شادية.. شريكة نجيب محفوظ في جائزة نوبل؟!

كمال القاضي (القدس العربي :)

الأحد, 03-ديسمبر-2017   02:12 صباحا

شادية.. شريكة نجيب محفوظ في جائزة نوبل؟!

هي خليط من مجموعة مواهب إبداعية، ارتقت بها إلى المكانة التي جعلت لها كل هذا الاعتبار، فحين كانت تشدو بأغانيها العاطفية، كانت تطرب القلوب وتهيئ الوجدان للحب والرومانسية.
وحين قدمت دور الفتاة الرومانسية في فيلم «شباب امرأة» للمخرج صلاح أبو سيف مع تحية كاريوكا وشكري سرحان، مثلت تعادلاً فنياً وإنسانياً لطبيعة المرأة التي تجمع بين المشاعر العاطفية الرقيقة والبريئة، والمكونات الغريزية الحسية المباشرة في علاقتها بالرجل، فقد أراد أبو سيف أن يجسد رؤية أمين يوسف غراب كاتب الرواية بشكل واقعي، معتمداً في الجزء الأول على إبداع شادية التمثيلي بوصفها ناقلة المعنى الإيجابي لطبيعة المرأة، في مواجهة الجانب السلبي المضاد الذي جسدته تحية كاريوكا باقتدار، وحين وصلت شادية إلى مرحلة النضج كممثلة، تعين عليها أن تقدم النموذج المناقض للحالة الرومانسية في أفلام مهمة مثل «اللص والكلاب» و«زقاق المدق» المأخوذين عن روايتين شهيرتين للأديب نجيب محفوظ، ففي الأول لعبت دور الراقصة التي تحب اللص سعيد مهران وتأويه خوفاً عليه من العقاب، وفي الفيلم الثاني جسدت شخصية حميدة الفتاة الشعبية الجميلة التي تتمرد على واقعها في الحارة وتطمح إلى الرقي وتتطلع لحياة أفضل.
وقد حظي هذا الفيلم دون بقية أفلامها الأخرى المأخوذة عن روايات محفوظ بالاهتمام العالمي، فأعادت السينما المكسيكية إنتاجه مرة أخرى بنجوم عالميين إبان حصول صاحب الرواية على جائزة نوبل، وهنا اكتسب الفيلم شهرة أوسع، واحتسبه النقاد والسينمائيون الأهم في أعمال شادية السينمائية، وبغض النظر عما إذا كان «زقاق المدق» هو الأشهر أو الأهم يظل للنجمة الراحلة رصيد وفير من الأفلام المتميزة التي تأتي على رأس إبداعاتها كـ«ميرامار» و«نحن لا نزرع الشوك» و«مراتي مدير عام» و«شيء من الخوف» وربما الأخير على وجه التحديد يعد الأكثر جماهيرية، فشخصية فؤادة، التي كانت محوراً رئيساً وأساسياً في الأحداث، ومثلت الرمز الحي لمصر في مواجهة الديكتاتور عتريس «محمود مرسي» لا تزال واحدة من علامات التفوق في أدائها التمثيلي على الإطلاق، كونها لم تعبر فقط عن موهبة استثنائية وحسب، وإنما دلت على وعي خاص في ثقافة الممثلة وتعاملها مع الدور الاجتماعي السياسي الإنساني المهم.
ولو اعتبرنا النجومية الغنائية هي جواز مرور شادية إلى السينما ونجاحها فيها، فلا بد أن نعترف أولاً بموهبتها كممثلة امتلكت القدرة على لعب كل الأدوار، بما فيها الأدوار التي لم يكن للغناء سياق فني فيها، كفيلم «المرأة المجهولة» وهو تحد حقيقي لقدراتها كفنانة نسيت تماماً في هذا الدور أنها مطربة، وركزت في الشخصية بعمقها وصدقها وواقعها وظروفها ومراحلها العمرية، فتفوقت الممثلة القديرة على نفسها واعتادت التفوق بعد أن صارت قيمتها كممثلة تضارع قيمتها وقدراتها كمطربة، وهو سر بقائها نجمة في المجالين لأكثر من أربعين عاماً، قبل أن تتخذ قرارها الاختياري الطوعي بالاعتزال، وهي لا تزال قادرة على العطاء عقب تقديمها لمسرحية «ريا وسكينة» وتدهش جمهورها بالقرار المصيري الجريء.
ولا شك أن تميز شادية كمطربة خلق لها قاعدة جماهيرية وشعبية عريضة كانت وراء تمسك الملايين بها، ورفض العقل الجمعي نسيانها، رغم غيابها عن الساحة منذ نحو ربع قرن، فالغالبية من الجمهور التي عاصرت تألقها في سنوات حضورها ومجدها تحفظ إلى الآن أغانيها عن ظهر قلب، وترددها نافية من ذاكرتها حقيقة اعتزالها وابتعادها عن الساحة، فما تركته من تراث غنائي يكفي لإشباع وجدان أجيال من عشاق صوتها الشجي المخملي الحساس، فميكروفون الإذاعة ينقل نبراتها ويجبر آذان المستمعين على الإصغاء، فيتبدد الشعور بغيابها، كما هو حادث مع أم كلثوم وليلى مراد ووردة وصباح وعبد الوهاب وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ وكل الراحلين من كبار المطربين والمطربات، وبذلك يتجدد حضور الفنانة بدون الإحساس المؤلم بالفقد، فحين نستمع لروائعها، «على عش الحب ـ يا سارق من عيني النوم ـ زينه ـ يا أم الصابرين ـ قولوا لعين الشمس ـ حكم علينا الزمن ـ يا دبلة الخطوبة يا حبيبتي يا مصر» نستحضرها صوتاً وصورة ونعيش معها وتعيش معنا.