من (التردد) بين الصعود والهبوط:
"لا تفارقنا الذكريات القديمة بيسر، تظل ممسكةً بتلابيب العقل، تجلدنا مرات كثيرة بحوادث مريرة وأخرى مشينة.. أترك نفسي لعتمة الغرفة، تعتاد عيناي الظلام المحيط.. يتحرك أمامي شريط الأحداث برخاوة. تغادر الروح الجسد مرات ومرات ثم تعاود الرجوع"
ذلك (التردد) الذي هو من سمات الصوفية، والذي يدفع بالذات في آتون تقلبها وارتيادها لعوالم مغايرة، قد تدفع للتعامل معها على نحو التلبس والتنقل والحلول، ما يدفع إلى تجسيد فكرة العبث التي تقود في أغلب مواضعها إلى تجسيد فكرة اللامعقول المترتب على الحالة الرافضة للواقع، الجانحة إلى ارتياد جوانب خفية من الذات في مواضع مختلفة، إذ أن الروح التي تحرك العمل/ النص هي المهيمنة هنا إلى حد بعيد حيث يختتم هذا النص الافتتاحي "هي ظلمة... أشتهيها" بالتأكيد على هذه الحالة الملتبسة للروح مع الجسد:
"أنا الدرويش/ الحالم/ الزاهد/ العاشق/ التائب/ الراجع.. يفيض قلبي بطاقة أكبر من احتمالي، يغمر النور المكان.. وأنشطر ضياءً.. فضياء!"..
حيث تكتمل اللغة الشاعرية المتوافقة مع الحالة، والمؤطرة لعملية الانعتاق المرجوة التي تفتح العالم أمام السارد كي يطوف فيه محاولا تحقيق هذه المعادلة، التي تشتبك مع الواقع أيضا في نص "جحيم" لتوطين الحس بالاغتراب وسط هذه المخلوقات المعتادة، للدخول في حالة أسطرة الجحيم أو الخوف أو عدم التصالح مع الواقع، بدايةً من مفتتح النص ذاته وحتى ختامه المؤكد على تلك الحالة:
"تعلو ألسنة اللهب لعنان السماء كوحش أسطوري... "
 ليكتمل المعنى مع نهاية النص من خلال تلك التهويمات التي تجعل من غير المرئي كيانا قادرا على تحفيز قدرة السارد على استلهام واستخراج ما تمور به الذات من هواجس ومشاعر تدفع بها في اتجاه التعامل العبثي مع الحالة التي ربما صارت حالة لصيقة بهذا النموذج الإنساني:
"في الزاوية الأخرى، بوجوههم العابسة ومشاعل اللهب تتراقص في أيديهم، كانوا هناك يتحركون كأشباح مبتهجة"
فهنا يعكس السارد/ الرائي بحسب التعبير الصوفي هذه الحالة التي تنقل التوتر وتعكس الحالة من منظور عدم الألفة وعدم التصالح مع هذا الواقع، حيث يبدو التعامل مع النص بحرفية تعضدها لغة تنحو إلى المجاز واستبطان الحالة والعروج بها إلى آفاق بعيدة تلتمس المتواري من المعنى أو الدلالة..
***
ثمة اشتباك آخر مع مفهوم العبث، من خلال تيمة الحلم التي يلعب عليها القاص في أكثر من نص، حيث يدور كل منهما في جو حلمي/ كابوسي أو حلم يقظة، مشتبك مع الواقع من جهة ومع الشكل العبثي التخييلي من جهة أخرى، ويعد ارتباطا وطيدا، حيث تشكل المفردات الحلمية في حد ذاتها مع اضطراب الحدث، انعكاسا للحالة النفسية المشوشة التي تنتقل إليها توترات الذات لتصنع هذا المزيج من العبث نهايةً، ودخولا في نطاق اللامعقول الذي لا يمكن تقبله إلا على أساس النزعة الحلمية/ العبثية..
"كان عليّ التصرف بسرعة، تذكرت دورة مياه قريبة أحتفظ عادة ببعض الملابس في خزانة حديدية بها، أسرعت الخطو تجاهها.. دسست بعض النقود في يد خادم الدورة بمجرد وصولي، وفتحت خزانتي وأخذت ملابس جديدة، لم تكن في أناقة الملابس الأولى"
في نص "الحفلة" يتمادى السرد في التعامل مع الحالة، وكأنما السارد الواحد هنا هو من يتنقل بذات الشخصية المضطربة ليكمل دوره في النص بذات اللهاث، وإن اختلفت التفاصيل وتشعبت لتخلق حالة أكثر حميمية دلالة على الافتقاد الشديد لها، من خلال البحث عن المرأة/ المحبوبة التي تمثل حجر زاوية وارتقاء لمفهوم البحث عن معادلة الوجود، وإن كان أيضا في متاهة حلمية متقافزة الأحداث:
"مسحت بعض قطرات الماء عن شعري وأنا أركض في اتجاه الجسر، وقرقعة حذائي على الحجر تحدث صدى متتابعًا. لمحت بعض العشاق متشابكي الأيدي أو يلفون خصور بعضهم وهم يتحركون ببطء وباعة متجولين في مدخل الجسر يذرعون الساحة، وهواة الصيد في الجانب الآخر من الجسر لم يبرحوا مكانهم. نظرت في كل الاتجاهات باحثا عن "امرأتي" ولكنها لم تكن موجودة!"
تشتبك الحالة وتتصاعد، من خلال التفاصيل الكثيرة لمشهد متكامل يجسد للدخول الأعمق في حالة الاغتراب الذي يبدو من خلال فقد/ افتقاد المرأة التي يسعى إليها برغم كل المحاذير التي يسوقها الحلم ويسقطها على الواقع من خلال هذا التأرجح فيما بين الحركة العبثية، التي تتمادى في إبراز اللامعقول من التصرفات والنتائج واتساع دائرة البحث التي تقود إلى الهلوسة وتداخل الصور والوجوه والمشاهد، والدخول في المتاهة التي يصنعها تاريخ مخفي لايذكره النص!!
***
من خلال نص "الثعبان يلوح ملمح عبثي يكاد يمتد بذاك الخط السردي، حيث يتحول الواقع الخارجي إلى ساحة أشبه بالسيرك، أو الحلقة التي تلتف حول الحاوي في الشارع، بهذه المشهدية الراصدة، يقتحم القاص النص والحالة الآنية، التي يمثل المكان فيها بعدًا مفتوحًا على الواقع/ الحياة، يُختزل في حلقة حول "حاوي" أو مدعي بملامح مغايرة ملفتة للنظر، لمحاولة تدليس الواقع، والإيهام بقوة الإيحاء بتغلغل الحالة العبثية المفروضة، في علاقة متوهمة بين السارد والحاوي:
"توقف عندي للحظة تأملني وحياني بإيماءة من رأسه واستدار راجعا للخلف. أعلن عن فقرة الإثارة القصوى"
ذلك ما يجعل السارد يتورط بطريقة عبثية في تلك اللعبة التي يمارسها الحاوي، بالإيحاء بالقوة والشجاعة التي يفتقدها السارد، وتبادل الأدوار غير المعتاد حدوثها:
"رفعت يدي ملمحا له كي أنهي الأمر فتراخى ضغط إصبعي على فم الثعبان فأفلت مني، وشعرت بوخز ألم لاذع جراء لدغة الثعبان ليدي.. تراجع الجمهور ثانية للخلف مذهولا ومذعورا وحدثت جلبة وفوضى"
اعتمادا على الخط السردي الممتد الذي لا يدع للشخصية الفرصة كي تسترجع أي تاريخ أو مواقف في أجواء الدجل والنصب التي يتعامل بها المهرج/ النصاب مع هؤلاء المنومين أو الواقعين تحت سيطرة الإيهام..
 ذلك الإيحاء الضمني الذي يختتم به النص بأن هذا اللاعب يتلاعب بمن حوله بهذا الإيهام والتخويف من سم للثعبان غير موجود:
"أسندني بعض الأشخاص ثم أجلسوني على الأرض.. أحسست بخدر شديد في يدي.. وبدأ وجه الرجل يهتز.. ويتلاشى وتتلاشى معه كل العيون المحدقة".
هكذا تكتمل الصورة العبثية متمثلة في حالة الغيبوبة، وفكرة الإيهام التي يلعب عليها ليدلل على أن أغلب الآثار والتداعيات تأتي من خلال النفسية البشرية في إطار من التصرفات اللامعقولة التي ربما تبدلت قيمها لتدخل في نطاق المعقول والعادي والمتاح حدوثه..

   

العبث واللامعقول  في " المقهى القديم والفراشات " اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2018
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير