التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 105
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » رؤى نقدية » محمد جبريل «حلّق وحيداً» فوق أنقاض غرناطة


محمد جبريل «حلّق وحيداً» فوق أنقاض غرناطة محمد جبريل «حلّق وحيداً» فوق أنقاض غرناطة

فاطمة العبيدي (الحياة:) الأربعاء, 27-ديسمبر-2017   02:12 صباحا

محمد جبريل «حلّق وحيداً» فوق أنقاض غرناطة

«إذا رأيت الناس ضلّوا، ووقفتَ أنت وحدك تناضل في سبيل الحق، فاعلم أنك رجل، وأن الخلود لك»، مقولة كيبلنغ هذه التي افتتح بها المصري محمد جبريل روايته «حلّق وحيداً» (المجلس الأعلى المصري للثقافة) لم تكن مجرد جملة يستهل بها روايته، بل كانت التعبير الأشمل لما ضمّته صفحاتها المئة والستون، إذ يعيش «يوسف»، بطل الرواية منفرداً مع ذاته وسط عالم يشق طريقه في اتجاه معاكس للطريق الذي اتخذه لنفسه، يصارع التاريخ والجغرافيا والسياسة والسياسيين والمؤامرات والذكريات والحب والشغف، يجاهد منفرداً على رغم كل مِن حوله من متعاطفين أو حتى مجاهدين.
 «حلّق وحيداً» رواية عليها الامتثال للتصنيف المسمى «الروايات التاريخية» ذلك أن فيها سرداً مفصلاً لأحداث حقيقية، ليست عسكرية، ولا سياسية، وليس عليها أن تكون كذلك، إنما هي سردٌ تاريخي من خلال الذات المنفردة لـ «يوسف». وهي تمثل حقبة مهمة في التاريخ الإسلامي والإنساني بعامة، ألا وهي حقبة سقوط غرناطة؛ آخر معاقل المسلمين في الأندلس. يروي «يوسف» كيف حكم أبو عبدالله (الزغل) مملكة غرناطة بعد تمزق الأندلس إلى ممالك عدة على يد بني الأحمر الذين عجّلت خلافاتهم بزوال ذلك الفردوس الأرضي، وكيف هادَن ملكَ قشتالة وانضوى تحت حمايته، فسقطت الحصون؛ واحداً تلو الآخر. يروي كذلك كيف أدت المصالح الشخصية والخلافات بين العرب والبربر، والخيانات والمؤامرات إلى تمزق مملكة عظيمة إلى ممالك متفرقة، سقطت الواحدة تلو الأخرى، قبل فرض حصار على غرناطة امتد سبعة أشهر، حتى فعل الجوع والخراب فعل الوباء فيها، فلم تعد الأشياء كما كانت من قبل. حلّ الخراب مكان الحدائق الغنّاء والسواقي والنافورات، القلاع والأبراج والشوارع والميادين والساحات والأسواق، لم يبق شيء على حاله، صار الموت بديلاً للأشياء الجميلة، فيما يشد «يوسف» مِن عزم جنوده والناس ليصمدوا حتى الرمق الأخير.
 ويروي كذلك؛ حكايته مع حب عمره؛ «ماريا»، التي كان يلقاها في مكتبة الكنيسة فتبهره بعلمها والشعر الذي تحفظه، بعد أن انبهر بجمالها. هو؛ في ظل ما يعانيه؛ لم يفطن إلى أنها مسيحية، ثم لم يشغله ذلك الأمر كثيراً أو يشكّل حاجزاً بينه وبينها، ففي وقت كان يحدثها عن حربه مع النصارى، كان يحضر معها احتفالاتهم. ظل الوضع كذلك، حتى اصطدم «يوسف» بالحاجز الذي لم يكن يفطن إليه، أو لم يكن يشعر بوجوده، فبعض جنده نصارى، وكانت المسألة بالنسبة إليه هي مسألة دفاع شرعي عن وطنه، بل لم يكن في بادئ الأمر يصدق أنه بعد قرون عدة مِن امتزاج العرب بالأندلسيين، والنصارى بالمسلمين، مازال هناك مَن يدعو إلى التصدي لـ «الغزو الإسلامي». هنا نجد الرواية تأخذنا إلى فلسفة بعيدة مِن الحرب والحصار والجهاد، في حوارات مع «ماريا» والشيخ «عبدالغافر» وغيرهما، عن الفرق بين الغزو والفتح، وهل كانت فتوحات المسلمين غزوات؟ وعن كيف يشعر أصحاب الأرض الأصليون بعد قرون مِن الفتح أو الغزو تجاه الفاتح أو الغازي؟

أسئلةٌ تزرعها الرواية في نفس القارئ، تتجاوز مجرد السرد التاريخي المألوف. «حلَّق وحيداً» رواية التفاصيل التي تأخذك إلى زمان الراوي ومكانه؛ لتعيش معه كل تفصيلة وكأنك جزءٌ من روحه. لا ترى فقط ما يسرده لك من تفاصيل المكان وجمالياته بل تشعر به أيضاً. تقرأ معه بلغة عصره، وتتنفس هواء زمانه ومكانه. التفاصيل في كل شيء، الزمان والمكان وأسماء الأشخاص والكتب وآلات الحرب وغيرها. تفاصيل لا تستطيع أن تمل معها القراءة؛ لأنها تنقلك إلى هناك بانسيابية وسلاسة وعمق. إنها تجربة مكثفة تتفاعل فيها الحضارة مع عوامل ثقافية واجتماعية وتاريخية وإنسانية، عبر رجل ظلّ يكافح وحيداً من أجل وطن تخلى عنه في النهاية، فلم يبقَ أمامه سوى التحليق وحيداً أيضاً.

   

محمد جبريل «حلّق وحيداً» فوق أنقاض غرناطة اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2018
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير