التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 96
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » رؤى نقدية » المُطارحة الفلسفية في رواية «الشحاذ» لنجيب محفوظ


المُطارحة الفلسفية في رواية «الشحاذ» لنجيب محفوظ المُطارحة الفلسفية في رواية «الشحاذ» لنجيب محفوظ

كه يلان مُحَمَد () الأحد, 03-سبتمبر-2017   03:09 صباحا

المُطارحة الفلسفية في رواية «الشحاذ» لنجيب محفوظ

النبرة البارزة في النصوص الفلسفية هي السؤالُ الذي ما انفك الفلاسفةُ يضعونهُ في صميمِ اهتماماتهم، باعتباره أداة أساسية لنحت المفاهيم الجديدة التي بدونها لا يمكنُ بناء تصورات مُختلفة وإجراء قراءات مُستندة إلى فرضيات متوالدة من رحم اللايقين، وهذه الحالة من مشاكسة الثوابت بمطرقة الأسئلة، ليست حكراً على قوالب تعبيرية مُحددة، بل تجدُ الموضوعات الفلسفية مكانها أيضاً في مظان الأعمال الروائية، وبما أن نجيب محفوظ قد درس الفلسفة وتناول في مقالاتهِ القضايا الفكرية، قبل أن يتفرغَ لكتابة الرواية، لذلك فمن الطبيعي أن لا تغادرَ النزعة الفلسفيةُ أسلوبه.
غير أن منسوب الحس الفلسفي يتفاوت من مرحلة إلى أخرى في روايات صاحب «السمان والخريف»، إذ تشهدُ حياةُ نجيب محفوظ الأدبية مرحلة جديدة مع مطلع ستينيات القرن الفائت. ويتصاعدُ الاهتمامُ بالبعد الفكري في مُعالجاته الروائية، بحيثُ أن الأعمال التي صدرت خلال تلك الحقبة تُنزل ضمن ما يعرف بروايات الأطروحة. وتنضمُ «الشحاذ» إلى هذه الحلقة. يذكر أن رجاء النقاش يطلقُ مصطلح الواقعية الوجودية على ما أنجزهُ في سلسلة أعماله بدءاً من «السمان والخريف» مرورا بـ«الشحاذ» و«الطريق» إلى أن ينعطفُ أُسلوبه صوب مسار مُختلف مع «ثرثرة فوق النيل» الموغلة في الرمزية.
الدلالة الرمزية
تضجُ رواية «الشحاذ» بثيمات ذات طابع وجودي وتحتدُ النقاشاتُ في فضائها إلى درجةٍ تكتسبُ شخصيات العمل دلالة رمزية تُحيل إلى تيارات ومواقف فكرية. يطالعكَ عمر حمزاوي بما يعيشه من أزمة خانقة ليُمثل نموذج العبث الذي يحوم في الفراغ واللاجدوى، كما يمكن أن تُحملَ تجربته على تأويل آخر، وهو غياب البعد الروحي والسعادة بمفهومها الميتافيزيقي. بالمُقابل يرمزُ عثمان خليل إلى الالتزام والإيمان بالحياة، مُستمداً القوة من قناعته الفكرية القائمة على معادلة مفادها «أنَّ الإنسان إما أن يكون الإنسانية جمعاء، وإما أن يكون لا شيء». كذلك الدكتور (حامد) هو نموذج لا يبحثُ عن المعنى خارج مجال اختصاصه وعمله، بينما يكونُ مصطفى المنياوي مِثالاً للمرونة والتأقلم مع التحولات. كما أن بثينة ابنةُ عمر حمزاوي تُعبرُ بدورها عن حالة من التناغم بين العقل والعاطفة، فتخصصها العلمي لا يمنعها من كتابة الشعر، أكثر من ذلك فإن المشاهد الطبيعية لا تخلوُ من البعد الرمزي، هذا فضلاً عن اللغة التصويرية التي تجلو مشاعر دفينة لدى عمر حمزاوي، لاسيما في مناجاته الذاتية.
السكينة المنشودة
تأمُل عمر حمزاوي للوحة في عيادة الطبيب يكونُ مدخلاً إلى عالم الرواية، إذ كثيراً ما تستسلمُ هذه الشخصيةُ إلى تيار مناجاتها مُنفصلاً عن الخارج، بلغ عمر الخامسة والأربعين وبدأُ يشكو من أعراض مرض غريب، يمني النفس أن يجدَ له سبباً عضوياً. لكن بعد إجراء سلسلة من الفحوصات المكثفة يبلغه الطبيب بأنَّ ما يحتاج إليه فقط هو الريجيم والمشي، وإلا ليس هناك ما يستوجبُ طريقة أخرى للمعالجة، فعلاً يقضي فترة الاستجمام على الشواطئ بعيداً عن مسؤوليات العمل، ويراسل صديقه مصطفى مُطمئناً إياه على ما حققه، إذ تخلص من الدهون، بالتالي نقص وزنهُ، ولكن لم يبرأْ مما كان يشكو منهُ، ولا يتوقف الخمود عند حدود العمل، بل لم يَعُدْ يتحمل أسرته، زينب التي ضحت من أجل حبه وأصبحت على غير دين أهلها تفانياً في إخلاصها، كل ذلك لا يلتمسُ فيه عمر حمزاوي الشاعر والمناضل سابقاً والمحامي المشهود له بالنجاح في العهد الجديد أثراً للسكينة، كذلك الأمر بالنسبة إلى ابنتيه (بثينة وجميلة). وبهذا يمرُ عمر حمزاوي بطور غريب يبوح برغبته لتنقيب في ما يدور داخل عقل المجنون وقلوب العشاق، كما يعادوه صليل كلمات الرجل الذي وكله لكسب قضيته، عندما قال له ماذا لو امتلك الأرض ثم استولت عليها الحكومة فما كان منه إلا أن ردَّ «ألسنا نعيشُ حياتنا ونحن نعلمُ أن الله سيأخذها» يفتحُ هذا الكلامُ أمامه باب الشك والسؤال عن جدوى الحياة، لذلك لا ينفكُ عن طرح الأسئلة حول فكرة الله والمصير، ما يعني أن مرض عمر الحمزاوي هو من النوع الذي صاحب الكائن الإنساني لحظة إدراكه أنَّ الموتَّ يُقوضُ بنيانهُ، وربما يتغولُ هذا المرضُ عندما يزدادُ الشعور بالسأم نتيجةً تقلبات فكرية، مثلما يتجسدُ ذلك لدى (عمر الحمزاوي) الذي أعرض عن أفكاره الثورية ونضب لديه الشعرُ إلى أن انعكس في شخصيته طبائع الفرد الانتهازي. يشارُ إلى أن بعض النقاد يرون أنَّ عمر الحمزاوي امتداد لشخصية رؤوف علوان في رواية «اللص والكلاب»، حيثُ لا تهمه مشاكل إنسانية بقدر ما يبحثُ عن حل لهمومه الذاتية، ونشدان السكينة، أو تسول السعادة عبر إقامة علاقات حسية مع مارغريت وردة منى، وارتياد النوادي والملاهي طلباً للنشوة. بذلك تصبحُ الأنثى لدى عمر الحمزاوي حياةً تمشي على قدمين. كأنَّ هذا المجون وسيلةُ لقهر الخوف والإمعان في تجاهل الواقع.
الصراع
يدور صراع بطل «الشحاذ» على المستويين الداخلي والخارجي، إذ هو يفشل في التصالح مع ماضيه، بل أن الماضي يباغته تارة في صورة بثينة، وتارة أخرى في شخصية عثمان خليل الخارج من السجن، لذا يوظف المؤلف تقنية (المنولوج الداخلي) لكشف ما يمورُ في أعماق شخصية (الحمزاوي) الذي ما أن يعود إلى واقعه حتى ينساقُ من جديد نحو عالمه الباطني، حين يخرجُ عثمان خليل من السجن يعلقُ قائلاً «رجل خارج من السجن إلى الدنيا ورجل يتحفز للخروج من الدنيا إلى عالم مجهول» وتكبرُ الفجوة بين البطل والواقع بفعل سيادة لغة العلم واصطدامه بأنَّ القلب الذي يعولُ عليه لاسترداد اليقين والسكينة ما هو إلا مضخة للدم على حد قول (عثمان خليل). إذن إن ما يسمعه من صديقه في درب النضال، وتأكيده على أنَّ العلم لا غيره جديرُ بأنْ تراهن عليه، يُعمقُ من أزمة الشخصية الأساسية، بينما يقتنعُ مصطفي المنياوي بكتابة مسلسلات إذاعية ومقالات ارتجالية خفيفة للصحف، مُقراً بأن الفن صار بمثابة (اللب والفشار) والتهريج في زمن العلم، ولا دورَ له سوى التسلية، وبرأيه لا عاصم من التعاسة إلا العلم وإنفاق الوقت لحل المعادلات. فإنَّ عمر الحمزاوي يلجأُ إلى الهروب، لكن أطياف الواقع تطارده في عزلته ولا تتحقُ له السكينةُ، إذ تنتهي الرواية بمشهد حواري بين عمر الحمزاوي وعثمان خليل الذي تزوج بـ(بثينة) وذلك متزامنا مع تدشينه لمرحلة نضالية جديدة، وعندما يضيقُ به الخناق يهربُ بدوره إلى عمر الحمزاوي، لا ليستكين مثل صديقه إلى أفكار غريبة، إنما لإقناع عمر بالخروج من العزلة وتحمل المسؤولية، لا تظهر شخصيات رواية «الشحاذ» مُنْفَصِلةً عن الشخصية الأساسية، بل لا نعرف عنها شيئا خارج ما يذكر عنها عمر الحمزاوي، ويُعللُ غالي شكري هذا الأمر بأنَّ نجيب محفوظ يعبر عن الجوانب الخفية لدى البطل بتصويرها في شخصيات مستقلة عن كيان البطل.
ما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام هو رأي جورج طرابيشي الذي يعتقدُ بأن المدلول التقدمي في رواية «الشحاذ» يأتي في إدراك نجيب محفوظ بأن المشكلة الميتافيزيقية في جوهرها مشكلة اجتماعية داخل المجتمع الشرقي الذي يعمل إكليروسه على تكريس فرضية وجود التناقض بين الإيمان والعلم.
…..
٭ كاتب عراقي

   

المُطارحة الفلسفية في رواية «الشحاذ» لنجيب محفوظ اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2017
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير