التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 99
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » مناقشات » واسيني الأعرج: الكتابة خيار حياتي


واسيني الأعرج: الكتابة خيار حياتي واسيني الأعرج: الكتابة خيار حياتي

منير عتيبة (ميدل ايست أونلاين:) الأربعاء, 15-يونيو-2016   01:06 صباحا

واسيني الأعرج: الكتابة خيار حياتي

كان يوما استثنائيا في حياة مختبر السرديات الذي أشرف عليه بمكتبة الإسكندرية، فأخيرا؛ وبعد تنظيم استغرق أكثر من ستة أشهر، ها هو واسينى الأعرج في الإسكندرية، الكاتب الذي قرأته فأحببت كتابته، والذي قابلته مرة وحيدة في ملتقى القصة بالقاهره عام 2009 فأحببت شخصه، ذلك الكاتب/الإنسان الساحر، بسيط كما البساطة وهو يحكي عما يحب؛ وخصوصا جدته وجذوره الموريسكية والأمير عبدالقادر، وعما يكره؛ وخصوصا الاستبداد والتخلف والعنف، تحملتُ وتحمل معى بعض الأصوات الزاعقة، مصرية وجزائرية، لماذا تستضيف أديبا جزائريا؟ لماذا توافق على الذهاب إلى الإسكندرية؟

كان رهاننا على الأعمق، على الأصيل في المثقف وفي الإنسان العربى، وهو ما شهدته الجلسة المسائية، أكثر من مائتين فردا حضروا له، ليناقشوه ويستمعوا إليه، يعبروا له عن حبهم له وإعجابهم بأدبه ومواقفه، ولا واحد منهم فتح موضوعات صغيرة، لكنه هو نفسه؛ بذكاء ونعومه، فتح الجرح الواهي، وطهره، وتركه ليُنسى، أمضيت معه معظم اليوم على شواطئ الإسكندرية الساحرة، امتدت نقاشاتنا طويلا، كنت أتكلم قليلا، وأستمع إليه معظم الوقت، فهو كمحدث لا يقل عنه براعة ككاتب.

أثناء اليوم كان معنا الأصدقاء الأديب إبراهيم عبدالمجيد والدكتور خالد عزب والصحفى حسام عبدالقادر، كانت النقاشات تشرق بنا وتغرب، لكنها تعود في النهاية إلى النقاط الأساسية التي تشغل كل مثقف عربي ينظر خلفه بغضب وأمامه بترقب لما يخبئه الغد غير المأمول كثيرا.

وكم كانت سعاتى بالإيميل/وسام التقدير الذي أرسله لي بعد الندوة بأيام:

"عزيزي منير. كل المحبة والتقدير. كنت أود أن أشكرك وأشكر كل الأعزاء على محبتكم العالية. كان اللقاء ناجحا يليق بكم ويليق بمكتبة غالية على قلب كل عربي، فهى مفخرتنا العالية والكبيرة. أشكر كل الساهرين على مختبر السرديات على رأسهم أنت والأستاذ خالد عزب والأستاذ حسام عبدالقادر وكل الذين لم تتح لي فرصة اللقاء بهم، الذين أتاحوا لي فرصة اللقاء مع جمهور رائع جمعتني به القراءة قبل أن تجمعني به حميمية اللقاء. ألف شكر لك أيها الغالي وممتن جدا".

ولد واسيني الأعرج في سيدى بوجنان (تلمسان) بالجزائر عام 1954وتابع دراسته بالجزائر ثم بدمشق حيث حاز على الدكتوراه ببحث عن الرواية الجزائرية المكتوبة بالفرنسية والعربية. درس في عدة جامعات عربية وأجنبية وأشرف على إصدارات أدبية عديدة. يعمل أستاذا محاضرا وزائرا بإحدى جامعات فرنسا. من أعماله: جغرافية الأجساد، وقائع من أوجاع رجل غامر صوب البحر، وقع الأحذية، نوار اللوز، مصرع أحلام مريم الوديعة، ما تبقى من سيرة لخضر حموش، رمل الماية، سيدة المقام، أسماك البر المتوحش، حميدا المسير دى الطيب، ضمير الغائب، شرفات بحر الشمال، المخطوطة الشرقية، كتاب الأمير مسالك أبواب الحديد، البيت الأندلسى.

وفي هذا الحوار أحاول استكشاف ملامح حياة وكتابة واسيني الأعرج الإنسان والكاتب:

- كانت الكتابة لك دوما بمثابة أسلوب مقاومة للموت سواء موت الروتينية اليومية أو الموت النابع من الإرهاب؛ قرأت بنفسك خبر اغتيالك في إحدى الصحف، وكانت الكتابة هي الحياة التي تحميك صدفتها من الموت، فماذا تشكل لك تلك الثلاثية الحياة/الكتابة/الموت؟

هي الثلاثية التي تحدد معنى الحياة نفسها، على الأقل بالنسبة لي. لا حياة بلا كتابة، يندغم أحيانا معناها بالمعنى العميق الذي نلصقه بالحياة. ويبقى الموت رهانا مستحيلا إلا بالإصرار المستمر على الحياة، أي على الكتابة. كنت دائما هكذا منذ طفولتي الأولى. ربما لأن الحياة التي خضتها كانت قاسية وكان فيها الموت والحياة عنصران يتحكمان في كل المسارات.

استشهد الوالد في 1958 وترك وراءه امرأة بستة أطفال: ثلاث بنات، وثلاثة صبيان، عليهم أن يأكلوا ويشربوا ويلبسوا. كنت أرى والدتي يوميا وهي تقاوم باستماتة للعيش، أي لفرض منطق الحياة والاستمرار على الرغم من قسوة الموت. قسوة العلاقة مع الموت تتأتي من كوننا لا نستطيع حيالها الشيء الكثير، ومع ذلك، لا خيار لنا إلا الاستسلام لصيرورة الحياة وخوضها بالبهاء الذي يليق بها. فلا يمكننا أن ننفصل عن شرطيتنا الحياتية القاسية.

فعلا، أقول أحيانا شكرا للأقدار الطيبة التي شاءت أن أستمر في وقت انتهي فيه الكثير من أقراني إما إلى الموت الحقيقي أو الموت الرمزي، ربما لأن عنصر الحياة في كان وما يزال قويا جدا. هناك أحداث كثيرة كنت سأموت فيها ولكنها ربطتني بالحياة أكثر.

واسيني الأحرش الذي كان يشتغل في منظمة الأمم المتحدة بالجزائر العاصمة، أشعر تجاهه بذنب داخلي. كان رجلا طيبا وأحس كأنه منح صدره للموت ليقيني من اغتيال كان يتهددني يوميا. لم يكن له أي نشاط ثقافي أو سياسي، كان إداريا بامتياز، وكنت مؤهلا يومها لأن أموت لأني كنت في الواجهة، وهو حدث في حد ذاته ليس مهما كثيرا بالخصوص أننا كنا نعيش يوميا عشرات الأحداث الدرامية المتكررة التي تفوق الدراما الشخصية.

جعلني ذلك أتشبث بالحياة أكثر نكاية في القتلة. الحياة أصبحت هي رهاني وليس الموت والكتابة ظلها الجميل. عندما وصلني خبر موتي في سنة 1994، أول شيء قمت به هو إخبار عائلتي، لم أكن أريدها أن تتضرر، أمي كانت هشة كثيرا من الناحية الصحية على الرغم من قوتها وقدرتها الاستثنائية على المقاومة.

عرفت فيما بعد أن الموت لم يكن دعاية ولكن شخصا يحمل تقريبا نفس اسمي قد اغتيل يومها. لا أدري إذا كانت الصدفة تقف من وراء ذلك أم أن قوة ما شاءت أن أستمر أكثر مما كان مقررا لي أن أعيشه.

الحادثة الثانية والتي لا تقل خطورة عن الأولى، هي مواجهتي للموت بعينين مفتوحتين إثر الأزمة القلبية التي تعرضت لها في ربيع 2008. هناك قوة كامنة تجعل من حياتنا ضرورة يومية. كل شيء كان مهيأ لأن أموت يومها: الخميس 27/3/2008، مساء الأربعاء 26 مارس/آذاؤ، انتهيت من ممارسة الرياضة والجري مع ابنتي في ساحة لافيلات، المدينة العلمية في باريس، وعلى أطراف نهر الأورك. شعرت بتعب كبير وكنت أظن أن السبب هو الرياضة. رجعت إلى البيت ودخلت إلى الحمام وارتحت قليلا في البنوار، كما أفعل عادة بعد الرياضة. شعرت بالتعب أكثر وظننت أن الأمر يتعلق بنزلة برد أو زكام.

استمر التعب معي ولكني لم أعره أي انتباه. لاحظت ريما ابنتي، ذلك. وكانت هي الوحيدة من كان معي، زينب، زوجتي كانت بالجزائر، وباسم ابني كان في كندا، في جامعة مونتريال في إطار بحثه في الدكتوراه في القانون الدولي.

حاولت أن أكتب قليلا في روايتي "سوناتا لأشباح القدس" ولكني شعرت بتعب كبير. كان علي أن أذهب إلى السوربون، دروسي الخميس والجمعة. نصحتني ابنتي بالاعتذار والبقاء في البيت والذهاب إلى طبيبنا الخاص. ولكني أصررت على التدريس. حسنا فعلت. عندما أردت مغادرة المترو شعرت بالتعب نفسه، يتضاعف أكثر، ولم أخرج إلا بصعوبة. كانت تمطر يومها. وقفت. شعرت بشيء غريب. بحالة فشل في كل جسدي. ولكني شعرت بأن هناك خزانا من الطاقة، مخفيا يمكن أن يوصلني إلى الجامعة. طبعا لم تكن السوربون إلا على بعد حوالي 100 متر أو أقل ولكنها بدت على أبعد نقطة.

كنت أمشي, أتوقف لأسترجع بعض أنفاسي قليلا، ثم أمشي رافضا أن أسقط إلا داخل الجامعة. عندما فحصني طبيب العمل في الجامعة, عرف كل شيء. لم يسألني كثيرا ولكنه نصحني بأن لا أنام قدر المستطاع وأن لا أتحرك كثيرا، وطلب سيارة الإسعاف الجامعية المجهزة طبيا، فاقتادتني بسرعة وسط المطر والحيرة، نحو مستشفى الأمراض القلبية "كوشان - سان جوزيف".

على الرغم من شبه الغيبوبة فقد بدأت في كتابة رواية ذهنية وانتهيت منها في اليوم العاشر عندما خرجت من جناح العناية المشددة لأنقل إلى جناح الاستشفاء المكثف. عشرة أيام كانت كافية لأن تجعلني أكتب ذهنيا أعنف رواية في حياتي: "إيروتيكا؟" إلى اليوم لا أعرف السبب الدافع إلى ذلك. دونت بعض تفاصيل الرواية وقد أكتبها يوما.

كنت حزينا على رواية "سوناتا لأشباح القدس" لأني تركتها معلقة في أجزائها الأخيرة، وكأن مصير العالم كان معلقا عليها؟ عندما عدت إلى البيت، بعد الحالة المرضية والنقاهة وفتحت الكمبيوتر في آخر صفحات الرواية، وجدتني أتوقف بدهشة عند آخر كلمة كتبتها: الموت. وأتممت الجملة: الموت انسحب، ولم يعد يومها معنيا بي. ثم دخلت في سباق محموم لإنهاء نصي قبل المفاجأة الكبرى.

ويوم انتهيت من الرواية شعرت كأني انتصرت مرة أخرى على الموت. وإذن فالرابط بين الحياة والموت والكتابة حالة لا يمكن فكها أبدا لأنها رهاننا الوجودي في النهاية. الموت في النهاية كان دافعا لي للاستمرار في المقاومة والحياة والاستمرار بإيجابية بدل الوقوف على العتبة والتفكير في الموت فقط. وهكذا استمرت هذه العلاقة الثلاثية معي في تناغم غريب. وربما تفسيري النفسي للكتابة الكثيرة عندي، هو أني لا أريد أن أترك فجوة فراغ يتسلل الموت منها.

غنى لغوى وثقافى

- تكونت شخصيتك الإنسانية والإبداعية فى الجزائر، وتعيش أستاذا في فرنسا بجامعة السوربون، درست بالفرنسية طالبا، وتدرس بالفرنسية أستاذا، وتكتب بالعربية مبدعا، كل هذا التنوع تشتت أم ثراء؟ ما آثاره في شخص وأدب واسيني الأعرج؟

كل إنسان هو عبارة عن رحلة خاصة لا شبيه لها مطلقا من حيث تفاصيل الانتماءات المختلفة. من هنا أنظر للغنى اللغوي أو الثقافي وحتى العرقي كحالة إيجابية والتي تفترض بالضرورة القدرة على الاستيعاب والاضطلاع بالحالة.

طبعا، الموضوع ليس بسيطا من حيث هو موضوع إشكالي بالضرورة في مجتمعات لم تحل مشكلات الهوية الأساسية. المجتمعات العربية أخفقت في ذلك بامتياز وهو ما سيؤدي حتما إلى تفككها إذا لم تستدرك حالتها قبل فوات الأوان. انظر المشكلات العرقية والدينية واللغوية، ستجد أنه ولا بلد عربي، حتى الأكثر استقرارا، ينجو من هذه المخاطر. ما هي أصولي أنا الذي يختزل كل شيء في مفردتي عربي مسلم؟ أين هي أصولي البربرية في هذا التوصيف الرسمي؟ أين جذوري الموريسكية الإسبانية؟ أين سندي اللغوي والثقافي المزدوج؟ ويمكنني أن أفتح النقاش على تشظيات لا تنتهي. وهي سبب المشكلات العميقة عندما يتم التنكر لها أو إهمالها؟ ولهذا يجب أن نتريث في الأحكام التعميمية.

 

اكتساب لغة جديدة مثلا هو فسحة ثقافية تنفتح على عالم لا نعرفه جيدا. بفضل اللغة الفرنسية اطلعت على جزء مهم من الأدب العالمي ولم أنتظر الترجمة العربية. من عرف لغة قوم، عرفهم وعرف جزءا من العالم المخفي، ولا يأمن فقط شرهم كما تقول المقولة المتوارثة خطأ لأن اليوم بإمكانك أن تعرف لغة قوم ولا تنجو من شرهم.

للغة الفرنسية تاريخ في الجزائر، ولا يمكن رميه بمجرد رغبة أو إرادة. لدينا أجيال متعاقبة تفكر وتكتب وربما تحلم بهذه اللغة. صحيح، بالنسبة للجيل الأول كان هدفه اللغوي نضاليا، لأن اللغة العربية كانت محاربة، ثم أنه جيل تثقف بهذه اللغة وأنتج نصوصه العالمية بهذه اللغة أيضا. من يستطيع اليوم أن يتنكر لمنجز محمد ديب وكاتب ياسين ومالك حداد، وآسيا جبار وغيرهم من الذين كتبوا بهذه اللغة ولم يمنعهم ذلك من أن يظلوا جزائريين.

الأجيال التي تلت، وضعها يختلف جذريا ونحتاج إلى الكثير من الحيطة قبل الحكم عليها. الكثير منها أبدع باللغة الفرنسية، وللأسف جزء مهم من هده النخبة غير مترجم إلى العربية. المساحة ليست سهلة على الذي يكتب اليوم باللغة الفرنسية، إذ على كل كاتب مفرنس أن يطرح السؤال التالي الإجباري: ماذا يمكن أن أضيف إلى ما كتبه محمد ديب وطاهر بن جلون، وألبير كيمي، وكاتب ياسين ورشيد بوجدرة وغيرهم مما يجعل الفعل الكتابي صعبا؟ هذا هو السؤال.

هؤلاء ينتمون إلى جيل كتب وفق الحاجة كما كان كاتب ياسين يقول عن اللغة الفرنسية: "اللغة الفرنسية غنيمة حرب". واستفاد منها وأفاد الممارسة الروائية الجزائرية بقوة. لا يوجد أي إشكال فهم يكتبون باللغة التي يتقنونها جيدا. الشيء نفسه يمكن أن يقال عن الجيل اللاحق مثل رشيد بوجدرة ورشيد ميموني والطاهر جاووت أو الجيل الذي تلاهم كتابيا على الأقل وليس سنا مثل بوعلام صنصال وسليم باشي وأنور بن مالك، فقد أعطوا للرواية الجزائرية المكتوبة بالفرنسية إيقاعا جديدا توجه نحو النقد أو استعادة التراث الثقافي الوطني والعربي والإنساني.

الكتابة باللغة الفرنسية ليست عيبا في حد ذاتها، لأننا في النهاية نكتب باللغة التي نوصل بها حواسنا وعواطفنا بقوة. أن تكتب بلغة وتعادي لغة أخرى هذا لا يمكن تصنيفه إلا في خانة العنصرية الرخيصة. فاللغة ليست حاملة لشيء وبمقدورها أن تحمل كل شيء أيضا، البشر هم من يعطيها التوجه الأيديولوجي.

في هذا السياق العام وهذه الأسئلة المعقدة، نشأت كتاباتي باللغة الفرنسية. ولكني كنت خارج عقدة الذنب أو الأزمة اللغوية. كتبت براحة، باللغة الفرنسية، الكثير من أبحاثي والتجأت لها عند الحاجة الماسة، مثل بيت ثان عندما وجدتني في مواجهة قاتلة مع الإرهاب وكان علي أن أمر عبرها لأن الناشر العربي كان خائفا من المجازر التي كان يرتكبها القتلة المتطرفون.

ناشري في بيروت لم ينج من هذا الخوف من الأصولية المتطرفة. كان يفترض أن ينشر روايتي: "سيدة المقام" التي قام بصفها ولكنه لم يستطع أن يذهب أبعد من ذلك بسبب الإرهاب وخوفه علي من القتل، مع أني كنت في القائمة السوداء، وبدأت أعيش حياة سرية. اللغة الفرنسية وقتها أنقذتني من الصمت وأدين لها بالكثير مما حصل لي لاحقا من مكاسب جميلة.

لقد كتبت رواية "حارسة الظلال" بالفرنسية واختيرت من ضمن أجمل خمس نصوص صدرت في سنة 1996 في فرنسا، "مرايا الضرير" لاقت رواجا كبيرا في باريس والعواصم الفرانكفونية على الرغم من مصادرتها في الجزائر في المطبعة، لكن الطبعة الفرنسية الصادرة بباريس ظلت تسوق في الجزائر، والشيء نفسه عن روايتي "مضيق المعطوبين" التي صدرت قبل سنوات قليلة بالفرنسية.

اللغة الفرنسية بالنسبة لي على الأقل، سند عظيم لمجابهة تخلف الرقابة العربية فقد منحتني فسحة أخرى للكتابة ليست أقل قيمة من ناحية المقروئية. طبعا سأظل كاتبا باللغة العربية بامتياز وأنا ممتن لهذه اللغة الجميلة، فقد أعطتني كل شيء بما في ذلك الحب، والشهرة التي يركض الناس وراءها، وجمهورا من ذهب أبادله يوميا نفس الانشغالات الثقافية والكتابية. لماذا أتخلى عنها وهي في ومني؟

التوفر على لغتين للكتابة هو امتلاك لحرية أكثر ولإمكانات تعبيرية أغنى. أذهب إلى أبعد من ذلك، لدينا شباب يكتبون اليوم بالإيطالية وبرعوا فيها بل وتحصلوا على الجوائز, مثال على ذلك عمارة لخوص ومترف وآخرون وقد سبق أن كتبت عنهم في جريدة الحياة قبل مدة، وعن أعمالهم الروائية.

تجربة متفردة أنتجتها ظروف القتل والعشرية السوداء والرغبة في الخروج من دائرة الضيق في سنوات الخراب والحرق 1993-2000 ولو أردت أن أفصل في الموضوع ستجد أن اللغة شيء وعبقرية المبدع شيء آخر، وهؤلاء سخروا عبقرياتهم الخاصة لينتجوا نصوصا متميزة خارج اللغة الأم. عاشوا في إيطاليا وأتقنوا اللغة وعبروا بها في مجتمع يعيشون فيه وأصبحوا يفكرون جزئيا بلغته.

تخضع اللغة أحيانا لظروف خاصة لا سلطان لنا عليها، تخدمنا أو تكسرنا. فإذن أنا أرى اللغة من الموقع الإيجابي والبرغماتي. لا يمكن أن نقف ضد لغة تمنحنا الحياة. معظم أبحاثي العالمية التي ألقيها خارج الوطن العربي تكتب باللغة الفرنسية. تدريسي في السوربون يتم بهذه اللغة أيضا. هذا كله لا يمنعني بأن يكون جزء مهم من داخلي غربي وبربري وإنساني يمنحني مزيدا من الحب لثقافتي التي تعيديني دوما إلى جدتي التي كانت وراء تعلمي اللغة العربية وعشقها.

اللغة العربية والإبداع

- كتبت ثلاث روايات باللغة الفرنسية والكثير من الأبحاث الحرة والأكاديمية والدراسات، واخترت العربية لتكتب أغلب إبداعاتك الأخرى، في الوقت الذى يرى فيه بعض الكتاب الجزائريين والمغاربيين، أن العربية ليست صالحة لإنتاج إبداع عالمي معاصر؟

 

دعني أقول لك بسرعة إن كل من يقول عن لغة أيا كانت، إنها غير قادرة، بالخصوص في المجال الأدبي، هو العاجز وليست اللغة. لكل لغة عبقريتها ولكل منها قدراتها الباطنية للتعبير عن أعقد دواخل الروح. طبعا الفكرة التي تقول بها مهمة في حياديتها، لأنها تنبني على رغبة مبطنة للوصول إلى الآخر. الآخر لا بوصفه مهيمنا مطلقا ولكن يمكن مزاحمته على الأقل في الأدب، لأن الأدب لا يعترف كثيرا بالتقدم والتأخر

ولك أمثلة كثيرة في الثقافة الإنسانية في أسمى معانيها، كاتب مثل إسماعيل كدري جاء من بلد صغير ومتخلف هو ألبانيا، جيمس جويس من إيرلندا التي لا تتجاوز مساحتها مساحة أي بلد عربي صغير، عتيق رحيمي من أفغانستان الذي لم يمنعه بلده المتخلف من الحصول على جائزة الكونكور الفرنسية التي هي أرقى جائزة.

الأمثلة كثيرة. ولهذا يجب أن لا نستغرب أن ينشغل المثقف العربي والروائي تحديدا، كغيره من كتاب العالم، بالعالمية التي تدفع بجهده الإبداعي من دائرة الضيق إلى دائرة أكثر تعقيدا وانفتاحا وإنسانية. فسؤال العالمية الذي تطرحه الرواية العربية على نفسها بشكل متواتر، أمر مشروع لأنه محاولة أولية لتحديد وضعها في سياق الرواية العالمية وأي مسلك عليها أن تسلكه لتصبح جزءا من الذاكرة الجمعية الإنسانية؟ أي جهد عليها أن تقدمه لكي تصل إلى الاعتراف بها كمنجز إنساني وليس كجهد فردي أو جماعي مرتبط بمحلية تضيق الخناق أكثر مما تدفع بالرواية نحو وضع اعتباري يليق بها.

السؤال إلى هذه اللحظة مشروع، بل وطبيعي ولا تتفرد به الرواية المغاربية وحدها، بل هو حال كل الروايات في البلدان المأزومة، التي تنتظر اعترافا خارجيا. لكن السؤال سرعان ما ينزلق عن حدوده الموصوفة عندما يفترض العالمية كحل لكل المعضلات الأدبية وكمآل ضروري وإجباري لكل نص يتوخى الانتشار وكأن العالمية، كما يفترضها جزء مهم من النقد العربي والكاتب نفسه، خاضعة فقط لغنى النص وحده ولقيمته الرمزية والأدبية. أي أن النص الروائي هو المحدد الأساسي للقيمة الإبداعية وبالتالي للاعتراف.

تأمل بسيط يعيدنا إلى الاعتبارات الخفية التي تتحكم في القيمة المفترضة، تتجاوز القوة النصية المحتملة. يبقى المشكل متعلقا بالانشغالات الثقافية الكثيرة وليس اللغة. يمكن أن نكون مبدعين بأصغر لغة في العالم بالمعنى الجغرافي كما قلت. ولو أن خارطة اللغات اليوم مرتبطة بعقلية امبريالية يمكن أن نسميها الامبريالية اللغوية. عقلية الهيمنة والسطو. لكن المسالة مرتبطة أيضا بالقناعات الداخلية التي نملكها وقوتها تجاه ما نملك من لغة. هناك أدعياء اللغة العربية ولكنهم ضعاف النفوس في النهاية. لم يفرضوا أنفسهم لا في لغتهم ولا في لغة غيرهم. لكنهم لا يشكلون حالة عامة.

 

هناك كاتب جزائي لا داعي لذكر اسمه، ذهب نحو اللغة الفرنسية بحثا عن الشهرة، وهو لا يتقن لا عربيته التي غادرها، ولا اللغة الفرنسية التي ذهب نحوها، وظل يشتم عجز اللغة العربية ولكنه اليوم مثار سخرية أكثر منه مسألة جادة. الكتابة بلغة هي أولا احترام لها، وهذا الاحترام يقتضي معرفة كلية للغة. الناس ليسوا أغبياء. كان يظن أن شتم اللغة العربية سيجعل الجوائز تتهاطل عليه ولكنه لم يحصد إلا المرارة والعجز.

الآخر.. علاقة لا تحكمها العقد!

- منذ الحملة الفرنسية على مصر والعلاقة بين المثقف العربى والحضارة الغربية؛ تمثلها باريس فى الغالب، علاقة جدلية تحوي الانبهار والخوف وإعادة تقييم الذات ومحاولة تمثل الآخر أو التشبه به أو نقده .. إلخ حسب المشروع الثقافى للمبدع والمرحلة، ما الذى تمثله علاقتك أنت بالآخر الغربى، الآخر الذى احتل وطنك، وتعلمت بلغته، وتدرس فى جامعاته، وتبدع في أرضه بلغتك أنت ولغته أيضا؟

المسألة ليست شخصية وإلا لكانت قد حلت. والدي استشهد في الثورة الوطنية، هل علي أن أحقد على اللغة الفرنسية والفرنسيين؟ سأكون مجنونا إذا فعلت ذلك لأن بهذه اللغة تكلم أغلب رواد الحركة الوطنية وصاغوا بها مواثيقهم، وتكلم بها الفرنسيون الذين ساندوا الجزائر وقتلوا بسبب هذا التضامن مثل مايو وإيفتون وأودان وغيرهم، الذين سميت بأسمائهم الكثير من الأماكن في الجزائر؟

لا. هل علي أن أحقد على الجيل الجديد من الفرنسيين الذين أعمل معه في نفس الجامعات والمؤسسات الثقافية، الذي لا علاقة له مطلقا بما وقع في زمن غير زمانه في الفترة الاستعمارية؟ طبعا موقعي واضح من الاستعمار الذي دمر البنية الاجتماعية واللغوية للجزائر.

سنكون مجانين وصغار وحتى عنصريين إذا وضعنا كل الناس في سلة واحدة على أساس تاريخي أو عرقي أو لغوي أو غير ذلك. طبعا فرنسا التي كانت واجهة ديمقراطية ومرفأ دافئا لحقوق الإنسان تغيرت الكثير من بنياتها الثقافية، ولم تعد كما كانت بعد أن مسها ما مس أوروبا عموما من فوبيا الإسلام والعربي الذي ألصقت به صفات الإرهاب بعيدا عن كل المسببات الجوهرية التي تجب محاربتها محليا ودوليا.

مأساة 11 سبتمبر/أيلول كانت كارثية على المستوى الإنساني العام والعربي تحديدا. على الرغم من ذلك، تبقى فرنسا بلد التوازنات التاريخية التي يصعب تخطيها بسهولة وتتحرك في لحظة الخطر بشكل موحد. عندما هددت في الانتخابات في نهاية التسعينيات بمجيء اليمين المتطرف والعنصري فتوحدت حول شيراك اليمين وفوزته بأكثر من ثمانين في المائة. وهو ما يفسر اختيار المثقف العربي لهذا البلد لهجرته، بحثا عن ملاذ حياتي أو ديمقراطي.

لهذا يجب على العربي والمسلم أن يتذكر باستمرار، أنه ليس الأوحد في هذه الدنيا وأنه ليس الأوحد من يملك الحقيقة المطلقة، وأن عليه أن يستمع لما حوله. العلاقة مع الغرب هي علاقة نقدية وليست علاقة تقديسية. علاقة تصغي إلى الآخر وتستفيد من منجزه الثقافي والعلمي والحضاري. نحن اليوم في وضعية مزرية من التخلف، ولكن التخلف أيضا ليس قدرا من الأقدار ويمكن تجاوزه. ما يهمني كروائي هو أن أعبر عن هذه العلاقة الإشكالية مع الغرب من منطلق ما أملك من أدوات أدبية وفنية.

نتحمل مسؤولية ما يقع لنا أنظمة وشعوبا عربية لأننا لم ندرك كيف نتخلص من التركة الاستعمارية في تسيير الدولة: حاكم يملك كل شيء بما في ذلك مصيرك الحياتي، ومحكوم مستسلم لقدر لا علاقة للقوة الغيبية فيه ولكنه صناعة إنسانية بامتياز. لكن ذلك كله لا يبرئ الاستعمار الغربي من مسؤوليته التاريخية التي أنشأت بنيات من الصعب التخلص منها لأنها ليست فقط بنيات مادية ولكنها أيضا بنيات ذهنية تستمر طويلا. النقد القاسي لهذه العلاقة تجلى في رواياتي التاريخية، لأن هذا النوع من الروايات يمنحنا فرصة الخروج من دائرة الحاضر والذهاب بعيدا في سياق ما حدث لنا لنعرف مآلنا في النهاية. فحركة التطور العربي في سياق عالمي تحدد ما ينتظرنا في الأفق.

عبرت عن الحوار مع الآخر في عز الصراع الحربي بين الأمير عبدالقادر وخصومه في رواية: "كتاب الأمير"، ولكني حملت الغرب مسؤوليته الكبرى فيما حدث للعرب سابقا من تمزقات منعت ظهور دولة عربية موحدة على جزء من بلاد الشام بعد اتفاقية سايكس بيكو السرية، التي تعود اليوم من جديد وبنفس السرية للمزيد من التمزق العربي هذه المرة على أساس ديني وعرقي. أمامنا حالة العراق وحالة السودان، والأفق مفتوح على مزيد من الظلام. لهذا أقول من الناحية الروائية إن الكتابة من صلب تناقضات التاريخ ساعدتني كثيرا على تجاوز الأحادية القاتلة في الكتابة.

في رواية: "سوناتا لأشباح القدس" تحدثت عن محرقة أخرى، خفية، لا أحد يريد أن ينظر لها، محرقة الشعب الفلسطيني. تطرح هذه الرواية أسئلة معقدة وراهنة تتعلق بالحق الإنساني في الحياة والموت على أرض الطفولة والأجداد؟ العودة حق ثابت وشرعي، لكن إشكال العودة في "سوناتا لأشباح القدس" تجاوز المستوى السياسي إلى مستواه الإنساني، حيث اكتشف يوبا، ابن مي الفلسطينية الجذور، وهو يزور القدس لذر رماد أمه،

إن المسألة كانت أعقد مما تصوره. فلسطين ليست أرضا فقط، ولكن ذاكرة لم تعد هناك إلا أصداؤها وأشباحها التي تتكاثر باستمرار. فقد اندثر المكان ومسحت جوانب مهمة منه لكن صدى فيه لا يموت ما يزال مستمرا. ماذا لو عادت مي إلى مدينتها التي تركتها منذ نصف قرن؟ هل كانت ستعرفها؟ هل ستبقى؟

أتذكر في هذا السياق حالة شارلي تشابلن عندما عاد من أميركا إلى مدينته في بريطانيا بعد محنة الماكارثية. كان مزهوا برؤية مدينته ولكنه عندما وقف في وسطها ووسط الأمكنة التي كان يعرفها جيدا، بدأ يبكي بأعلى صوته. سئل لماذا تبكي يا تشابلن؟ قال: هل هي مدينتي، لم أعد أعرفها؟ ربما لم تكن هي التي تركتها ورائي؟ وانسحب منها نهائيا ولم يعد لها أبدا. المدينة التي كانت في رأسه ماتت منذ زمن بعيد. ربما لو كتب لمي العودة إلى القدس لبكت طويلا قبل أن تعود من جديد إلى نيويورك وتعلن حدادها للمرة الأخيرة. حلم العودة كثيرا ما يتحول إلى عالم ذهني وهو ما يشكل صدمة للعائد الذي إذا لم يكن قويا سيصاب بالجنون.

الرواية لا تمس مسألة العودة بالمعنى السياسي، ولكن مآل بشر سرق منهم حق العيش والحلم في الأرض التي بنيت عليها طفولتهم المسروقة. الطفولة هي أخطر شيء في حياة الإنسان لأننا لا ننفصل عنها إلا بحداد حقيقي وواضح.

العلاقة المتناقضة مع الغرب اشتغلت عليها بقوة في رواية "سراب الشرق" الطويلة كثيرا، والتي أظهرت فيها هذه النظرة غير المتوازنة والظالمة من الغرب، والتي أسهم فيها العربي أيضا بقسط من اللعب مع الإنجليز والفرنسيين مثلما يحدث اليوم. والتي انتهت بتدمير ما تبقى من اللحمة الوحدوية العربية في بلاد الشام. فوجدنا أنفسنا، بقرار تقسيمي واضح، أمام بلدان لم تكن موجودة من قبل بهذا الشكل الجغرافي المنفصل: سورية، لبنان، الأردن، فلسطين، والعراق.

الرواية التاريخية هي من أصعب الأجناس الأدبية وتحتاج إلى بذل جهدين موازيين بنفس القدر من الحكمة: قراءة التاريخ بمنطق الحاجة التاريخية للفهم، والبحث عن نبض الإبداع وسط ذلك كله. الأكثر من هذا أنه لا أحد يضمن أي شيء في المحصلة النهائية. إذ يمكن أن يكون العمل الروائي التاريخي منفرا للقارئ. فالتاريخ يحمل في عمقه بعض القداسة وكلما مسسناه قام سدنة البيت وحراس القداسة يشتموننا ويتهموننا بكل التهم. هذا لا يهم طبعا. المهم هو إضافة بعض المعنى إلى عالم أصبح بلا معنى، أو هو يتجه نحو ذلك بقوة، أي نحو المهالك. هذا الجهد الإبداعي هو وسيلتي في علاقتي بالغربي ومحاولة فهمي له سواء كان فرنسيا في حالة الأمير عبدالقادر، أو أكثر تعقيدا في "سوناتا لأشباح القدس" و"سراب الشرق" حيث نجد تكتلات معقدة فرنسية إنجليزية وحتى روسية في بدايات القرن الماضي.

الرواية التاريخية من أجل الحاضر

- رواية كتاب الأمير "مسالك أبواب الحديد" عن الأمير عبدالقادر الجزائرى ربما تكون هى الرواية التى قدمتك بشكل كبير إلى القارئ العام أو المثقف العادي، وهي رواية إشكالية بداية من أنها رواية تاريخية، عن شخصية شديدة الثراء والخلافية، مكتوبة بلغة عربية متعددة المستويات، تتماس مع أفكار كبرى مثل التسامح والحوار مع الآخر والتحضر والتخلف والنضال والخيانة. فما الذي ألجأك للتاريخ في هذا الوقت بالذات ولهذه الشخصية بالذات؟ وإذا كررت التجربة فأين ستذهب؟

أنا في عمق التجربة الروائية العربية التاريخية بعد كتاب الأمير. جاءت هذه الخيارات في سياق الرغبة الملحة في الإجابة عن الأسئلة الأكثر تعقيدا والمتعلقة ليس بالماضي وحده، لأن الماضي انتهي وأنجز ولكن من أجل فهم حاضرنا والانغماس فيه بقوة أكثر.

طبعا الكاتب كما تعرف لا يعيد إنتاج التاريخ وإلا لا قيمة لما يقوم به لأنه في هذه الحالة، سيضع العربة قبل الأحصنة والمفترض أن لا يفاجأ إذا راوح كل شيء مكانه. في الرواية التاريخية علينا أن ندخل عالما معقدا، نقرأه في حركيته وتناقضاته وليس في حالة استقراره لأننا في هذه الحالة لن نعثر على "الريتم" الذي يتوجبه النص الدرامي والتاريخي الإبداعي تحديدا.

لقد أخذت مني رواية "كتاب الأمير" أربع سنوات متتالية من الجهد المتواصل، لأجد شيئا متميزا أمسك فيه، يقول التاريخ ويقول الحاضر من خلال فكرة حوار الأديان والحضارات، كما ذكرت سابقا.

رواية "سراب الشرق" أخذت مني أيضا السنوات نفسها للإجابة عن سؤال يتعلق بمآل العرب في القرن العشرين. فأنا ابن هذه الثقافة وهذه الأمة في كل تحولاتها وتناقضاتها. لم أخرج أيضا في رواية "سوناتا لأشباح القدس" عن هذا المدار التاريخي المتشابك، في محاولة مرهقة للإجابة عن سؤال قومي يؤرقنا جميعا حول قضية فلسطين ومشكلات العودة والسلام المعلق على أفواه البنادق والتطرفات المختلفة.

التاريخ سمح لي أن أخرج من كتابات الأزمة والعشرية السوداء التي استنزفتني، ولكن كان علي أن أكون أحد شهودها الذين عاشوها بمرارة. لست نادما، هذا هو التاريخ وعلينا أن نكون شهوده الصادقين إلى حد كبير من موقعنا كأدباء، لأن الأديب لا يخاف من فقدان المؤسسات الخاصة والإمبراطوريات المالية الضخمة. لا يملك إلا ضميره الحي. من هنا فالعودة إلى التاريخ هي عودة أيضا إلى نظام الحكي. من هذه الناحية، التاريخ في جوهره غير بعيد أبدا عن الكتابة القصصية الدرامية. بل الكثير منه لا يمكن فصله عن الحكاية مما يسهل مهمة التعامل معه نسبيا من الناحية الدرامية والبنائية.

القارئ لهذه النصوص يكتشف بسرعة التدخل الشخصي في صلب الحقيقة التاريخية الذي يقربها أكثر من فن القص والحكاية ويسحبها من صرامة التاريخ. فالغيطاني مثلا لا يتعامل مع ابن إياس إلا « لينفيه ويتجاوزه. وفي هذا التجاوز الذي جوهره التحويل الروائي، تفقد المادة التاريخية الأولية زمنها».

من هنا، للتاريخ، على الرغم من صرامته، مساحة مشتركة مع الرواية، تجعل الحدود الفاصلة بين الرواية والتاريخ مغيمة قليلا وتمنح الروائي فرصة كبيرة للتعامل مع التاريخ بدون الخوف من المزالق الممكنة. الروائي، يشتغل على الحافات المستحيلة والضفاف التي تكاد تمحي لولا العلامات الصغيرة التي تحيلنا من حين لآخر لحقيقة ما تشغل موضوع الرواية بشكل كبير. صحيح أن التاريخ علم بآلياته واشتغالاته، ولكننا نتحدث عن التاريخ من حيث اعتماده على آلة السرد والنقد الذي يمنح الرواية حق التفاصيل الدقيقة التي لا تدخل مطلقا في منهجية التاريخ.

يمكنني القول في النهاية إن الرواية هي فن الأسئلة والتفاصيل الدقيقة التي لا تتوقف أبدا. فقد صاحبت الإنسان في كل أسئلته التاريخية والوجودية. يجب أن تخرج الرواية التاريخية من دائرة التشويق كما انتظمت عند جورجي زيدان، وتنصهر في النسق الروائي مزدوج المسؤولية أمام التاريخ أولا، وأمام الفن الروائي ثانيا.

 

بين المثقف والسياسي

- أنت مهموم بالشأن الإنساني والعربي والجزائري بالأساس بما فيه الثقافي والسياسي، لكنك ترفض الوزارة عندما تعرض عليك، فهل أنت ضد عمل الأديب بالسياسة العملية؟ يراها البعض فرصة لينفذ الأديب أحلامه وطموحاته من أجل شعبه، فماذا تراها أنت؟

هي مسألة خيارات ذاتية بحتة ولا قيمة كبيرة لها على الإطلاق. أن ترفض أو تقبل بوزارة أو بمنصب كبير، لا يغير ذلك من نظام الحياة ولا يقدم وطنا ولا يؤخره، والتالي، فائدته ثانوية. الشيء الذي أومن به كثيرا هو أنه يمكننا أن نكون مفيدين وجادين تجاه أوطاننا بدون أن نكون وزراء أو مسؤولين في مؤسسات. ربما هناك من هو أجدر منا لأداء هذه المهمة وعلى أحسن وجه. المسؤولية تقربك طبعا من القرار وهذا قد يكون مهما ولكن الابتعاد عنها لا يمنعك من أن تكون إيجابيا.

لقد قل حماسي للسياسة منذ زمن بعيد، وأصبحت مقتنعا أنه لا قوة في الدنيا تضاهي الفعل الثقافي بمعناه الفكري الأوسع، نحتاج فقط إلى قدر من العمق والذكاء. أعتبر نفسي خارج كل هذه الدائرة وهو انحياز في الجوهر لحريتي ولأنانيتي الأدبية. أن تكون وزيرا معناه أن تملك بالضرورة القدرة على أن تكون فعالا ومفيدا لبلدك، وأن تشتغل ضمن مجموعة تقتسم معك حدا معينا من الانشغالات الثقافية وإلا ما جدوى أن تكون وزيرا وفي حكومة أنت غير متفق مع خطوطها العامة؟

بكل تأكيد الأمر مهم، جميل أن يصبح بإمكانك أن تسخر كل خبرتك الفردية والإنسانية لتشييد صرح ثقافي يعود بالخير على بلادك. لدينا أمثلة في العالم كانت فيه وزارات الثقافة هي الواجهة الحقيقية للبلاد أكثر من السياسة، في اليونان مع ميركولي، في فرنسا مع جاك لانغ، في المغرب مع محمد ابن عيسى الذي أخرج مدينة صغيرة، أزيلا، من العدم ليحولها إلى قطب ثقافي عالمي .. إلخ.

المسألة ليست مرفوضة في المطلق، ولكنها ليست من انشغالاتي الأساسية التي أعيشها وأفكر فيها. ما زلت أرى أن حريتي أكبر من أي شيء آخر، فهي من يصنعني ومن يعطي المعنى لكل ما قمت به حتى الآن. اخترت المنفى مقابل كرامتي وحريتي وكتابتي. لقد قضيت العمر كله أركض وراء هذا الخيط الرفيع الذي اسمه الحرية. أنانيتي الأدبية كبيرة بل ومهلكة أحيانا. أغبط الأصدقاء الذين يملكون قوة نكران الذات التي تجعلهم يوفقون بين المسؤولية العليا والأنانية الأدبية، وأنا أعرف بعضهم وأحييهم.

لقد ساهمت كثيرا وما زلت إلى اليوم في الشأن الثقافي الوطني وأنا خارج دائرة المؤسسة وكنت إيجابيا في كل استشارة، ولم أبخل على الأرض التي وهبتني الحياة وشربت من دم والدي ومن صرخات تعذيبه في السجون الاستعمارية المظلمة. أخدم وطنا يقع في النهاية خارج المصالح الفردية وأكثر ارتباطا بأفق ممكن يجد فيه الناس حقهم في الحياة الكريمة والتعبير الحر.

ربما بدا كلامي مثاليا في زمن محكوم بالمصالح الصغيرة، ولكن هذه هي الحقيقة التي أومن بها. مطالبي في الحياة خارج معطى الحرية المقدس ليست كثيرة. في الوقت الحالي أجد متعة خارقة وكبيرة في الأدب الذي أعطاني كل ما اشتهيته: الحب، الأصدقاء، الاعتراف، السفر، ماذا نريد من الحياة أكثر من ذلك؟ فقد كان الأدب شهما معي إلى حد لا يتصور. منحني أكثر مما طلبت، المال وفرصة مساعدة الغير بالقدر الذي أستطيعه، وهو ما فعلته عندما حصلت على العديد من الجوائز الأدبية، بالخصوص تجاه الأطفال المرضى بالسرطان. أشكر الكتابة على هذا السخاء الكبير؟ هل ستمنحني الوزارة أكثر من هذا؟ لا أعتقد.

تاريخنا لم تعد تصنعه الشعوب

- الثورات العربية التحررية فى النصف الثانى من القرن العشرين انتهت بأنظمة دكتاتورية أداتها القمع وغايتها التوريث، وشعوب خرجت من اللعبة بالخنوع والصمت، وأدب في الغالب مدجن يلتزم بسقف غير مرئي لكنه لا يتعداه، وصحافة صراخ غير مجدي، وإعلام فضائيات غالبا أجوف.. فهل أثمرت نيران التحرر رمادا عفنا؟ ولماذا؟ وكيف نزيل عن الجذوة الرماد أم أنها خمدت تماما؟

الخيبات العربية كانت كبيرة. لم يأت الورثاء الجدد بشيء جديد يخرج البلدان العربية من تخلفها. المصلحة الخاصة أعمت كل شيء. حدثت عملية تبديل اتضحت مع الزمن، خرج الاستعمار من باب ودخل شبيهه من الباب الخلفي. كل الخيارات فشلت لأنها لم تكن حقيقية ولم تكن مؤسسة على قناعة راسخة، اعتنق الحاكم الوريث الفكر القومي لأن الشارع كان يريد ذلك وفي الخفاء ظل يناور ضد جاره العربي ويطمع في خيراته، اختار الليبرالية وحافظ على المؤسسات الإقطاعية على ما هي عليه في بناها الفكرية والمادية، جاء بالاشتراكية وكون من خلالها عصابات سرية استولت في النهاية على خيرات البلاد؟ نفس الحاكم قام بانقلابات ضد الملكيات العربية وأسس لنموذج توريثي أسوأ من الملكية؟ واختار الديمقراطية لينسف حقوق الإنسان والحريات الفردية والجماعية، وقس على ذلك.

بالنسبة للجزائر لم تكن هناك أية براغماتية. الاستعمار مرفوض طبعا، ولكن ألم يكن من الأجدى الاستفادة من تركته في التسيير والإدارة والزراعة حتى يتم تأسيس البدائل الحقيقية؟ رمينا بكل شيء أي ممارسات أكثر من نصف قرن على الأقل من التراكم الصناعي والحرفي والإداري، وبدأنا من الصفر وحللنا كل شيء بالخطاب السياسي والأيديولوجية الوطنية؟ فوجدنا أنفسنا أمام حالة في غاية التعقيد، زراعة متخلفة، بنية إدارية كلما ابتعدنا عن الحقبة الاستعمارية زادت تخلفا، أي أننا دمرنا القديم، ولم نخلق نظاما جديدا. حتى الأجيال التي جاءت فيما بعد، لم تضف شيئا، فقد كانت إمكاناتها ضعيفة والإطار المعرب لم يكن قويا أو لم يهيأ ثقافيا لمجابهة صعبة مثل هذه.

وأعتقد أن هذا ينطبق على مجمل البلدان العربية التي عرفت حقبة استعمارية طويلة أو قصيرة. أو البلدان التي عرفت نظاما ملكيا كان سباقا في إنشاء مؤسسات الدولة مسترشدا بالاستعمار الإنجليزي أو الفرنسي مثل الحالة العراقية أو المصرية وحتى الليبية. فقد تخلصت هذه الدول من الإرث الملكي ولكنها أنتجت ما هو أبشع: نظام جملكي، لا هو جمهوري ولا هو ملكي، يجمع بين سيئات النظامين، التوريث، والإيهام الديمقراطي. ما دامت الأعمال تقاس بمؤدياتها، لم تكن الناصرية في هذا السياق أهم من غيرها على الرغم من النية الطيبة التي حكمت هذه المشاريع القومية في مصر أو في الجزائر في فترة الرئيس هواري بومدين.

ونسينا فجأة أن نظاما يغتال معارضيه ولا يقبل بأية تعددية فكرية، لا يستحق الاحترام مهما كانت الأسباب والظروف المحيطة. المحصلة هي أن الحاكم لا يرهن الشعب فقط ولكن التاريخ أيضا. فأصبحنا نعيش تاريخ السلالات وكأن التاريخ لا تصنعه الحركة الشعبية بكل امتداداتها ونخبها المختلفة، ولكن يصنعه فرد أو جماعة يبدأ التاريخ منهم وينتهي عند أقدامهم. هل لنا الإمكانات لنستفيد من تاريخنا ونتحمله بالقوة التي تليق به؟

 

جزائر التسعينيات.. آتون ملتهب!

- انغمست في آتون الحياة الثقافية والسياسية بجزائر التسعينيات الملتهبة، ثم وقفت خارجها على أرض باريس. كيف اختلفت الرؤية في الحالين؟ وكيف أثر اختلافها على أدب وشخص واسينى الأعرج؟

لا أدري إذا وقفت بالفعل خارجها. أعتقد أني وقفت خارج النظرة الأحادية الميتة التي لا تقود إلا إلى المزيد من الإخفاقات. تعلمت شيئا مهما هو أن نرى الحياة في نسبيتها وأننا لسنا المالكين الوحيدين للحقيقة. عندما أعود إلى الجزائر، وأنا أعود لها كثيرا لأني مازلت أدرس في الجامعة المركزية، أشعر بأن شيئا ما يصر على ثباته وجموده على الرغم من التطور الذي حصل في الجانب الأمني والحياتي للناس. كأن يحدثني بعض المثقفين عن مشكلات اتحاد الكتاب الجزائريين مثلا، الذي لم يعد يعني أي شيء ثقافيا، لأن الثقافة لا يمكنها أن تنجز في سياق هيئة متهالكة كاتحاد الكتاب.

أشعر بالشقة والهوة التي ارتسمت بيني وبين هذا الجزء من النخبة الوطنية. كأن شيئا ما ظل في ذهنياتهم ثابتا ولم يتحرك أبدا. حتى عندما أريد أخفق في الدخول إلى دوائرهم. الزمن معي تحرك بقوة، بينما ظل مثبتا لديهم وهذا مركز الاختلافات التي تنتج أحيانا. ولهذا انسحبت بشكل شبه كلي من هذه الدائرة مع حفاظي على استقلاليتي الثقافية في بلدي. لم أغادر الجزائر بإرادة مسبقة إلا عندما تحولت إلى كائن بلا فائدة يعيش مثل الجرذ لم يبق فيه شيء إلا غريزة البقاء التي تحكم حتى الحيوانات. لم أخلق لهذا. حياتي وأحلامي كانت أكبر من مجرد الارتكان في زاوية.

كنت أحمل على ظهري أصوات أصدقائي المغتالين الذين لم تكتب لهم الحياة والاستمرار في الكتابة. خرجت، ولا أعتقد أن الرغبة في الحياة هي التي قادتني بقدر إصراري المجنون على تعقيد مهمة اغتيالي على قاتلي. أن لا أسهل مهمته مثلما حدث مع أصدقائي الآخرين الذين قتلوا على حين غفلة.

الخوف مسألة مهمة. لكنه عندما يصل إلى درجاته القصوى يصبح غير مخيف. لقد تفنن الإسلاميون في العمليات الإجرامية حتى أصبحوا لا يثيرون أحدا وقد سهلوا علاقتنا بالخوف وإمكانية السيطرة عليه. فقد كان هؤلاء القتلة ضد أقدم وأعظم قيمة أنجبتها البشرية ومات الناس من أجلها وشردوا بسببها وهي الحرية.

لم أستطع الصمت، فقد تكلمت كمواطن لا أكثر، مواطن يمتلك أداة اسمها الأدب لم يكن يدري أنها فتاكة ومزعجة للقتلة إلى ذلك الحد. مقتلهم الكتابة لأنها رديف المتعة واللذة والجنون والحرية وهي كلها قيم لا تروق للفاشيات الجديدة. كل الفاشيات تتشابه في منتهاها ولكن فاشيتنا جمعت كل تاريخ الدم والجهل والجفاف وطالبت به وأعطت لنفسها حقا ليس لها. ولهذا فقد كان موقفي هو موقف أي فنان له إحساس بعصره وبلده وناسه ولا يمكنه أن يسكت لأن السكوت في مثل هذه الحالات ليس شيئا آخر إلا التواطؤ مع القتلة وكنت عاجزا أن أتواطأ معهم في الوقت الذي تواطأ فيه الكثير من الكتاب وارتأوا في ذلك رهانا حضاريا وهم لا يعرفون أنهم كانوا يناصرون رهانا خاسرا.

وأنا أكتب "سيدة المقام"، كنت أراهم قادمين بجهلهم، وبأدواتهم الجهنمية ولم أكن قادرا على الصمت واضعا حياتي وحياة أبنائي في خطر. ربما كنت معنيا بعائلتي أكثر من نفسي, هل تدرى أنهم عندما وضعوني على القائمة السوداء حرروني. الإنسان عندما يعرف أنه سيقتل لن يصبح له شيء يخسره ولهذا سيحاول في اللحظة الفاصلة بين الحياة والموت أن يقول كل ما يمكن أن يقوله إنسان يريد أن يقول كل شيء قبل أن يموت. لقد صرت مثل الحيوان الجريح الذي يزداد خطره كلما نزف أكثر.

كنت ميتا مع وقف التنفيذ. ولهذا كتبت كثيرا في تلك الفترة: "سيدة المقام"، "حارسة الظلال"، "ذاكرة الماء"، "مرايا الضرير"، "شرفات بحر الشمال"، وكلها روايات ارتبطت بالمشهد الجزائري صفيت فيها حسابي لا مع الإسلاميين ولكن مع الرداءة السياسية التي لم تكن الحركة الإسلامية إلا إحدى متجلياتها. وناصرت قيما كنت وما أزال أرى أنها الأهم في الدنيا: الحرية والحب. بغيرهما سنصير حيوانات تائهة ويومها رفضت أن أكون حيوانا تائها. وإلى اليوم أعتبر حياتي مجرد وقت مددته الأقدار لأقول ما في القلب والذاكرة. حتى عندما اخترت المنفى كنت ما أزال أظن أن الكتابة هي وسيلتي لغسل كل الهزائم الداخلية والبحث من خلالها عن صفاء الحب والحرية

وربما انفتاحي على الكتابة العالمية وأسفاري عبر العالم وعلاقاتي الكثيرة مع الكتاب والفنانين في العالم، أكدت لي مرة أخرى أن لا شيء أبقى مثل هذه القيم الإنسانية التي تشكل العمود الفقري لكل كتاباتي. المنفى بهذا المعنى، على الرغم من قسوته لأنه ينتزعك من مكان باتجاه مكان آخر، ولكنه منحني قدرة قياس آلامي بآلام الآخرين وكم بدت آلامي صغيرة أمام آلام أمم وشعوب لا نسمع بها ولا تكرس لها كبريات الصحف سطرا واحدا والشاشات الكثيرة تعليقا صغيرا. يموتون يوميا بالآلاف ويدفنون بصمت ولا أحد يذكرهم>

البشرية صعبة وتصنع اليوم تاريخا قاسيا سيأكلها في نهاية المطاف بلا رحمة. المنفى أكد لي أن العالم صغير وأننا لسنا خارج دائرة البشر ولكنه عمق لدي الإصرار على الالتصاق بحريتي على القول والحب والذهاب بعيدا في حقي في العيش والحياة.

الأدب لا يحل مشكلة

- هل ترى أن الأدب قادر على تقريب المسافات بين الشعوب ورأب التصدعات التى تتسبب فيها مباريات كرة القدم والتهييج الإعلامي الغبي بين الجزائر ومصر؟ وهل ترى أن الأدب قادر على تغيير واقعنا العربي المأزوم منذ عقود؟

كل ما حدث ويحدث، دليل قاس على حالة التخلف التي تعيشها أوطاننا. الأدب لا يحل أية مشكلة ولكنه يصفعنا ويضع أمام أوجهنا قضايانا الأساسية ويجعلنا نشم رائحة البارود التي تحيط بنا. هل مشاكلنا الكبرى حلت؟ هل غادرنا تخلفنا؟ هل ربحنا رهانات الحداثة والديمقراطية؟ لا أحتاج إلى أية إجابة، حالة مجتمعاتنا تتكلم وخير دليل على الحالة المأساوية التي يعيشها الوطن العربي. طبعا أحب كرة القدم، ولكني أستمتع بالرياضة أولا وأخيرا. في مباراة كرة قدم عاطفتي تذهب نحو وطني، ولكنني أقبل بالهزيمة والاعتراف بقوة الخصم وضعف فريقي عندما يحصل ذلك, ما حدث بيننا أظهر ليس فقط هشاشة شعوبنا ولكن أيضا قلة حكمة مسؤولينا.

أستطيع الآن أن أستعيد الشريط من أوله إلى آخره، ونجادل طويلا من كان البادي ومن كان الظالم والمظلوم؟ ولكن هل المشكلة بكاملها، من حيث الجوهر، تستحق ذلك كله؟ والله أخجل عندما أسأل عن ذلك من طرف أصدقائي الفرنسيين في السوربون أو في الأوساط الثقافية لأني لا أملك الرد. أعطينا لوحة متكاملة عن تخلفنا المدقع وعن تخلف وضعنا الثقافي أيضا. إذ بدل أن يتحرر المثقف من سلطان الحاكم، سقط فيه ولم نرق بنقاش المسألة إلا فيما ندر، لنخرجها من دائرة الأحقاد التي ما نزال إلى اليوم ندفع ثمنها القاسي وسيحتاج الأمر إلى زمن لكي ننسى هنا وهناك، مشاهد حرق الأعلام التي أرفض ممارستها من حيث المبدأ حتى على علم أعدائي فما بالك علم إخوتي؟ وصلنا لشتم الشهداء والتلفيق الإعلامي بقتل لم يحدث، وحرق المؤسسات الاقتصادية ووو... السبب؟ مقابلة كرة قدم؟

لقد تم تسييس الكرة كثيرا إلى درجة دخلتها حسابات سلطوية كثيرة مكشوفة. ولهذا سأفاجئك إذا قلت لك أصبحت اليوم أرفض بل أطالب بإلغاء فكرة عزف الأناشيد الوطنية في الملاعب ورفع الأعلام، وأدعو كمثقف إلى إرجاع الرياضة إلى أصولها الأولى: المتعة، خارج الرمز السياسي الذي يحول الملعب الكروي في مؤداه الرمزي إلى مساحة حرب صورة مصغرة عن صراع قتالي بلا هوادة فيها الكسر والجرح وأحيانا القتل، وكل شيء يقع أمامنا وسط ترسانة لغوية قتالية، شبيهة بلغة المعارك، وهو ما يوقظ الأحقاد والعنصرية وغيرها من أمراض العصر. يحتاج الأمر إلى أن نفكر فيه جديا.

الجوائز العربية.. بموضوعية!

- حصلت على عديد الجوائز العربية والغربية فما الذي تمثله الجوائز للمبدع؟ وهل لجوائز معينة أثر على المبدع واسيني الأعرج قبل الكتابة أو بعد الحصول على الجائزة؟ وما رأيك بصراحة في لعبة الجوائز العربية ولجانها التي تثار حولها الكثير من الشبهات؟

عندما نكوّن لجنة تحكيم علينا احترامها، هذا هو أس قبولنا المشاركة في جائزة من الجوائز وإلا لا توجد قوة خارقة ترغمنا على فعل ذلك. هناك من يختار مسلك مناهضة الجوائز وعدم المشاركة فيها لأي سبب من الأسباب، وهو محترم على ذلك، لكن الازدواجية هي الكارثة. مشكلة الجوائز في الوطن العربي هي هنا، في هذه الازدواجية. فقد حملناها بعض أمراضنا.

الجائزة هي لحظة تكريمية لا أكثر ولا أقل ويجب أن لا تكون أكثر من ذلك. لا تعني أكثر من ذلك، فهي لا تحدد أبدا مسار الكتابة مطلقا عند الشخص، إذا جاءت مرحبا بها فهي اعتراف جميل بأن قارئا قاسمنا مشتركنا، وإذا لم تأت فالكاتب يستمر في مشروعه الكتابي. عدم الحصول عليها ليس قضية أبدا. الكاتب يواصل الحياة مؤمنا بأن الحسم في جائزة يعود إلى لجنة تحكيم لها حساسياتها القرائية كغيرها من القراء في الحياة العامة.

مشكلة المثقف الكبير عندنا، عندما يشترك في جائزة يفعل ذلك بيقين الفوز، وإلا تصبح الجائزة سيئة وصهيونية ومشكوك في أمرها؟ إذا لم يفز لها يشتمها ويقاطعها؟ حالة عبثية غريبة. بصراحة ينم هذا عن حالة تخلف لا تعرف مدلولات الجائزة. الجائزة أمام مشروع الكتابة لا تساوي الشيء الكثير. صحيح أني فزت بجوائز وتكريمات محلية وعربية وعالمية كثيرة، ولكنها ليست بالنسبة لي أكثر من حالة اهتمام مشجعة ومفيدة للكتاب في حركته القرائية، لكن أهم شيء هو صراعي مع مشروعي الكتابي الذي ينتظر مني الكثير وبعض العمر. هذا هو رهاني الأول والأخير. أشكر طبعا كل من وضع فيَّ هذه الثقة العالية والكبيرة.

الجائزة مهما يكون هي اعتراف بمجهود يبذل في الصمت والخفاء والعزلة. عالم الكتابة ظالم وصامت لا صوت له إلا النص الذي يخرج إلى الوجود بعد طول معاناة. طبعا كلما فزت بجائزة شعرت بسعادة كبيرة تغمرني، لأن الجائزة منحت لي بسبب كتاب وليس شيئا آخر، أي بسبب مجهود صامت أخذ مني العديد من السنوات. ولكن الأمر يجب أن يتحول إلى قوة دافعة أكثر للذهاب إلى الأمام والكتابة وتحسين الجهد الكتابي وتوسيع آفاقه الإنسانية بحيث يصبح معبرا، من منطلق الذات، عن أزمة العصر الكبرى ومآلاتها، هذه هي رهاناتنا الحقيقية ككتاب.

   

واسيني الأعرج: الكتابة خيار حياتي اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2017
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير