التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 105
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » تقارير » الفن التشكيلي من المعاصرة إلى الشارع


الفن التشكيلي من المعاصرة إلى الشارع الفن التشكيلي من المعاصرة إلى الشارع

عزالدين بوركة (القدس العربي :) الأحد, 03-ديسمبر-2017   02:12 صباحا

الفن التشكيلي من المعاصرة إلى الشارع

هل خرج الفن المعاصر بالفعل من معطف جوزيف بويز (1921 ـ 1986)، معطفه الذي ارتداه وهو يقوم بأداء عرضه الفني في مدينة نيويورك عام 1974؟ أم أنه خرج أول ما خرج مع دولاب ومبولة مارسيل ديشامب؟ أو لعل بداياته الفعلية من أصحاب «الفن واللغة»؟ هؤلاء الذين تقدمهم جوزيف كوزيت بكراسيه الثلاثة (الخشبي والمصوَّر واللغوي). بين هذا وذاك فقد شكل الثلث الأخير من القرن الماضي مفترقا أساسيا في بلورة الفن المعاصر، الذي استمد فلسفته من الفلسفات ما بعد الحداثية.
الفن المعاصر الذي خرج إلى الشارع حاملا معه مفاهيمه ولغته وآثاره وصوره، الشارع الذي سيجعله مسرحا لعرض تصورات الفنانين الجدد، الذين جاءوا قاطعين الصلة مع كل سرديات الحداثة الكبرى. لقد أسست هذه الثورة الفنية التي انبثق منها ومعها الفن المعاصر، لعدة فنون جديدة، قوبلت بالرفض من قبل مجموعات كبيرة من الفنانين ودور العرض وغيرها، إلا أن عجلة الفن لا تنفك تتغير وتتبدل وتتطور؛ إذ بعد عقود قليلة سيجد فنانو الفن المعاصر متسعا وإقبالا كبيرين، ساهمت فيه دور العرض الجديدة والمؤسسات الرأسمالية الكبرى والمتاحف المعاصرة، بالإضافة إلى وسائل الإعلام، لما لها من قوة في حشد الجماهير. تمكنت مجموعة من النقاد الذين جاءوا من حقول عدة، أهمها السوسيولوجية والفلسفية، من بلورة هذا الفن ووضعه موضع تساؤلات ساهمت في تطويره، تكريسا لرؤية جديدة للواقع. هذه الرؤية التي تسعى إلى إعادة تأويل وتفسير الواقع وفق قناعة الفنان وميوله الفنية. هذا ما سيشكل نوعا من الاصطدام الفني والسياسي، خاصة في المعسكر الغربي ومن والاه، إذ سيظل الاتحاد السوفييتي إلى حين سقوطه، خانقا للفنان باعتباره «أداة تعبيرية سياسية» بيد رجال السلطة وأيديولوجياتهم. فقد سعت فنون غربية عدة، من بينها الفلوكسس إلى الانعتاق من سطوة الكبت الجسدي واللاهوتي والعقلي والسياسي، والتعبير عن الفوضى والعبث كفلسفة ما بعد الحرب العالمية، ورفض الحواجز بين الفن والحياة. هذا الانعتاق الذي قاده جوزيف بويز ومن معه، خلق فنونا عدة أخرى من «الحدوتة» وفنون الأداء وغير ذلك، في مسعى للسخرية من الوضع الاجتماعي والسياسي الراهن.

مواجهات جوزيف بويز
لقد ساهمت مجموعة من الأحداث السياسية الكبرى التي شهدها العالم في العقود الأربعة الأخيرة من القرن الماضي؛ من حرب فيتنام والحرب الباردة، انتشار الأسلحة النووية، والتوسع الرأسمالي، والتغيرات الجيوسياسية التي عرفتها الخريطة العالمية، خاصة بعد سقوط جدار برلين، في إبراز فنانين مهتمين بالحدث السياسي وآثاره، ما جعل بعضهم يدخلون في صدامات مع القوى السياسية، وقد ساهم جوزيف بويز، باعتباره أحد الأسماء الأساسية في تطوير وإبراز الفن المعاصر، في عدة توجهات سياسية تسعى إلى الدخول في مشاحنات مع القوى الحاكمة، من أجل خلخلة تلك السلطة أو الدعوة إلى السماح بالمزيد من الحريات الإنسانية والإبداعية.

تمجيد الإنساني
سعى الفنان المعاصر إلى الانزياح بعيدا عن أي التزام سياسي، وهذا أمر لا يختلف فيه ناقدان، هذا الانزياح لم يبتغ الهروب من الطروحات السياسية المتعلقة بالإنسان وحياته اليومية، فقد عمد الفنان المعاصر إلى الانطلاق من اليومي والمهمش والهامشي والعابر لبناء أعماله الفنية، إذ أن فلسفات ما بعد الحداثة أزالت عنها غبار أساطير الحداثة بعودتها إلى اليومي بعيدا عن أي عباءات ثقيلة تثقل الحداثة. من كل هذا اليومي والزائل والعابر والهش والشفاف، يحضر الإنسان بتوصيفه «إنسانا مفرطا في إنسانيته» بالمعنى النيتشاوي. ومن هذا اليومي المتعلق بالضرورة بالتغيرات السياسية والاجتماعية والقضايا الأخلاقية والدينية والاستهلاكية والإعلامية، ينطلق الفنان المعاصر في تشييده لمنحوتاته وإنشاءاته الفنية أو تركيب ملصقاته الرقمية أو أعماله السيريغرافية وعروضه الأدائية.

الالتزام السياسي
مع الفن المعاصر، صار هذا الفنان أكثر التزاما بالقضايا السياسية بشكل أكبر من الماضي، لأنه لم يعد مجبرا على نقل الطبيعة وتصويرها، بل إنه إن يعتمد على التصويرية الحكائية أو التشخيصية أو الفوتوغرافية وغيرها، والأساليب شبه التجريدية والواقعية المفرطة وغيرها، فهي غاية لطرح قضاياه اليومية من خلال طرح تشكيلي فني، لا يبتغي المباشرة قدر الدهشة. لهذا نجد فنانين غربيين معاصرين جعلوا من القضايا السياسية أرضا يستندون إليها في طروحاتهم التشكيلية. من هنا نستحضر لوحة بيكاسو الشهيرة غيرنيكا (1937)، ويومين جون الفنان الصيني (1962) الذي يعتمد في أعماله على طروحات سياسية في الغالب، عبر أسلوب التهكم والسخرية عبر رسومات شبه تجريدية وتشخيصية. وفنان الشارع بانكسي (اسم مستعار) الذي اشتغل حول مواضيع سياسية أهمها حرب نيبالم وقنابل أمريكا الحارقة، بالإضافة إلى قضايا اجتماعية متعلقة بالجنس (مثل الخيانة الزوجية). ولويس كوميز الذي يتهكم بالسياسات الأمريكية عبر منتجاته الفنية التي تجمع بين الماركات الاستهلاكية والرموز الدينية والسياسية. وباتريك ماكغرات الذي يعالج أعماله بفنية عالية تجمع بين الإثنوغرافية في بعدها الميثولوجي والتعابير الاستهلاكية المعاصرة عبر الماركات العالمية التي تستحوذ على السياسات العالمية. وأشهرهم إسحاق كوردال الذي تناولت أعماله مجموعة من القضايا السياسية المتعلقة بالاقتصاد أو العدالة أو السياسيين أنفسهم بشكل فيه من التهكم ما فيه والترميز والفنية العالية، عبر منحوتات سواء بارزة أو نحت ناتئ أو نحت مجسم، إذ سيعمد إلى إنشاء إحدى أهم أعماله (الصورة) والمتعلقة بأمر الانتخابات والساسة، المعروضة في برلين سنة 2011.

فن الشارع/الفن الثوري
إن تاريخ الفن هو تاريخ سياسي ضمني، فأعمال رامبرانت، الذي يعد من كبار الفنانين في التاريخ، كانت تحمل طروحات سياسية ضمنية، فقد اهتم بالسياسة الهولندية التي صارت جزءا لا يتجزأ من أعماله. بينما جاء الـ«بوب آرت» كنوع من الاحتجاج الفني عن مجموعة من الممارسات الاستهلاكية، خاصة في أوروبا. هذه الممارسات الاستهلاكية التي ترتبط بالضرورة وبشكل كبير بجل القضايا السياسية الراهنة. أما فن الشارع أو الجداريات (غرافيتي) التي يبدعها فنانو الشارع، فقد اهتمت بشكل كبير بالقضايا الدينية والسياسية بالضرورة كموضوعين رئيسيين يعمد الفنان لطرحهما عبر رسوماته التي تكون في الغالب مفرطة في الحجم وتهكمية. لهذا ظل فنانو الشارع مطاردين من قبل الشرطة في كل البلدان التي ظهروا فيها.

فن الشارع في العالم العربي
فن الشارع عموما هو ذلك الفن الذي يرتبط بالشارع باعتباره معرضا مجانيا للإبداع والعرض، إذ يعتبر فضاء بصريا ليعبر الفنان عبره عن رؤيته للواقع وللحياة الاجتماعية والسياسية. فهو مصطلح يُطلق تحديداً على أشكال الفنون البصرية التي تم إنشاؤها في الأماكن العامة، كفَن الملصقات والنحت والجرافيت (الجداريات)، وكذلك الأعمال الفنية بدون حسيب أو رقيب خارج سياق أماكن الفن التقليدي، وقد اكتسب المصطلح شعبية خلال فترة ازدهار فن الكتابة على الجدران في ثمانينيات القرن العشرين. ويتعلق هذا الفن بقابليته المنفلتة والزائلة والعابرة ما يجعله فنا معاصرا. وساهم فن الشارع بشكل كبير، في التعبير عن هموم الشارع العربي، خاصة في فترة ثورات الياسمين، أو ما سمي بالربيع العربي، وقد اشتهر في هذا السياق الفنان المصري Keizer (اسم مستعار)، الذي يعد من أوائل الفنانين الذين نشروا هذا الشكل من التعبير مع صعود الثورة، كما تعتبر أعماله ذات طابع هزلي تجاه العسكر. ويعمد فنانو الشارع غالبا إلى إخفاء وجوههم وأسمائهم، أو الاعتماد على الأسماء المستعارة والترميز، فالشارع مِلكٌ للعموم. ولأنهم دائما مطاردون من رجال الأمن لا يظهرون إلا بأسماء متخفية، إلا أن هذا لا يمنع وجود فنانين طبعوا أسماءهم على الجدران وعلى شاشات الإعلام (آل سيد/مصر، ضياء رامبو/السعودية، سامي الديك/فلسطين، ليلى عجاوي/الأردن، يزن حلواني/لبنان، الأخوان عمر ومحمد قباني (أشكمان)/لبنان، يوسف الزاوي/المغرب). فقد ساهم هذا الفن إلى حد كبير في العالم العربي إلى تقريب الفنون البصرية إلى المواطن العادي، وجعله يحتك بها ويتفاعل معها، لأنها بالضرورة، تخاطب مشاعره وهمومه اليومية والراهنة.

الشارع المغربي
في المغرب ستظهر موجة كبيرة نوعا ما من فناني الشارع والغرافيتي، إلا أنها موجة ظلت دائما في الجانب المظلم من الليل، إذ لم يتح لها الظهور أبدا لما عانته من ويلات المطاردة البوليسية. وإن نجد مجموعة من الأعمال الكرافيتية مرخصا لها، في بعض الأزقة، إلا إنها تظل أعمالا ساذجة وتنحى إلى ما هو بيئي وعام لا يرتبط بما هو اجتماعي وسياسي. ولكن .. في مجموعة من الشوارع الرئيسية في المغرب ستظهر موجات من التعابير المكتوبة بالخط، في دلالات لها علاقة بالمد الحراكي الذي شهده المغرب في فترة الربيع العربي، ما سيؤزم العلاقة بين الفنان الكرافيكي والسلطة السياسية. هذا ما سنشهده مؤخرا، عندما عمدت الشرطة في الدار البيضاء إلى اعتقال يوسف الزاوي وأحد أصدقائه، والتحقيق معهما لساعات طوال وإطلاق سراحهما في ما بعد. بعدما عمد الفنان إلى محاولة للتعبير عن رؤيته الاجتماعية والسياسية، وذلك عبر وضع ملصق مركب من أجزاء عدة (قُرب المحطة الطرقية في الدار البيضاء، 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2017)، يُجسد جسد شاب عارٍ، وُضع بدل رأسه شاشة تلفاز وبدل القلب وضع أيقونة الدولار، (باعتبار القلب مركز التفكير في العقلية العربية)، وبدل جهازه التناسلي وضعت أيقونة قلب.
في دلالة عميقة تحيل إلى كون الشاب العربي بات محكوما بالإعلام (الخاضع لسيطرة الدولة) الذي يتحكم بعقله وتفكيره ويوجهه نحو ما يريد ويبتغي في تبليد وتبليه وإفراغ العقل من كل إمكانية الوعي والإدراك، بالإضافة إلى التعبير عن الكبت الذي يعاني منه الشاب العربي اليوم، كبت قد يبلغ إلى المستوى السياسي، بالإضافة إلى إبدال التأزم المادي الذي أضحى همّ وتفكير الشاب العربي. فالفن والسياسة لا تربطهما علاقة تنافر بالمعنى القطعي، فالفن كان حبيس السياسي في فترات من الزمن، إلا أنه كان دائما منفلتا ومتحررا، خاصة مع ما شهده من ثورة في الفن المعاصر، هذا الفن الذي سعى فنانوه للتعبير بالضرورة عن اليومي والاجتماعي والسياسي، كمنطلق وغاية فنية، إلى جانب الانتصار لما هو إنساني.

   

الفن التشكيلي من المعاصرة إلى الشارع اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2018
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير