التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 105
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » اضاءة » اليسار اللبناني وأغانيه.. التشرذم الذي قتل الموسيقى


اليسار اللبناني وأغانيه.. التشرذم الذي قتل الموسيقى اليسار اللبناني وأغانيه.. التشرذم الذي قتل الموسيقى

نور صفي الدين (السفير) الجمعة, 19-فبراير-2016   03:02 صباحا

اليسار اللبناني وأغانيه.. التشرذم الذي قتل الموسيقى

أتذكر أنّي كنت جالسة في إحدى المرات مع مجموعة من الشباب اليساريين في إحدى الحانات الموجودة في الحمرا. كانت تلك المرة الأولى التي أعي فيها أهمية الأغنية اليسارية لأشعر بالانتماء إلى المجموعة. أن تغنّي معهم يعني أنّك منهم، أو أنّك تشترك معهم في بعض توجهاتهم.

الغناء بالنسبة لهم هو عملية تذكير بأنّ النضال متلازم مع الوجود حتى في حالة ضرب الكؤوس في أجواء من الفرح بعيداً عن الجبهة، وذلك في محاولة في لاسترجاع وهج مضى، استطاعوا أن يُحيوه في جلساتهم، ولكنهم عجزوا عن بعثه في تحركاتهم.

"شيّد قصورك ع المزارع... مِن كدنا وعمل إدينا.. والخمارات جنب المصانع... والسجن مطرح الجنينه... واطلق كلابك في الشوارع... واقفل زنازينك علينا"، هكذا غنّى الشباب للشيخ إمام ورفعوا أصواتهم في المكان وكأنهم يحاولون بأصواتهم إيقاظ الماضي البعيد وإعادته إلى الحياة مجدّداً.

كانت الأغنية اليسارية ترافق المقاتلين أيام الحرب خلال صعودهم إلى الجبهة. لم تكن الأغنية سلاحاً عادياً، كانت تلك الرصاصة التي يطلقها المذياع لتبث روح القتال في صفوف المناضلين فتعلو على صوت المدافع. كانت الأغاني اليسارية في الثمانينيات تُكتب من عمق المعاناة فتمثل العقيدة التي تؤكد انتماء ووطنية كل يساري يسمعها، وتؤثر في أشخاص لا يروون أنفسهم يساريين، لكنّهم شعروا بضرورة النضال في تلك الفترة. أشعار محمود درويش وطلال حيدر وشوقي بزيع مغنّاة بصوت أميمة الخليل كانت كافية لتشد الناس للإيمان بفلسطين والشهداء. أما اليوم فأصبحت الأغنية اليسارية تشكل رمزية تاريخية لحقبة معينة. يرى قسم من الناس بأنّها لم تستطع تشكيل وعي جديد لأنّ وفاءها للماضي أغفلها عن الحاضر، فبدل أن تمدّ جسراً بين ما مضى وما يحصل، انقطعت عن اليوم.

إذا أردنا تعريف الأغنية السياسية يمكن أن نقول إنّها أغنية تتناول قضايا الوطن والمواطن والتغيير الداخلي. وإذا أردنا أيضاً التمعّن في تراجع تأثير هذه الأغاني فلا بد من النظر إلى واقع اليسار المتشرذم اليوم. فإذا كانت الأغاني اليسارية في الماضي قد وحّدت صفوف اليساريين ضد عدو أراد استباحة أرضهم، وكانت ذلك الصوت الواحد الذي يُطلقه الناس للمطالبة بلقمة العيش وحقوقهم الاجتماعية، فهي اليوم في قلب الصراع بعد استياء اليسار نفسه من مشاكله الداخلية. كيف للأغنية اليسارية إذاً أن تدعو الناس إلى الوحدة والنضال عندما يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: أين اليسار اليوم؟ أو مَن هو اليسار؟ فعلى الرغم من الطابع الأممي الذي تحمله هذه الأغاني التي تحاكي الفقر والجوع والصراع الطبقي والطفولة إلّا أنّ غياب الحوار بين فرقاء اليسار كان له تأثير بالغ على الأغنية.

في الحقيقة، أعادت الأغاني اليسارية استهلاك مجدٍ تاريخي حقّقه اليسار لتخفي التناحر الفكري الذي يعيشه. بين يسار ليبرالي ويسار راديكالي، وبين يسار رفض التدخل في سوريا ويسار رأى بأن ما يحصل في سوريا هو ثورة، وبين يسار وجد في ثورة الأرز.

في مقطع من أغنية "هيدا زمانك" لخالد الهبر يقول: "يا حزب الناس الموعودين وينو وعدك، الناس يلي صاروا منسيين صاروا عندك، شبابك صاروا بمطارح وإنت بمطرح لوحدك". يدعو الهبر الذي غنّى في فورة السبعينيات والثمانينيات أغاني نضالية، حزبه المفكك للنهوض من أجل الناس. أما بالنسبة لسامي حواط، صاحب الصوت اليساري والملتزم بفكره منذ 1974 والذي يرفض التخلي عنه، فإنّه يصف وضع اليسار بالمحبط، وهو لا يعتقد أن المشكلة في اليسار وحده بل بالأشخاص الذين ينتمون إليه أيضاً، فيصف بعضهم "بالانتهازيين". ويرى أن المشكلة في الأغنية السياسية لليسار هي مشكلة استمرارية الفكر. "لا يمكن أن تقول إنك تعبت من الغناء، عليك أن تستمر، توقفك عن تقديم أغانٍ جديدة يعني أنّك لم تعد مقتنعاً بالفكر الذي كنت تتغنى به يوماً"، يقول حواط.

لم يتمكن اليأس من حواط، بدت كلماته صدى شعار الحزب الشيوعي"منمشي ومنكفي الطريق". ربما وحدها أغاني زياد الرحباني تلقت إجماعاً من اللبنانيين كافة واستمرت، فهي بالجزء الكبير منها تحاكي الطائفية بطابع السخرية، "يا زمان الطائفية" هو زمان دائم، ولحالة زياد الرحباني خصوصية، فالصورة التي أحاطه الإعلام بها كانت كافية لضمان تأثيره.

لا يمكن أن تصف حالة الوطن اليوم وأنت لا تعايش هذه الحالة، قد يكون الوصف دقيقاً، لكنّه قد يُغفل العديد من التفاصيل. ولا يمكن أن تدافع عن فكرة أنت لستَ مقتنعًا بها، الأغنية اليسارية ليست أغنية فردية بل أغنية جماعية مرتبطة بهوية شعب ويومياته التي يعيشها.

ربما لو كان الشيخ إمام وسيد درويش، اللذان عايشا الفقر، على قيد الحياة لما توقفوا عند أغانيهم التي أحبّها الشعب وأنتجوا المزيد. مثلاً، توقف مارسيل خليفة عن إصدار أغانٍ جديدة، كأنّه لم يعد هناك شيء يُقال. أمسى مارسيل بعيداً عن هموم الشعب، واتخذ من فرنسا مسكناً له، وكيف لنا أن نتأثر بأغنية "يا رايح صوب بلادي" لأحمد قعبور دون أن ننسى أن قعبور لم يعد يسارياً.

هذا التعلق بحقبة تاريخية جعل اليسار اللبناني يشيخ أكثر، فانحصر تمثيله بالقدامى ولم تنهض به روح الشباب إلا متأخراً، وقد تكون بدايتها مع إصدار ريان الهبر الجديد. وقد يكون التمسك بالأغاني اليسارية القديمة أمراً إيجابياً في ظلّ حالة التشرذم التي يعيشها اليسار، فهي تبقى اللغة المشتركة وربما الوحيدة التي تدلّ على وحدة اليساريين الذين يختلفون اليوم حول العديد من القضايا.

   

اليسار اللبناني وأغانيه.. التشرذم الذي قتل الموسيقى اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2018
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير