التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 99
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
الكاتب : حبيب سروري
الكاتب : أمير تاج السر
  
الرئيسية الرئيسية » مناقشات » "المذلولون" أبطال الحياة اليومية المعاصرة


"المذلولون" أبطال الحياة اليومية المعاصرة "المذلولون" أبطال الحياة اليومية المعاصرة

خالد غزال (الحياة:) الأربعاء, 02-مارس-2016   02:03 صباحا

معروف أن موضوع «الإذلال» يدرس من منظور نفسي – اجتماعي، وما يتركه من أثر سلبي على الشخصية الإنسانية. لم يسبق أن كان الإذلال - والمذلولون - بصفته نظاماً يحكم العلاقات الدولية في عصرنا الراهن، فهو تعبير عن الاختلال في النظام الدولي يحيل إلى فرضية «الباثولوجيا الاجتماعية» أي علم الأمراض الاجتماعية وفق ما كان عالم الاجتماع إميل دوركهايم قد عالجه، وهذه الأمراض يمكنها أن تتسبب بصراعات وعذابات اجتماعية. الجديد أن الإذلال بات أحد العناصر المحددة للحياة اليومية المعاصرة، والمسبب لنزاعات أشد وأدهى من تلك النزاعات المحلية التي تدور في كل بلد. هذا الموضوع تتمّ مقاربته من جانب الكاتب والمحلل الاجتماعي الفرنسي برتران بديع (Bertrand Badie) في كتاب صدر له حديثاً في عنوان «زمن المذلولين، باثولوجيا العلاقات الدولية» (المركز العربي للأبحاث والدراسات، ترجمة جان ماجد جبور ومراجعة أنطوان أبو زيد وسعود المولى)

يقول الكاتب أن المنظور الدوركهايمي أملى عليه مسألتين حكمتا مسار بحثه: ما الذي وفر للإذلال موقعاً بهذه الأهمية في اللعبة الدولية؟ ولماذا يؤدي الإذلال بهذه البساطة إلى مفاقمة العنف الدولي؟ بتعبير آخر، كيف تنشأ حالة مرضية في نظام دولي؟ وكيف يمكن تفسير طاقتها التدميرية؟ ويرى بديع أن القيام ببحث كهذا يتعارض مع ما علمتنا إياه «سياسة القوة» التي تلصق دوراً استباقياً بالأكثر قوة، ودوراً تفاعلياً بالآخرين. لكن انقلاب الأدوار يلحظ يومياً في العلاقات الدولية، وهو أمر يحتاج إلى تفسير. لعل النظرة إلى طبيعة هذه العلاقات الدولية خلال القرون الثلاثة الأخيرة تظهر التحولات التي نقلت أوروبا من مركز الصدارة إلى الولايات المتحدة الأميركية، خصوصاً في القرنين العشرين والحادي والعشرين. في زمن الهيمنة الأوروبية، تعاطت بلدانها في شكل إذلالي مع بلدان - وشعوب - الدول غير الأوروبية، رأت إليها من موقع دوني، وتعاملت مع بلدان عريقة في حضاراتها مثل الصين والهند، ناهيك ببلدان الشرق الأوسط وأفريقيا، في وصف شعوب هذه البلدان متخلفة ولا تستحق أن تكون على قدم المساواة مع الجنس الأوروبي. لكن التطورات العالمية، خصوصاً مع مفاعيل العولمة التي أعطت الولايات المتحدة الأميركية مركز الصدارة في العالم، جعلت الدول الأوروبية تشعر بأنها في موقع مذل أمام الولايات المتحدة التي باتت تحدد مصير العالم وتقوده في شكل احادي. وهو ما جعل أوروبا في حالة من الركوض من أجل الحد من التفاوت الهائل الذي يفصلها عن الولايات المتحدة.

إذا كان الإذلال يجد تعبيراته باختلال التوازن الدولي، تبقى مظاهره الكبرى متجلية في اللامساواة الهائلة داخل كل بلد بين الفئات الاجتماعية، وبالعلاقة بين بلدان العالم. ومما لا شك فيه أن العولمة الزاحفة والمتصاعدة في نفوذها، اخترقت كل المجتمعات في العالم، وجعلته أقرب إلى «قرية صغيرة»، وألغت المكان والزمان. لكن مفاعيلها الاجتماعية المتمظهرة باللامساوة الاجتماعية، تسببت ولا تزال في نزاعات داخلية في كل بلد، وفي حروب أهلية يمكن القول أنها تشكل أعلى درجات الإذلال للشعوب في العالم. لعل المشهد الراهن في أكثر من مكان في يشير إلى العنف المندلع في أشكال متعددة هو في حد ذاته تعبير ونتيجة للإذلال الذي تعاني منه هذه الشعوب. يشير الكاتب إلى هذه القضايا قائلاً: «إننا نشهد كيف ينبري فاعلون من أعلى المستويات أكثر فأكثر لموضوع الإذلال من أجل التنديد ببعض التجاوزات. لقد أشار إلى ذلك البابا فرنسيس أكثر من مرة، وتناوله باراك أوباما شخصياً، في شكل مضمر في الأقل، حين حاول أن يشرح لماذا تمتع داعش، على رغم جرائمها، بقاعدة اجتماعية لا يستهان بها. في الوقت عينه، لا يقتصر الإذلال على معسكر واحد، إذ يمكن أن يكون القوي أيضاً عرضة للإذلال، وهذا ما يحصل بالفعل على نحو مضطرد. فالتقليل من شأن القوة يساهم بالطبع في استضعاف أولئك الذين يمتلكون قدرة عسكرية تعجز عن تأدية الغرض المرجو، بعد أن كانت تعتبر في ما مضى قوة لا تقهر».

يعدد الكاتب بعض نماذج الإذلال والديبلوماسيات العائدة إليها، فيشير إلى نموذج الإذلال بواسطة الانتقاص. هذه الصيغة تقتضي فرض تحجيم قاس على المهزوم في ما يعود إلى ما كان يتمتع به من قوة، وهو ما سيؤدي إلى خلق حالة من التوتر والانفعال لدي الرأي العام. لعل نموذج هزيمة ألمانيا في الحربين العالميتين والشروط المذلة التي فرضت عليها أفضل تعبير عن هذا النموذج. النموذج الثاني هو الإذلال بواسطة إنكار المساواة، خصوصاً على مستوى العلاقات بين الدول. خير تعبير عن هذا النموذج كان الاستعمار الذي كان يرفض التعاطي مع الدول والشعوب التي استعمرها على أنها مساوية الأعراق التي ينتمي إليها هذا الاستعمار، أو عبر التدخل العسكري بحجج متواهية. هذا النموذج ترتب عليه قيام حركات تحرر تسعى إلى استعادة السيادة وترفض التمييز بين البشر. النموذج الثالث هو الإذلال بواسطة الإقصاء، يستند هذا النموذج إلى رفض القبول بالآخر، وممارسة سياسات تعيق تنمية هذا البلد أو ذاك، ما يساعد على تعميق الحرمان للشعوب، ودفعها إلى ممارسة سياسة اعتراضية يمكنها أن تتخذ أشكالاً متفاوتة، من الديبلومسية إلى العنف. أما النموذج الرابع فهو الإذلال بواسطة الوصم، وهو يقوم على «التنديد المزري بالآخر في ما يميزه عنا». في الزمن الحاضر، يتمّ اتهام الإسلام والدول الإسلامية، بالجملة، بأنها راعية الإرهاب، ما خلق ثقافة غربية تصم الإسلام بإنتاج ثقافة فاشية وتبرير الإرهاب والعنف.

تحتل انتفاضات العالم العربي موقعها في الكتاب تحت عنوان «استعصاءات الربيع العربي»، فهذا الحراك كان له طابعه الاجتماعي بامتياز، وهو انفجار «انطلق من تحت». ربط خيط بين هذه الانتفاضات جميعها أطلق عليه الكرامة واستعادتها من جانب الشعوب العربية بوصفها رداً على الإذلال الذي عانته هذه الشعوب طوال عقود من هيمنة أنظمة الاستبداد، والقمع الذي تعرضت له على يد أجهزتها الأمنية، ناهيك بالتهميش الذي طاول فئات اجتماعية واسعة. لعل استعادة بعض الشعارات التي انطلقت على امتداد السنوات الماضية تظهر كم أن هذا الإذلال للشعوب أوصل إلى الاحتقان الذي انفجر رفضاً للأنظمة القائمة. إن المسار الذي اتخذته هذه الانفجارات، والعجز عن تحقيق مطالب «المذلولين» لا ينتقص بتاتاً من أهمية الانفجارات التي حصلت. للانتفاضات أسبابها الموضوعية القائمة بذاتها، وللمسار الذي سلكته له عوامله المتصلة بعجز المجتمعات العربية عن الدخول في الحداثة، وبانهيار موقع الدولة لمصلحة العصبيات العشائرية والقبلية والطائفية، ما جعل هذه الانتفاضات تسلك في معظمها طريقاً أوصل بعضها إلى حروب أهلية مدمرة.

لعل الكاتب يرغب في إعطاء خلاصة حول حال الإذلال وعوامله فهو يرى أن التقدم الهائل للعولمة قابلته سياسة ممنهجة لإنكار الآخر، أي رفض الآخر، من طريق التنكر لحقوقه في غالب الأحيان، بل أيضاً التنكر لتمايزه. فباسم نظرة للعالمية منغلقة على ذاتها، بدت الغيرية خاضعة للمقاييس التي يفرضها الأقوياء... حينئذ بدأت المأساة الكبرى.

   

"المذلولون" أبطال الحياة اليومية المعاصرة اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2017
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير