التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 96
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » اضاءة » طاغور لغة الحب والزهور


طاغور لغة الحب والزهور طاغور لغة الحب والزهور

عبد الواحد لؤلؤة (القدس العربي :) الإثنين, 12-يونيو-2017   02:06 صباحا

طاغور لغة الحب والزهور

رابندراناث تاكور هو اللفظ الصحيح لاسم شاعر البنغال، العالمي الشهرة، لكن الترجمات الأولى قلبت حرف التاء إلى طاء، جرياً على عادة النقلة المتأثرين باللغة السريانية من بلاد الشام وقلب الكاف الأعجمية إلى حرف الغين، كما فعل أسلافهم في اسم غرناطة، وغريغوري، فصار الخطأ الشائع أفضل من الصحيح المهجور. ولد الشاعر في البنغال، بشرق الهند، في ما يعرف اليوم باسم «بنغلادش» في السابع من أيار/مايو 1861 لأسرة ثرية رفيعة الشأن، ودرس الآداب السنسكريتية والبنغالية والإنكليزية إلى جانب الموسيقى. وفي الثامنة من عمره نظم أول أشعاره، وبعضها باللغة المحكيّة، لكن انتاجه الشعري بعد ذلك زاد عن ألفي قصيدة تجمّعت في أربع وأربعين مجموعة، إضافة إلى 12 رواية و11 مسرحية شعرية أو موسيقية. وقد زار إنكلترا وهو في السابعة عشرة من العمر، وجلب انتباه أدباء العصر لما في شعره من جمال عاطفي وموضوعات في التصوّف لم تَعُد مألوفة في الشعر الإنكليزي في بدايات القرن العشرين. كان من أكبر المعجبين بهذا الشاعر الهندي البنغالي، القادم من أراضي الإمبراطورية البريطانية، الشاعر الإرلندي و.ب.بيتس وقد توسعت شهرة هذا البنغالي حتى بلغ جائزة «نوبل» عام 1913.
وقد طلب مني المجمع الثقافي في أبوظبي ترجمة مختارات من شعر طاغور إلى العربية، عن صيغة إنكليزية، أعدّتها عن النص البنغالي سيدة من بلاد الشاعر، تقيم في بريطانيا وتتقن الإنكليزية، إلى جانب لغتها الأم. ولهذه السيدة إبنة مولودة في بريطانيا، أتقنت اللغة الإنكليزية في مدارس بريطانيا، مما جعل الأم تحسّ أن لغة الإبنة أدق من لغة الأم في تمثيل الصور والاستعارات، فكانت تنقيحات الابنة في مصلحة ترجمة الأم براتيما باونر وفي مصلحة الصيغة الإنكليزية من الأشعار المنتقاة من النص البنغالي. وقد استمتعتُ أنا في النقل إلى العربية، وصدر الكتاب عن المجمع سنة 1995.
وترجمة الشعر مغامرة تقع تحت تهديد الجاحظ (ت 255 هـ/868م) الدكتاتور الأدبي من العصر العباسي. «الشعر لا يُستطاع أن يُترجم، ولا يجوز عليه النقل… وإلاّ تقطّع وزنه وذَهب حُسنُه وسقط موضع التعجّب فيه». ولكن لدينا، ومعذرة من جدنا الجاحظ، أمثلة من ترجمة الشعر من لغة إلى غيرها لا نقدر على تجاهلها ولا إهمالها. فثمة ترجمة الشاعر الإنكليزي ألكسندر بوب (1688 ـ 1744) الذي ترجم مقاطع من الياذة هوميروس، وهو لا يعرف الإغريقية، بل كان يحضر مجلسه الأدبي صفوة من شعراء عصره وأدبائه، يتحدثون عن آداب الإغريق واللاتين، ويقرأ أحدهم مقاطع من إلياذة هوميروس ويترجمها شفوياً، فيلتقطها «بوب» الشاعر الموهوب، وفي تلك الليلة يخلو إلى نفسه وينظم بالانكليزية ما حوته ذاكرته من شعر هوميروس. صحيح، كما يرى العارفون، أن منظومات «بوب» لم تكن دقيقة، لكنها كانت مفهومة ومفيدة. وفي عصرنا الأقرب نجد إدوارد فتزجيرالد (1809 ـ 1883) أول شاعر ترجم «رباعيات الخيّام» إلى الإنكليزية عام 1859، فأحدثت أثراً كبيراً يضارع أثر «أصل الأنواع» كتاب شارلز داروين الذي نشر في العام نفسه. يرى العارفون باللغة الفارسية أن مختارات الشاعر الإنكليزي من رباعيات الخيام ليست دقيقة الترجمة، مع حُسن معرفته بلغة الأصل. لكنها ترجمة جميلة في شعريتها وصورها. ولدينا ترجمة أحمد رامي لرباعيات الخيام التي لا يجادل العارفون بلغة الأصل حول دقتها وجمال عبارتها، ولو أن كثيراً من الباحثين يرى أن ترجمة الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي (1897 ـ 1977) هي الأفضل دقة وشاعرية. وثمة أمثلة من الترجمة، في غير مجال الشعر، تعتمد على لغة وسيطة، أبرز أمثلتها ترجمات «دار الحكمة» في عصر المأمون العباسي. ولدينا أعمال ابن المقفع (724 ـ 759) الفارسي الأصل، العربي الثقافة الذي ترجم عن لغته الأم ـ الفارسية، إلى لغة ثقافته – العربية، ترجمات في غاية الدقة والإمتاع. لكنه ترجم عن الهندية بتوسط الفارسية روائع القصص بالعربية، بما لا يساور القارئ شك حول رحلتها من لغة إلى ثانية، إلى ثالثة. وكل هذا يعتمد على الموهبة اللغوية والأدبية عند الناقل.
وكل هذا يقودنا إلى ترجمة «أغانٍ وأشعار» من أعمال طاغور بجهود سيدة أديبة من البنغال، نقلتها إلى الإنكليزية ببراعة ودقة، كما نفهم من مقدمتها المستفيضة. وجاء نقلي إلى العربية كأني أقرأ البنغالية بلسان إنكليزي، لا يستوقفني سوى أسماء الزهور الغريبة التي زادت عن الخمسين عدداً، وأسماء الأشجار، ومواسم السنة الهندية وما إلى ذلك مما استدعاني إلى الإكثار من الهوامش والشروح، التي هي في الأصل من عمل السيدة براتيما باويز نقلتها بصورتها البنغالية، ونقلتُها أنا إلى العربية، باصطناع الحروف العربية المعجمة، بوضع ثلاث نقاط تحت حرف الباء، وفوق حرف الفاء، وتحت حرف الجيم، ووضع خط فوق حرف الكاف لرسم ألفاظ الأحرف الأعجمية.
أغلب مجموعة «أغان وأشعار» هي قصائد حب، رومانسية الهوى، صوفية المنحى، مما استطابه القراء بالانكليزية في بدايات القرن العشرين، والحياة الأوروبية تسير نحو اليباب الذي انتهى بحرب عالمية طاحنة. وما جاء بعدها يبابٌ صوّره إليوت. هذه مختارات من أغاني الحب تدور في مجال الطبيعة من نجوم وسماء وفجر وغاب وزهور، تأتي في ســطــور متلاحقة، رأيت أن أقدّمها سطوراً متتالية مراعاة لحدود الصفحة:
«السماء ملأى بالنجوم والشمس/ وهذي الأرض تنبض بالحياة/ وبين كل هذا أنا أيضاً لقيتُ مكاناً لي/ من هذا البهاء تولدُ أغنيتي/ على اصطفاق المد والجزر من زمان الأزل/ ينداح العالم/ ينسلُّ خفقه إلى مسيل الدم/ الذي ينساب في عروقي/ من هذا البهاء تولد أغنيتي/ وطِئتُ العشب في مروري بالغاب/ وذهني منتشٍ بالدهشة يحملها أريج الزهور/ وحولي نثار من عطايا بهيجة/ دنوتُ بسمعي، فتحتُ عينيّ/ وعلى صدر هذي الأرض سكبتُ حياتي/ بحثاً عن المجهول في كل ما أعلم/ هذا البهاء يولدّ أغنيتي».
أين نحن في هذا الزمان «اللايوصف»، من هذه الأحاسيس الروحانية الرقيقة؟ أم أن هذا كله «كلام شعراء» عن عالم لا يوجد إلا على صفحات الأوراق، أوراق الأشجار والأزهار، لا يتساوق مع عالم نلمسه كل يوم فتخدشنا خشونته؟
والحب عند طاغور الذي من بنغلادش، ليس كالحب الجسدي في «نشيد الأنشاد» الذي لسليمان. هذا حب تصوّف استهوى شعراء بواكير القرن العشرين في بريطانيا، بعيدة العهد بشعراء القرن السابع عشر من أصحاب المدرسة «الماوراطبيعية» مثل جون دَن ورهطه، بينه وبين شعر ابن الفارض ورابعة العدوية قرابة ومنها الصبابة. هذا حب يذوب في الذات الإلهية، لاحب تديّن وادّعاء.
«تقبّلني هذه المرة، يارب، تقبّلني/ لا تبتعد عني/ هاك قلبي ولتظل معي/ لا أريد تكرار تلك الأيام/ التي تخلو منك/ فخلِّها لتصير إلى تراب/ ولتتفتح حياتي الآن على نورك/ لتبقى يقظة إلى الأبد/ لا أدري ما الذي أضلّني/ وأي وعدٍ أغواني/ فرحتُ أهيم على وجهي/ في الدروب، وبين المروج/ ربِّ ادن بوجهك من قلبي/ وبلِّغني رسالة من عندك/ خطايا كثيرة، ضلالات شتى/ ما تزال تكمن/ خبيئة في قلبي/ لا تبعدني ثانية بسب ذلك/ يارب، بل طهرها بالنار/»
كم من الأرواح والأنفس، هذه الأيام، بها حاجة للتطهُّر بالنار؟
بعيداً جداً عن «إسندوني بأقراص الزبيب، أنعشوني بالتفاح، فاني مريضة حباً». صورة الحب عند طاغور أصفى اتصالاً بالطبيعة بزهورها وأشجارها:
«أقبلتِ يا فاتنة عينيّ/ أي جمال أرى إذ أفتح ناظريّ!/ تمشين على أكداس من نثار الزهور/ على العشب بلّلَه الندى/ قدماك مخضبتان باحمرار اللون/ من سنا الشمس في البكور» .
ألا يحق لنا أن نسرح قليلاً عن صور الغرقى في بحار اللجوء المستحيل والقتل بالمجان؟

   

طاغور لغة الحب والزهور اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2017
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير