التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 105
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » رؤى نقدية » فوزي ذبيان منتصراً للفرد وحريته


فوزي ذبيان منتصراً للفرد وحريته فوزي ذبيان منتصراً للفرد وحريته

محمد برادة (الحياة:) الثلاثاء, 26-ديسمبر-2017   01:12 صباحا

فوزي ذبيان منتصراً للفرد وحريته

في روايته الجديدة «خـيـبة يـوسف» (دار الآداب، 2018)، يحافظ فـوزي ذبـيان على مـعظم الـعنـاصر الأسلوبية والسردية التي جـرّبها في روايته السابقة «أورويـل في الضاحية الجنوبية»، والمـتـمثلة أساساً في كتابة سيـنمائية مـشهدية، تمـتـــدّ أفقياً لالتقاط المحكيات الموازية، وتأثـيـث الفضاء بشـخوصٍ تـصاحب يوسف المراهق- الشخصية الأساس- في مغامـرته داخل عالـم الكبار. وهنا أيضاً تـطالعنا اللغة الـمقتـصدة، الـمـنـفـتحة على لـغة الكلام، والمـحتوية لكـثيـرٍ من الغـمـزات السـاخرة والتأمـلات الفـلسفية البّــارودية. لكـنـنا نجد عـناصـر شكلية أخـرى، تـستـجيب موضوع هذا النص الجديد، نخص بالذكر منها اثـنتـيْـن: كشفُ السارد عن اسمه «فـوزي» مع نـفـيـِه أن يكون هو اسم الكاتب، ثـم تـأكيـده أنه يتـماهى مع الـبـطل يوسف بل مع كـــــل الآخريـن: «من المفروض أني أكـتب قـصة يوسف، لـكن يــبدو أني أكـتب قـصتي أنـا. لا بأس، فـالقصتان قـصة واحدة في كلّ حــال. ربما كنا واحداً. لا أقصد يوسف وأنـا، إنـما كـلـنا. ربما كـلنا كـنـا واحداً، وكـلّ مـنا هو جـزء من قصة واحدة في القصة الـكـبـرى. لـكن ما القصة الـكبـرى؟ أنـا لا أعــرف» (ص 107)
على هذا النـحو، يـتوجه السارد فـوزي بـخطابه إلى امـرأة لا يكشــف لنا اسمـها، لـيحــكي لـها عن علاقـته مع يوسف منذ أيام المدرسة الابـتدائـيـة، واستـمـرار صداقــتـهما إلى أن قـُــتِـل أو «اسـتـشــهـد» على حدود جنوب لبنـان أثناء عمـلية فـدائية ضد إســرائـيل. لـكـنّ نص الرواية يـتكـون أساساً من ســــــــرد تـفاصيل صداقة يوسف وفـوزي، على رغــم اخـتلاف طـبائعــهما وعـقـلـيتـيْــهما: فيـوسف الذي يعيش مع والده وأمه في «خــلدة» (جنوب لبنان) لا يـبـالي بالدروس ولا يـنـجذب إلى القــراءة ومـعـرفة الـكـتب، وإنـما هـو مشـدود إلى العالم الخـارجي، شـغـــوف بامتطاء «المـوتوسيكل» وركوب السيارات ومـشاكسة مَـنْ هـو أكـبر مـنـه، مســتـعد دائماً لأن يـغــامـــر بـاتجاه المجهول... بيـنـما صديقه فـوزي حــريـص على الدراسة، مُـقـبــِـل على الـقراءة، مـحب للـفـلسفة، ما جـعل الأصدقاء يُـلقبونه بــأفلاطون... ولأنهما من أسرة فـقــيرة، كانا في حاجة إلى البحث عن أشـغال يكـسبان من ورائها ما يـسددان بـه مصاريف الدخان والشراب ونزوات الــمراهــقــة.
كان يـوسف هو رأس الحـربة في البحث عن العمل الموقت وتوســيع مجال حـركـتهما. وما لــبـث أن ربـــــط الصـلة بـأحد المـسـؤـولين الـحـزبـيـيـن الذي دفـع يـوسف إلى ارتـياد المتـاجرة في الأسلحة ثم الانخراط في تـنظيم فـدائي يناصر الفلسطيـنـيـيـن. وسـرعـان ما تغـيّـرت حياة يوسف فانـقـطع عن الدراسة، وعـقـدَ صـفقاتٍ درّتْ عـليه المـال، وربط علاقة غرامية ليصبح شاباً قـبل الأوان. إلا أن صداقـته مع فوزي ظلت قائمة، بحيث يـزوره من حين إلى آخــر ويســأله عـن دراسته في الجامعة...
من هــنا، يــغدو نص الرواية رصـداً لِهذه الـصداقة من مـنـظور الصديق السارد فـوزي، الذي يسـتـعمـل نوعاً مـن الميتا - سرد، ليوضح مفهومه للكتابة الروائـية ولوظيـــفة اللـــــغة وأشـــياء أخــرى: « من الخطورة بـمكان أن يكـتـب أحدنا رواية عـن شيء لـم يـسمعه، أو يـشـمـه، أو يتـذوقــه أو يـلمسه أوْ يـرهُ...» (ص 116).
ومع أن الرواية تنـطوي على ما يـشبه العـقـدة، إذ تـنـتهي بـموت يوسف، الشخصية الأساس، لكن ذلك لا يـؤثر كـثيراً في الـبــناء العام للرواية، لأن دلالــتـها تـظـل مـتصـلة بتلك الصداقة التي جمعت بين السارد ويوسف، وجعلتهما رمــزاً لـفــئـة الشباب الـمـهمش، في مناطق منـسية، يـتـعرضون لـلاستغلال أو يُـستــعـمَـلون من لـدن مؤسسات أو أحزاب...
قــد يكون من المفـيد، ونــحن نتـلـمّــس طـريق الدلالة في «خـيْــبة يوسف»، أن نتـذكـر إلحاح الـسارد على ارتباط مصيره بمـصيـر صديقه يــوسف وبــمَـنْ هم في عُـمرهـِـما. ذلك أن الموت قـبْـل الأوان- الذي ذهب ضحـيـته يوسف- هو مصــيـر قد يتـعرض له آخـرون: «...أحــسـب نفسـي مؤرخ يـوسف أو الناطــق باسمه اليوم. لـكن لا. الحقـيـقة أنني أقــرأ نـفسي عـبـر هذا الـيوسف القديم. يـبدو أن ذلك الكاتب الروسي– نسـيتُ اسمه– الذي قال إن الكتابة ليست مجــرد تـصوير للحياة بل إدراك لها، كــان مُـحقـاً» (ص.121).
وسـنــجد السارد يُـبـدي نـفوراً من دُخول مَـنْ يسـمّيـه «المـتـحــزب» إلى حياة صديقه يوسف، لأنـــــه كان وراء جــرّهِ إلى الانـخراط في التـنـظيم وتـدبـيـر الأسلحة، وهو دون الـســنّ التي تـتيـح لـه التـمـيـيـز والاختيـار. وهذا ما جعل السارد يحـمّـل مسؤولية موت يوسف قبل الأوان، لذلك «المـتــحزب» الذي عـكّـر صـفو صداقتهما، إذ أغــرى يــوسـف بالانغمار في تجربة تـدبيـر السلاح والمشاركة في العمليات الفدائية. هناك أكـثر من عبارة يـرددها الـسارد لـيـوحي بــأن يوسف، ومــعـه شباب غيره، قــد غـُــرّر بــه: « قــصة يـوسف هـي قصة أولاد صـغـار لــم يُـجـيـدوا اللــعبَ إلى آخر الــشوط. ظــنـوا أن الـشمس قــريبة إلى هـذا الــحــدّ وأن الــقـمـر ضـربـة حـجــر. إنــهم أولاد أغـبـيـاء كانوا يُــشارطـــــون بـعضهم بـعضاً إذا كان عـدد الـنــجوم في السماء مُــفـرداً أو مُــثــنى «(ص 112).
ومـا دام السارد يـعـتـبـر أن صديقه ذهب ضحية خدعةٍ وتـغــريــر، فــإنه لن يـعـتــبره شــهيداً كما يراه الآخــرون الذين جـاؤوا لـتـشـيـيـعه إلى مأواه الأخـيـر: «انتهى الاحتفال كما بــدأ بــأناشيــد وتـصفيق كـثـيـر. خــرجتُ من القاعة وحيداً تماماً مثلما دخلت. كان الـكــلّ مـفـتخـراً بـ «استشـهاده» إلا أنــا. تـركتُ مـقعدي الأحـمر الـفـضفاض واتـجهتُ إلى ردهة الـقـصـر. حاولت التــسلـل إلى الباحـة الخارجية ثم الـرحيـل». (ص149). يـمـكن أيضاً أن نـعـتـبـر غضب السـارد على المحتفليـن باستـشـهاد صـديـقه يوسف، مـصـدرُه حـبّـه المفرط لصديقه، ما جـعله يـصادر، ضـمـنيـاً، حقه في أن يختار الاسـتـشـهاد من أجل قضية فلسطين، على رغم حداثــة سـنـه؟
إن رواية «خـيـبة يوسف» تـهدف في ما أحسـب، إلى إعادة النـظـر في بعض الشعارات التي طبعـتْ مـمارسات بعض الهيئات والأحزاب، من مـوقع إعـطاء الأسبــقية لـما هـو إنـساني، مـتصـل بالشـعـور الداخلي بدلاً مـن الحسابات السياسية التي تـهمل مشاعـر الـفـرد وحـريــتـه، من أجل غايات تخدم مصلحة الجــماعـة. وهذا انـتقــادٌ بــرَز بـقوة بـعـد فـشـل «الأوتوبــيات» الشيـوعية التي ارتادت مجال المـمـارسة وتـطبــيـق الـمبادئ على أرض الواقـع... لكـنّ الرواية تـشتـمـل في الآن نفــسـه، على ما يشـبه المانيفـيـسـتو المُـنـتـقـِـد للبلاغة الرومنطيقية ولـلسّــرد الـمُـتـزمّــت، الـتــطـهـري، وتــقدم لـلقارئ مثل سابقتها «أورويــل في الضاحية الجنوبيـة» نـموذجاً لكتابة تــكــونُ «معـجونة حواسّ» كما يـقـترح علينا السارد في «خــيـبة يوسف».

   

فوزي ذبيان منتصراً للفرد وحريته اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2018
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير