"بيت الكريتلية" في القاهرة: لقاء الغرب والشرق

نشوى فتحي (الحياة:)

الثلاثاء, 28-نوفمبر-2017   01:11 صباحا

يُقصَد بالآثار الإسلامية كل ما تركته الشعوب التي اعتنقت الدين الإسلامي، سواء كانت منشآت معمارية دينية أو مدنية أو عسكرية أو فنوناً تشكيلية. وتُقسَّم الآثار الإسلامية حسب العصور التاريخية مثل الآثار الأموية والعباسية والطولونية والمملوكية والعثمانية. وهناك تقسيم آخر وفقاً للبلدان التي نشأت فيها كالآثار الإيرانية والتركية والمغربية والمصرية. وكان إنتاج المسلمين غزيراً في كل المجالات، ففي العمارة ابتكروا أنواعاً لم تكن معروفة، مثل المسجد والمدرسة والخانقاه والتكية والزاوية والرباط وغيرها.
وتُعد المنازل من الآثار الإسلامية المدنية التي لها أهمية كبيرة في وصف معيشة الإنسان وخصوصيته، وعادات وتقاليد عصره. وكان لمنازل الفسطاط سمات خاصة، كتخطيط المدخل مُنكسِراً، ليلائم مع التقاليد الشرقية، ويعطي نوعاً من الاستقلالية والاطمئنان للأسرة، وكذلك وجود الفناء المكشوف وسط المنزل تتوسطه فسقية، لتلطيف حرارة الجو وتُزرع حولها الزهور والأشجار.
ويُعد بيت الكريتلية نموذجاً فريداً في العمارة في العصر المملوكي الجركسي والعثماني، ويقع في ميدان أحمد ابن طولون في القاهرة. سكن البيت كثير من الأسر وسُمِّي بيت الكريتلية عندما سكنته سيدةٌ من جزيرة كريت اليونانية.
شهد هذا البيت سنوات من الرخاء إلى أن تدهورت الأوضاع المالية، وانتشر الفقر والجوع والمرض والفوضى. وكان آخر من سكنه جاير أندرسون، الذي ولد في عام 1881، وكان طبيباً في الجيش البريطاني، وجاء إلى مصر عام 1906. كان أندرسون فناناً عاشقاً للآثار الإسلامية، وهذا ما دفعه إلى أن يستقيل من وظيفته عام 1924.
أمضى أندرسون ثماني سنوات من أجمل أيام عمره في هذا البيت، وسبب انجذابه إليه هو أنه خلال عمله كضابط في الجيش، وبينما كان يتفقد جامع ابن طولون، رأى أمراة جميلة تطل من مشربية البيت، وإذا بها تنظر إليه وتشير له أن يدخل، ولم يكن يعرف حتى اسمه ولكنه تعلق به كثيراً. غادر أندرسون مصر، ثم عاد إليها عام 1935، وزار جامع طولون، فوجد المنطقة تغيّرت كثيراً، إذ أزيلت البيوت العشوائية التي كانت حول الجامع، فظهر البيت متجلياً. حينها تذكر أندرسون تلك الفتاة الجميلة التي نظرت إليه من مشربية هذا البيت قبل 29 عاماً، فطلب من الحكومة المصرية أن يسكن فيه من دون إيجار، مقابل أن يُساعد في ترميمه، وأن يعيده إلى سابق عهده ويجمع فيه تحفاً من أنحاء العالم ويحافظ على طابعه الشرقي الإسلامي البديع. كما طلب أن يتحول البيت إلى متحف يحمل اسمه بعد وفاته. ويشار إلى أن أندرسون ألّف كتاباً، تضمّن 14 حكاية عن ارتباط الجان بهذا البيت، سمعها من الشيخ سليمان الكريتلي، خادم الضريح المجاور، واعتبرها أساطير.
البيت عبارة عن مبنيين بينهما (قنطرة) تصل بينهما من الداخل وممر يفتح بواسطة باب كبير يصعد إليه بعدد من السلالم، يطل على جامع ابن طولون. البيت الأول بناه الحاج محمد بن سالم الجزار، في سنة 1041هـ- 1631م.
أما البيت الثاني، فبناه أحد أعيان القاهرة وكان يدعى الحاج عبدالقادر الحداد في سنة 947هـ- 1450م، وأطلق عليه اسم آمنة بنت سالم لأنها آخر مَن سكنه. وتتقدم البيت مِن جهة اليمين، قبة ضريح هارون الحسيني. المبنيان، تتقابل مداخلهما وتنكسر حتى لا تكشف من داخل البيت، تليهما طرقة معقودة ومنها إلى الفناء المكشوف وفي وسطه فسقية مِن الرخام. وكان ما يميز الفناء أو الصحن في العمارة المملوكية أنه عبارة عن درقاعة منخفضة عن الأواوين أو الغرف الموجودة حول الفناء. وفي الطابق الأرضي غرفة السبيل وفي منتصفها بئر عمقها تسعة أمتار، وشباكان لسُقية الناس من الخارج. وفي البيت مجموعة من القاعات، وهي القاعة الشتوبة والقاعة الصيفية، وقاعتان للحريم، وقاعة للاحتفالات خاصة بالرجال. أما الغرف التي كانت تحيط بالفناء المكشوف في المبنيين كغرفة الولادة وغرفة تزيين العروس قبل زواجها، واسطبل، وغرفة فيها قطع مجمعة من المنسوجات من بلدان وعصور مختلفة.
جلب أندرسون أثاثاً وتحفاً ولوحات وآلات موسيقية من بلاد مختلفة وصنّفها في قاعات، سميت كل واحدة منها باسم البلد الذي أتت منه تلك المقتنيات. كما أنه أعاد ترميم التحف الأصلية للبيت مع الفنان عبدالعزيز المشهور بـ «أبوشنب». أما غرفة نوم جاير أندرسون، فهي على الطراز الفارسي. واتخذ من غرفة تعلو السبيل مكتباً له، قبل أن تتحول بعد رحيله إلى مكان لتحفيظ أطفال المنطقة القرآن الكريم.
 ......
* باحثة في مجال الآثار الإسلامية..