التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 99
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
الكاتب : حبيب سروري
الكاتب : أمير تاج السر
  
الرئيسية الرئيسية » رؤى نقدية » كائنات لنا عبد الرحمن في «صندوق كرتوني يشبه الحياة»


كائنات لنا عبد الرحمن في «صندوق كرتوني يشبه الحياة» كائنات لنا عبد الرحمن في «صندوق كرتوني يشبه الحياة»

شعبان يوسف (الحياة:) الأحد, 19-نوفمبر-2017   02:11 صباحا

كائنات لنا عبد الرحمن في «صندوق كرتوني يشبه الحياة»

على رغم أن شخصيات قصص الكاتبة اللبنانية لنا عبدالرحمن في مجموعتها «صندوق كرتوني يشبه الحياة» (الهيئة المصرية العامة للكتاب/ سلسلة الإبداع العربي)، تبدو شرسة، إلا أن معايشتها تبين أن شراستها تغطي ارتباكها وانهزامها الناجم عن هشاشة تجتهد في التعمية عليها بسبلٍ شتى، وهي تبحث عن أي انتصار صغير يبرر بقاءها على قيد الحياة، في ظل تناحر بشري مريب.
القصة الأولى التي تحمل عنوان المجموعة نفسها، يحكيها شخصٌ ما لشخص آخر يدعى «خليل»، ويخاطبه دائماً، ويصرّ على تكرار النداء، ربما ليشعر بأن هناك جدوى من سرد تلك التفاصيل المزعجة، ويبدأ بـ: «اسمع يا خليل. حكايتي مع سلمى بسيطة، في غاية البساطة، لكنني لم أنسها بسهولة». ثم يؤكد له، أن ظهور «سلمى» في حياته، يشبه اصطدامه بصندوق كرتوني في الطريق العام، تخرج مِنه مظلة تطير نحو السماء، ويعقبها قزمٌ بقُبعة حمراء يرقص للمارة. يظل الراوي يصف سلمى بالصندوق، وكيف أنها آمنت بطيبته بعد أن خلّصها من حفنة أشرار، وجلس معها في مكان ما، وأعطاها نقوداً، فاعتقدت أنه يريد جسدَها، وعبر ذهاب اضطراري إلى منزلها، يفقدها تماماً، مِن دون أن يفقد شغفه بها، ولا يعرف كيف يتواصل معها، وبعيداً مِن الحكاية الإطارية تلك. فالحكَّاء متردد طوال حواره مع سلمى، وسلمى ذاتها المتمرسة على سلوك العاهرات، لا تدرك ماذا يريد منها، وأمها المشوَّهة اجتماعياً، تعيش حالة ما من الضياع، وشقيقها الأسمر الضخم لا يهمه سوى أن تعطيه أخته نقوداً. كائنات هشة تماماً، على رغم ما يبدو على مظهرها من شراسة، تقدمه لنا عبدالرحمن في إيقاع سريع، فلا يشعر القارئ بالرتابة التي يمكن أن ترافق ذلك النوع من الكتابة. هنا يصطدم شكلان ووجهان من الحياة من دون أي عنف منذور.
كما أننا نلاحظ في قصة «آنهيمالا»، تلك الخادمة التي جاءت من حقول الشاي التي كانت تعمل فيها في إحدى البلاد الآسيوية، وتتعّرف إلى زميلة لها في المنزل المقابل، بعد إشارات وتلويحات، ثم تقرران الخروج يوم الأحد إلى الكنيسة، ويصبح ذلك اليوم هو النافذة الأساسية لممارسة كل أشكال الحرية والتنفس، وعندما تقتني لباس بحر يدور حوار بينها وبين مخدومتها، ولا تعرف كيف تشرح لها أنها لا تعرف ما الذي يمكن أن تفعل بذلك «المايوه». وعندما تلاحظ مخدومتها أنها مريضة، بعد أن شاهدت بقعاً من الدم على منديل أبيض يخصها، تقرر التخلص منها، غير عابئة بتوسلاتها.
 وفي قصة «مكعبات سكر»، تذهب سيدة في منتصف العمر إلى شركة تحتاج إلى سكرتيرة لصاحبها، لكن الشخص الذي يستقبل المتقدمات، يحاول إفهامها أنها لا تصلح لشغل تلك الوظيفة التي يريد المدير أن تتولاها فتاة صغيرة السن، ولكنها تصرّ على قبول أوراقها، لأنها في حاجة ماسة إلى العمل. يدور حوار مكثف وعميق وشيّق بين الموظف والسيدة، حوار تتخفف فيه السيدة من أي حرج يفرضه شرط السن، ويكشف أيضاً قدر البؤس الذي تعيش في ظله تلك المرأة، والذي كاد يدفعها إلى التسول.
 في قصة «نيجاتيف مشوش لأيام الأسبوع»، تطلق الكاتبة خيالاً مرحاً في وصف أيام الأسبوع. الأحد يشبه شاباً بهي الطلعة يبتسم دائماً. الاثنين المتزن والبطيء والحالم، والذي يقترن دوماً في ذاكرتها بأيام الامتحانات. الثلثاء شبه مستقل عن اليوم الذي يسبقه، ومنفصل عن الذي يتلوه، لذلك فهي تراوغه دائماً. الأربعاء؛ يكرهه الجميع، وتكاد تكون الوحيدة التي تحبه، ولا ترى على وجهه- مثلما يرى الآخرون- تلك البثور والدمامل والتشوهات. وعندما تصل إلى الخميس تكتب عنه بوقار، لأنه حكيم متريث، وشيخ جليل بلحية بيضاء. الجمعة، يشغل موقعاً مهماً لأنه يتوسط حكمة الخميس، وصخب السبت، وذلك يجعله حائراً ، وكل الأعمال تحسم فيه. بينما يبقى السبت يوماً تلفزيونياً بامتياز.
هذه القصة تثبت جدارة تجريبية، تدفعنا نحن القراء إلى مجاراة الكاتبة في التعامل مع الأيام، وكأنها كائنات حية تتنفس وترقص وتحب وتكره. الأيام هنا هي مساحات قابلة لكل أشكال الوصف، حتى لو كانت كائنات غير اجتماعية. الكاتبة تفتح قوساً واسعاً في التجريب والمغامرة، وربما تخرجنا تلك القصة من الأحداث والشخصيات المأزومة التي تصادفنا في بقية القصص.
ولا مجال- بالطبع- لاستقصاء قصص المجموعة كافة، بقدر ما نطرح بضع ملاحظات على قصص لا تتكرر فيها التيمات، بل تتعدد وتتنوع، ففي قصة «محطة نيويورك... بئر استوكهولم»، ندرك أن شخصاً ما يذهب إلى نيويورك، كان متعلقاً بفتاة ما، تلك الفتاة التي تسميها الكاتبة «سحر» ليست زوجة أو عشيقة، ولكن الارتباط بينهما كان عميقاً، ولا بد أن أن يبتعدا، لذلك ذهب هو إلى أميركا، وذهبت هي إلى استوكهولم، وراح يعيش كل منهما حياته الخاصة، ويستدعي الآخر بطريقة ما. يحاور كل منهما الآخر. هو مفتون بالكتابة، وهي شغوفة بانتظار ما. ويذهب كل منهما لتفسير ما يعيشه، وتأمل ما يحياه الآخر. علاقة غريبة، ولكنها موجودة، وربما تتدخل فيها عناصر اجتماعية كثيرة، ما يقتضي تأمل البداية التي غالباً ما تكون جميلة، فيما النهاية سيئة للغاية. تستخدم الكاتبة تقنيات متعددة، ونلاحظ أنها لا تنفلت من ذكر عناصر ثقافية، مأخوذة مِن السينما أو الأدب أو الكتب عموماً، فنقرأ أبياتاً من قصيدة بدر شاكر السياب «أنشودة المطر»، واستشهاداً بمحمود درويش، واستناداً إلى رواية «عالم بلا خرائط» لعبد الرحمن منيف.
وهكذا تنطوي قصص المجموعة على تلك الإشارات الثقافية، مِن دون أن نشعر بأنها مقحمة، بما أنها تنساب في الثنايا مِن دون معاظلة.
«صندوق كرتوني يشبه الحياة»؛ مجموعة قصصية ممتعة، على رغم مآسي شخصياتها التي تعكس غرائبية الواقع المعاش، والذي يباغتنا كل يوم بمآس لا تخلو من عبثية؛ ربما تثير الدهشة، بأكثر ما تدفع إلى الإحباط.

   

كائنات لنا عبد الرحمن في «صندوق كرتوني يشبه الحياة» اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2017
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير