التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 96
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » اضاءة » فاروق وادي ... فلسطينيٌ في حرب بيروت وحبها


فاروق وادي ... فلسطينيٌ في حرب بيروت وحبها فاروق وادي ... فلسطينيٌ في حرب بيروت وحبها

عمر شبانة (الحياة اللندنية:) الإثنين, 21-مارس-2016   02:03 صباحا

فاروق وادي ... فلسطينيٌ في حرب بيروت وحبها

صور الموت في مظاهره التي لا تحصى، وخصوصاً الموت بأشكاله الناجمة عن الحرب، هي ما يشغل فاروق وادي في كتابه الجديد «ديك بيروت يؤذِّن في الظهيرة: كتاب الحرب» (منشورات “ضفاف” في بيروت، ومكتبة “كل شيء” في فلسطين)، الذي يضمّ ثلاثة وعشرين نصاً/ حكاية، تراوح في الطول بين صفحة واحدة وما يقارب خمس عشرة صفحة، يلتقط المؤلف في كلّ حالة منها واحدة من صور الموت، مع عناية كبيرة بالتفاصيل واهتمام هائل باللغة، دقّتها وجمالياتها، لتبلغ حدود الشعريّة في مواضع كثيرة من السّرد.

بيروت هي المكان، بشرقيّها وغربيّها، فالزمن زمن الحرب التي سمّيت أهلية، زمن الموت المجاني والحواجز الطائفية العبثية، في مدينة نشعر منذ السطر الأول في النص الأول («ذلك الصهيل») بالموات، في صورة الغياب القاسي الطويل لرائحة الأنثى، في بيت جبلي تغلب الذكورة على فضائه، حيث ثلاثة ذكور وأنثى وحيدة «حلّت عليهم بخُضرتها الآسرة، فاشتعل المكانُ بكيمياء عيون تطفر منها شهوات فادحة، متطلّبة، تحاول إخفاء توتّر مخاتل».

ثم تتعدد صور الموت والغياب حتى تبلغ ذروتها في النص الأخير «شُرفة على شجرة الأرز»، حيث التكثيف لحالات موت متعدّد الأسباب لمن سكنوا الذاكرة، وحيث غياب الأشياء المألوفة والحميمة: صورة على الجدار، حديقة، شجرة الأرز من الشرفة، وهو نص يتحرك بين الواقعي والمتخيّل، من خلال ذاكرة شخص جرى تهجيره بعد حصار بيروت والحرب عليها 1982، ليشهد مجموعة من الغيابات لأشخاص ورحلوا كلّ بطريقة.

ربّما يستطيع قارئ هذه النصوص السردية جمعها تحت عنوان «رواية»، يجمعها شخص الراوي من جانب والزمان والمكان من جانب آخر، ومصائر البشر متمثلة في الموت بوصفه «البطل» الرئيس في الكتاب، لكنّ الحبّ حاضر في عديد من العلاقات بين «شخوص» الكتاب، علاقات يرسمها المؤلف بمقدار كبير من الحب والتفاصيل الحميمة، الرومانسية في الغالب، أو الواقعية المتكئة على مفردات الجنس الناعم، وسط مناخات الحرب والقتل في أقسى صوره.

ولعلّ من أبرز صور الحبّ علاقة «لولو» المسلمة و «فادي» الماروني، التي أثمرت زواجاً مدنيّاً، وعلاقة «البطل» في نص «الديك يؤذن في الظهيرة» مع سيلفيا، وذكريات الخجل من الحب الرومانسي في القرية، وليلة ساخنة في بيته، وديك يصيح في الظهيرة فتهرب سيلفيا.. وهجوم على باص عين الرزانة الذي تركبه سيلفيا وتختفي مع ضحايا الحادث. وغير ذلك من علاقات.

وما بين شفافية الحب ورومنطيــقــيته في الكتاب، وبين قسوة الموت ووحشية القتل، نلمس الاشتغال الهادئ والرصين على نصوص الكتاب، وتناول التفاصيل على نحو لم يتم في الكثير من نصوص رواية الحرب اللبنانية، حيث الكثير من شخوص العمل هنا هم من الفلسطينيين الذين يُعتقل الواحد منهم لمجرّد كونه فلسطينياً، وفي منتهى البساطة الخالية حتّى من الدهشة والاستغراب.

وكما لو كان يستعيد تجربته البيروتيّة، يكتب فاروق وادي بكثير من الحميمية، ولكن بقدر كبير من الموضوعيّة والصراحة والصدق، فيبدو كمن يخوض حربه الخاصة، عبر مشاهداته ومسموعاته وربما مقروءاته، لكن حجم الواقعية يفوق المتخيّل، حتى لو كان ثمة قدر من «الشطح» على مستوى التصوير المشهدي، لكنّه الشطح الفنيّ الواقعيّ، ويكاد يقتصر على اللغة الفنية الراقية، بلا مبالغات أو «ميلودراميّات» مجّانية، بل غوص في الحالة النفسانية للشخوص قد يرفع البعض إلى مستوى الأسطورة، كما هو حال «جميلة»، التي «تأكل بثدييها» لكنها تحتفظ بالقبل للحبيب المنتظر، وحين تعطي شفتيها لرجل سرعان ما يختفي وتبدأ عذاباتها القاسية وتصاب بحالة من الجنون المتصل بجنون الحرب، ثم لا تلبث أن تختفي هي مع جملة من تفسيرات هذا الاختفاء.

وتتمدّد «الأسطرة» إلى شخوص آخرين، كما هو حال «بطرس»، الذي تدور الشائعات حول التهمة وراء اعتقاله، بين كونه جاسوساً لإسرائيل، أو للفلسطينيين، وغير ذلك، وبين بوحه بمضاجعة أخت زوجته وإنكاره قتلَها، أو «أسطرة» أحوال القتل المجّاني، كما يحدث على أحد الحواجز، حيث القتل بدم بارد، والتصوير الحي للمشهد «يقتلك بدم بارد، ثم يدخن سيجارة مشتهاة، وهو يرتشف جرعة من زجاجة بيرة في يده شارفت على نهايتها»، أو حيث الرصاص يضجر من غياب القتلى ربّما «يطلق أحدهم رصاصته الضجرة في رأسك ثم يمضي».

في نص «اليوم الخامس» ثمة فرقة موسيقية تعزف للموتى، للقادة أو الناس العاديين، لكنها في لحظة ما تكون هي ضحية القتل، إذ يذهب أفرادها السبعة ضحية انفجار يودي بحياتهم. ومن الأشكال الغريبة للموت العبثيّ، ما تواجهه «فيوليت» حين تصاب بالحمّى، وتتصل بأصدقائها ليأتوها بمكعبات الثلج، فيتجمّعون كل بأكياس ثلجه، وبعد أن تزول عنها الحمّى، ويقضي معها الأصدقاء سهرة عابثة ويغادروا، تتعرّض لموجة برد صقيعيّة بسبب كميّات الثلج، وتجدها الشرطة ميتة، في مشهد شبه فانتازي.

الكثير من الموت والعبث، والكثــيــر من الفـــانـــتـــازيــا والسورياليّة، في هذا العمل السردي المتفرّد، والكثير من القسوة والتراجيديا في ثياب الكوميديا السوداء حدّ التهريج. هذا ما تعبر عنه مشاهد في قصة «نجمة صغيرة متلألئة»، التي نجد فيها رجلاً وحيداً في بيته يتعاطى العرَق، ويكتشف فجأة أن ما ظنّه نجمة ليس سوى جمر سيجارة لشخص مسلّح يقيم حاجزاً داخل بيته، ويمنع التجول بين الغرفة والمطبخ، ويطلب منه الهوية؟ بل إن الرجل الذي اعتاد القصف والموت، يستهجن توقف ذلك كله، ويتساءل «فماذا أفعل دون قذائف؟»، ويقرر المشاركة في الحرب التي «لم تتوقف عن الاشتعال بين شرق المدينة وغربها»، بينما لا يعرف هو «مع الشرق أم الغرب؟».

   

فاروق وادي ... فلسطينيٌ في حرب بيروت وحبها اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2017
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير